عادي

العولمة.. ابنة التوابل

23:31 مساء
قراءة 4 دقائق
1

محمد إسماعيل زاهر

تخيل أنك أحد تجار التوابل في العصور القديمة، ورغبت في الحصول على كمية وفيرة من القرنفل، ماذا كنت ستفعل؟، ما عليك وفق إحدى الأساطير الشهيرة إلا ركوب سفينة متجهة إلى الشرق، هناك وفي جزيرة قريبة من الهند، يقع وادي «كبش القرنفل»، وعند الوصول إلى الشاطئ يجب أن تترك البضاعة التي تريد استبدالها بالقرنفل، وتعود لتبيت ليلتك في السفينة، وفي الصباح ستجد كمية من القرنفل تساوي قيمة بضاعتك، فوفق الأسطورة لم تطأ قدم تاجر أو بحار هذا الوادي، والجن هم من يبيعون القرنفل ليلاً من دون أن يراهم أحد.

هل تناولت طعامك ذات مرة من دون توابل؟، حتى لو قال البعض «نعم»، فإن التوابل خدعتهم، فمعظم، إن لم تكن كل الأطعمة المُصنعة أو المحفوظة تحتوي على توابل، أو طاردتهم في بعض المشروبات أو حتى العطور ومستحضرات التجميل، أو لا حقتهم روائحها في الأسواق القديمة، أو أصابتهم بالدهشة عندما جعلتهم ينصتون بمتعة إلى تلك القصص والحكايات المتناثرة في مدونة التوابل. 

أساطير التوابل انتشرت لدى كل الشعوب، يذهب هيرودوت إلى أنها كانت تنمو في رؤوس الجبال في الجزيرة العربية، وكانت الطيور الجارحة تبني أعشاشها هناك، فما كان من جامعي القرفة إلا قتل بعض الحيوانات ووضعها عند سفح الجبل، ولا تلبث الأعشاش أن تتكسر تحت ثقل وزن الحيوان الذي يحاول أن يحمله الطير فتتناثر القرفة إلى أسفل الجبل، وهي حكاية استمرت حتى القرن التاسع عشر، واستخدمها الشاعر توماس مور في إحدى قصائده: «هذه الطيور الذهبية التي تهبط في وقت التوابل/ في الحديقة ثملة بهذا الطعام العذب/ الذي جذبهم عطره فوق فيضان الصيف/ وتلك الطيور تحت أشعة الشمس العربية الرقيقة/ تبني أعشاشها المبطنة بالقرفة». وساد اعتقاد قديم لدى الغربيين أن القرفة عبير الفردوس.

مناخات وأمزجة

تميز التوابل أيضاً بين طرائق تناول الطعام في مختلف ثقافات العالم، في المناطق الحارة: الهند وإفريقيا جنوب الصحراء والمكسيك، تقدم الأطعمة بتوابل حارة، بعكس تلك التوابل الهادئة في البلدان الباردة أو التي يراعى فيها المناخ الرطب، أي أنها تعبر بصدق عن المناخ وما يتبعه من تأثيرات تظهر في مزاج سكان هذه المنطقة أوتلك. 

هل يمكن الفرار من التوابل؟، هي ليست إضافة منكهة تمنح الطعام، المذاق المختلف والرائحة المميزة، ولكنها أيضاً وصفات طبية، ودخلت في الشعائر الدينية، استخدم قدماء المصريين اللبان والمر والسنا، في المعابد وعند الدفن، ويقال أن نيرون أحرق مخزون سنة كاملة من القرفة في جنازة زوجته.

في كتابه «التوابل..التاريخ الكوني»، يضع فريد كزارا قائمة بالتوابل العالمية والأكثر شهرة، يأتي على رأسها: القرفة والقرنفل والفلفل الأسود وجوزة الطيب، والفلفل الحار، بالإضافة إلى الهال والزنجبيل والكركم..الخ، ويعرف التابل بأنه الجزء العطري من نبتة استوائية، سواء أكان في جذرها أم لحائها أم زهرتها أم بذرتها، ومع استثناء الفلفل الحار والحلو والفانيلا فإن جميع التوابل ذات منشأ آسيوي. ومن هنا تبدأ حكاية التوابل.

