د. محمد عباس ناجي *
يبدو أن سوريا مقبلة على استحقاقات سياسية وأمنية عدة خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع بداية تولي إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، مهامها في 20 يناير/ كانون الثاني الجاري(أمس). إذ بدا أن معظم الأطراف المعنية بتطورات الصراع السوري تتحرك لتوجيه رسائل استباقية، لإعادة التموضع بهدف التأثير في مجريات الأحداث، قبل أن تبدأ الإدارة الأمريكية باختبار مقارباتها الجديدة إزاء ملفات الشرق الأوسط، ومن بينها الملف السوري.
كان لافتاً في هذا السياق أن الأزمة في سوريا التي قاربت على افتتاح عامها العاشر، في مارس/ آذار المقبل، تقترب، في بعض الأحيان، من العودة إلى مربعها الأول من جديد، بعد أن بدأت ظواهر عدة في التبلور، على غرار عودة تنظيم «داعش» إلى الظهور بقوة في البادية السورية، وتصاعد حدة الاشتباكات بين النظام السوري والميليشيات الكردية، وتحرك تركيا لتأسيس نقاط أمنية جديدة وتعزيز وجودها على الأرض.
عودة «داعش»
تصاعدت في الفترة الأخيرة حدة العمليات التي يقوم بها تنظيم «داعش» في البادية السورية التي تمتد من شرق محافظة حمص، إلى أقصى شرق محافظة دير الزور، حيث نفذ هجمات عدة استهدفت القوات السورية، وحلفاءها. وهنا، فإن ثمة اعتبارات عدة تدفع التنظيم إلى تصعيد عملياته في تلك الفترة، يتمثل أولها، في اقتراب الذكرى الثانية لهزيمته في الباغوز، في مارس/ آذار 2019، حيث يسعى التنظيم إلى تأكيد أنه رغم كل الخسائر التي تعرض لها في الفترة الماضية، والتي أدت إلى تراجع نشاطه ونفوذه وسيطرته المكانية، إلا أنه ما زالت لديه القدرة على تنفيذ عمليات نوعية ضد النظام السوري، والميليشيات الموالية لها.
ويتعلق ثانيها، بمحاولة التنظيم استغلال تصاعد حدة المواجهات الإسرائيلية- الإيرانية على الأرض السورية، حيث رفعت إسرائيل مستوى عملياتها العسكرية داخل سوريا خلال الفترة الماضية، ضد المواقع السورية، وتلك التابعة لإيران، و«حزب الله» اللبناني، والهدف الأساسي منها بالطبع هو تقليص الوجود العسكري الإيراني داخل سوريا في الفترة القادمة، وقبيل وصول إدارة بايدن إلى الحكم، والتي قد تتجه إلى محاولة اختبار مدى إمكانية الوصول إلى تفاهمات مع إيران حول الاتفاق النووي، على نحو سوف يفرض ارتدادات مباشرة على الملفات الإقليمية المختلفة، ولاسيما الملف السوري الذي يحظى باهتمام خاص من جانب إسرائيل.
وينصرف ثالثها، إلى تركيز التنظيم على عمق البادية السورية، التي يتخذها نقطة انطلاق لشن هجماته ضد النظام السوري والميليشيات الموالية له، لاسيما أن الأخير كان حريصاً في الفترة الماضية على تكريس سيطرته على المدن والمناطق الرئيسية فقط، داخل البادية، من دون الوصول إلى العمق، ما منح التنظيم الفرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب صفوفه من جديد، والبدء بشن عمليات إرهابية نوعية ضد قوات النظام وعناصر الميليشيات الموالية.
تحركات تركية
بدأت تركيا بدورها في رفع مستوى حضورها العسكري والأمني داخل سوريا في الفترة الأخيرة. فقد قامت القوات التركية، في 15 يناير/ كانون الثاني الجاري، بإنشاء نقطة أمنية جديدة قرب مدينة سراقب، شرقي محافظة إدلب، كما أسست نقطة مماثلة في منطقة الوساطة بريف حلب الغربي. وتوازى ذلك مع تعزيزات عسكرية إلى تلك النقاط، ومع اشتباكات بين القوات التركية والفصائل الموالية لها، وبين ميليشيات «قوات سوريا الديمقراطية»، (قسد)، في عين عيسى، بريف الرقة الشمالي، وتل تمر بريف الحسكة ومنبج.
