الترجمة من اللغة إليها

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

هل صدق المثل اللاتيني القديم: «المترجم خائن»؟ لا تبحث عن القول الفصل. الأغرب هو أن اللغة تخون حتى أهلها في ترجمة معاني مفرداتها من عصر إلى عصر. في هذا ما يُكذِّب استبساط التصور.
هل خطر على بالك أن الالتباس أو الغموض أو استحالة الفهم أحياناً، تسير دائماً في اتجاه واحد مع سهم الزمن؛ أي من الماضي إلى المستقبل. 
مثلاً: سيكون عسيراً وربما محالاً على المعري إدراك الكثير من لغتنا اليوم، لاختلاف الظروف الزمانية في جميع الميادين. لك أمثلة لا تحصى في العلوم الحديثة، وحتى في معارف العلوم الإنسانية، فمصطلحات الفلسفة والنقد الأدبي المعاصرين لا يُدركها القدامى بأيّ حال؛ بل خذ غرائب الطرائف من دليل المستخدم لأي جهاز بسيط، ودع عجائب لغة المعلوماتية، علم الوراثة، العلوم العصبية..
لكننا نحن نقدر، ولو بصعوبة بالغة أحياناً، على فهم نصوص الماضين. عربية القدامى تحتاج هي الأخرى إلى ترجمة، وفي بعض الحالات إلى ترجمات، شأن لغة المتصوفين الرمزية: الفناء في المشاهدة، الجذب، الحجاب.. بينما لا يتطلب الأمر أكثر من كسّارة بندق معجمية في «رسالة الغفران» لأبي العلاء أو نماذج وفيرة من الشعر الجاهلي.
من الحاضر إلى الماضي لدينا مرجعية. علم الحيل صار الميكانيكا، علم الهيئة أضحى الفيزياء. قالوا ذوات الأوتار وقلنا الوتريات. قال ابن خلدون العمران، وقال المعاصرون الحضارة.
الأمور تغدو شديدة التعقيد، بعكس ذلك التصور، حين تكون المفردة القديمة في حد ذاتها عشّ معان، باقة دلالات، بحيث يصعب تحديد المقصود منها إذا تنوعت مواقع استخدامها.
قد لا نجد في كل التراث العالمي ما هو أكثر تشعباً من مدلولات كلمة «موسيقى» في اللغة اليونانية القديمة، فما هي المرامي الدقيقة لفلاسفة أثينا حين كانوا يستعملونها؟ ثم ما هو اللفظ الذي يمكن أن يفي بالمضمون لدينا اليوم؟ ذلك مستحيل.
كلمة «موزيكيه» اليونانية تعني كل ما يتعلق بالموزات، الحوريات أو آلهة الإلهام الأسطورية؛ أي الموسيقى، الفنون المسرحية، الشعر في كل أشكاله الملحمية، التراجيدية، الرقص، الثقافة بوجه عام، الفلسفة، التاريخ، علم الفلك. «موزيكوس» هو الإنسان المثقف الشامل الكامل.
الشعر بدوره هو كل عمل إبداعي، شعري أو غيره، وتشييدي كفن العمارة. أما «تكنيه» أو «تخنيه» فتشمل كل الفنون، كل إنتاج فيه ابتكار بمهارة ومعرفة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاستخلاصية: إذاً ابن خلدون، أحمد شوقي وطه حسين مؤلفون موسيقيون.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"