الجذر الآسيوي للتوابل، خطط طرق التجارة قديماً، وكان أحد العلامات المهمة في عصر الاستكشاف، وأسهم في رسم تلك الصور الذهنية التي عرفت لاحقاً ب«الاستشراق».

في القرن الخامس عشر حصلت البرتغال من البابا على مرسوم بملكية جميع البحار والقارات والجزر التي يكتشفها البرتغاليون في ما وراء رأس «بوجادور»، وفي كتابه «ماجلان..قاهر البحار»، يذهب النمساوي ستيفان تسفايج أن هذا المرسوم، كان وراء هيمنة البرتغال على بحار العالم، وأن رحلة ماجلان كانت تهدف إلى الدوران حول الكرة الأرضية من أجل الوصول إلى جزر التوابل، أو جزر الملوك، في أندونيسيا، تلك التي تدر أرباحاً خيالية، حيث كان الناس يصفون الرجل الثري في تلك الفترة ب«كيس بهار»، وكانت قيمة التوابل في بعض البلدان الأوروبية توازي المعادن الثمينة، وهناك من استخدم التوابل في شراء الأراضي أو دفع المهر للعروس.

ملك الفلفل 

عندما نحاول أن نرسم خريطة لتجارة التوابل، سنجد أنفسنا إزاء سردية امتزجت فيها ألاعيب السياسة بالسباق الاستعماري، بأعلام من المستكشفين والبحارة والقراصنة، بتجارة شرعية وتهريب منظم استمر لعشرات السنين، وسنتنقل من طريق القرفة الذي يبدأ من شمال الهند الصينية مروراً بجزر الفلبين ويمتد إلى جزر الهند الشرقية وصولاً إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، ثم شرق إفريقيا أو جنوب المتوسط ومن ثم إلى أوروبا، سنقرأ في مفاصل تلك الخريطة عن الموانئ والمضائق، ومخاطر البحر، سنعيش لحظات حاول فيها البرتغاليون احتكار التوابل إلى درجة أنهم أحرقوا الكثير من الجزر ومارسوا الترويع واستعبدوا البشر واستخفوا بهم، كل هذا لكي تمتلئ خزائن الملك مانويل الأول (1495-1521) الذي أطلق عليه الفرنسيون: ملك التوابل..الملك البقال..ملك الفلفل، يقول سايمون هارفي في كتاب «التهريب.. سبعة قرون من نقل الممنوعات»، إن البرتغال أعلنت رسمياً في عام 1522 احتكار رسمي لتجارة القرنفل في جزر الملوك، وجوزة الطيب في جزر الباندا، والقرفة القادمة من الهند وسريلانكا. وتصل القصة إلى ذروتها مع هارفي ليقول: «جزر التوابل هي التي صنعت شركة الهند الشرقية المتحدة الهولندية»، بكل تاريخها المعروف لاحقاً.

لم تنته القصة هنا، حيث دخل الإسبان بقوة لتقاسم أرباح التوابل، وأعقبهم الفرنسيون، وصولاً إلى الإنجليز، الذين أسسوا بدورهم شركة الهند الشرقية البريطانية، وأنشأوا إمبراطوريتهم لتجارة التوابل، وكانت عاصمتها في سنغافورة، والتي حرص الإنجليز على أن تكون سوقاً مفتوحة لتوابل إندونيسيا والصين..الخ، وبالتدريج تحولت سنغافورة إلى حديقة للتوابل كما يذهب فريد كزارا.

لقاء ثقافي 

إذن شملت خريطة التوابل العالم بأسره، وشهدت لقاء للثقافات الأوروبية مع سكان الشرق وخاصة المناطق الاستوائية، لقاء لم يتسم أبداً بالسلام أو الحوار أو التعايش، بل كان هدفه الربح، وتميز بالعنف، فالمؤرخ فيرناندوا آرميستو، في كتابه «المستكشفون»، يلخص هذا اللقاء بأنه بدأ بالعناق واستمر بسوء المعاملة وانتهى بسفك الدماء. هي حكاية أشبه ما تكون في بدايتها وتصاعد أحداثها بالعولمة.

لقد كانت التوابل عبير الفردوس، الذي دفع الأوروبيين إلى التوجه شرقاً، فتغير العالم كما لم يحدث من قبل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/yg6uv69a