وتسعى أنقرة عبر تلك التحركات الميدانية إلى تحقيق هدفين رئيسيين: أولهما، توجيه رسالة مباشرة لإدارة بايدن تفيد بأنها طرف رئيسي في أية ترتيبات سياسية أو أمنية قد يجري العمل على صياغتها في سوريا خلال المرحلة القادمة، خاصة أن أنقرة لا تستبعد أن تقدم الإدارة الديمقراطية الجديدة على إجراء تغيير في السياسة الأمريكية إزاء الملف السوري خلال المرحلة القادمة، والتعويل على العمل مع الأطراف المنخرطة بشكل رئيسي فيه. وثانيهما، الحفاظ على التنسيق الأمني مع روسيا.
وربما يمكن تفسير ذلك في ضوء حرص أنقرة على عدم الرهان فقط على إمكانية رفع مستوى التنسيق مع إدارة بايدن. إذ إنها ما زالت تترقب السياسة التي سوف تتبناها الأخيرة إزاء العلاقة مع الميليشيات الكردية، والتي كانت تمثل محور خلاف رئيسي مع إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب، حيث لا يتوقع أن تتخلى الإدارة الجديدة عن التعاون مع «قسد»، لاسيما في ما يتعلق بدور الأخيرة في الحرب ضد تنظيم «داعش». فضلاً عن أن أنقرة تسعى إلى الاحتفاظ بورقة التنسيق مع روسيا لمواجهة الضغوط التي يمكن أن تمارسها الدول الأوروبية في المرحلة القادمة، بسبب اتساع نطاق الخلافات حول الملفات الإقليمية المختلفة.
تجدد الاشتباكات مع الأكراد
اللافت في هذا السياق، هو توسع نطاق الاشتباكات التي تنخرط فيها الميليشيات الكردية، إذ لم تعد تنحصر في المواجهات المسلحة مع القوات التركية والفصائل الموالية لها، بل امتدت إلى مواجهات مع النظام السوري، دفعت روسيا إلى التدخل من أجل تقليص حدة التوتر. وقد اندلعت تلك المواجهات، في 7 يناير/ كانون الثاني الجاري، بين القوات النظامية وقوات الأمن، «الأسايش»، التابعة للإدارة الذاتية الكردية في مدينة القامشلي، بمحافظة الحسكة. ورغم أن السبب المعلن لتلك المواجهات يتعلق بتقاسم الطرفين السيطرة على القامشلي، حيث تهيمن الميليشيات الكردية على معظم المدينة ومركزها التجاري، فيما تفرض القوات النظامية وجودها في المربع الأمني ومطار القامشلي، فإن ثمة أسباباً أخرى لا تنفصل عن مجمل التحركات التي يقوم بها الأطراف المنخرطون في الصراع. إذ تسعى الدولة السورية إلى تأكيد إصرارها على استكمال سيطرتها على الأرض السورية، وهي إشارة لها مغزاها تفيد بإمكانية انخراطها مجدداً في محاولات لاقتحام محافظة إدلب التي تضم معظم الفصائل المسلحة والتنظيمات الإرهابية، رغم الخطوط الحمراء التي تفرضها التفاهمات الروسية- التركية في هذا السياق. فضلاً عن أن روسيا تحاول بدورها توجيه رسائل إلى تركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية، بأنها الطرف الأساسي الذي يمتلك القدرة على ضبط الأوضاع الأمنية وصياغة الترتيبات السياسية.
من هنا، يمكن القول في النهاية إن العودة إلى المربع الأول للأزمة من جديد لم تعد احتمالاً مستبعداً بسبب تشابك مصالح الأطراف الرئيسية المنخرطة في الصراع، حيث لا يبدو أن الوصول إلى تسوية سياسية وفقاً للمرجعية الدولية بات قريباً، في الوقت الذي تتجدد فيها الاشتباكات العسكرية مرة أخرى بين الأطراف المختلفة.
* كاتب مصري