عادي

مشروع فرويد على طاولة التنظير التاريخي

23:44 مساء
قراءة 3 دقائق

أحرز فرويد كشوفه العظمى منذ ما يزيد على نصف قرن، ويبدو فرويد في التاريخ الثقافي عَلماً من الأعلام الذين يجب أن تخضع إنجازاتهم للتقويم والتحليل التاريخي، ولسوء الحظ فإن الجهد الذي يبذل لفهم فرويد تاريخياً يتضاعف بسبب تعدد جوانب طبيعة الرجل وأعماله، فلم ينشأ جدال كبير حول التحليل النفسي، وإنما نشأت جدالات أصغر حول أبعاد وصراعات معينة، في التكوين الثقافي للرجل، فهناك فرويد الإكلينيكي وريث التقاليد العلمية في التجريب والملاحظة، وهناك من ناحية أخرى فرويد الفيلسوف المتأمل الذي خاض في الأنثروبولوجيا ونظرية العلوم السياسية، وأخذ على عاتقه مهمة تشخيص العصاب العام للتنوع الإنساني، وهناك مسألة التحليل النفسي، هل هو نتاج نهائي لوضعية القرن ال19، أو البداية المبكرة للثورة على الوضعية؟ تلك الثورة التي بدأ بها القرن ال20 على أن تكون السيكولوجيا يوماً ما فرعاً من الفيزياء أو الكيمياء، يقارن هذا بفرويد الذي أعلن في التسعينات من القرن ال19 اكتشافه الثوري أن الإنسان يمرض بسبب الذكريات، فرويد الذي قرأ دستويفسكي بحماس وكتب عن دافنشي بتعاطف، والذي اعتبر نفسه غازياً لا عالماً، وأخيراً هناك مسألة العقلانية في مقابلة الغريزية، فرويد الابن الوفي لعصر التنوير المناضل من أجل قيم العقل والإنسانية، هذا في مقابل فرويد الطبيب ملتمس الأعذار للأهواء، الذي صور الإنسان محباً للجريمة، غارقاً في الشهوات، ذلك الإنسان الذي لا يكون نفسه حقاً إلا في أشد لحظاته طفولية.

هذه الصراعات كلها حقيقية، وكان لدى مؤرخي الفرويدية كل الحق في محاولة حلها، ويقتصر هذا الكتاب الصادر عن مركز المحروسة للنشر، بعنوان «اليسار الفرويدي» لبول روبنسون، وقد ترجمه إلى العربية لطفي فطيم وشوقي جلال، على مجموعة من المثقفين الأوروبيين الذين استكشفوا القدرة الراديكالية لنظرية التحليل النفسي، فلم يكونوا على استعداد لقبول ما تراه الأغلبية من أن مشروع فرويد العظيم يتضمن رجعية سياسية ورفضاً للغرائز، بل وجدوا لديه مبادئ فلسفية سياسية راديكالية، تسعى إلى تقويض الثقافة القائمة، وكانت نتائج جهودهم هي تقديم تصحيح للتفسير السائد لفرويد باعتباره محافظاً. ففي كتابات رايش وجيزا روهايم وهربرت ماركوز، يبزغ فرويد مهندساً لتنظيم أكثر إنسانية لحياة الإنسان الجماعية، كما يبدو وارثاً للتيار النقدي في الفكر الأوروبي الاجتماعي، بل ومبشراً من نمط كارل ماركس.

يقول مؤلف الكتاب: «لقد اخترت أن أدرس رايش وروهايم وماركوز باعتبارهم الممثلين الأكثر تقدماً للتقاليد الراديكالية في مدرسة التحليل النفسي، فمنذ سنوات عدة وصلت إلى نتيجة أنه إذا استطعت أن أفهم كيف وصل بعض المثقفين إلى اعتبار التحليل النفسي عقيدة نقدية أو راديكالية، فربما استطعت أن أصل لفهم فرويد نفسه، بعبارة أخرى لقد شعرت بأن المرء يستطيع، بنجاح، أن يصل إلى العنصر الراديكالي في تكوين فرويد الذهني عبر الطريق الملتف للجناح اليساري من تلامذته».

وتناول المؤلف هؤلاء المفكرين الثلاثة باعتبارهم نموذجاً لتقليد معين في التحليل النفسي، وقد احترم فرديتهم في الوقت نفسه، أي في حين حاول وضع أفكارهم في موقعها من التقاليد الراديكالية الفرويدية، اهتم أيضاً بمنطق تطورهم الذهني الفردي، وقد سبق أن قال المؤلف إن هؤلاء المفكرين يمكن استخدامهم كمعابر إلى فرويد، لكنهم في حد ذاتهم لهم اعتبارهم كمنظّرين، وقد حاول أن يوفيهم حقهم بالنسبة إلى تماسك أفكارهم، وقد وجد من الأهمية بمكان أن يضع رايش وروهايم وماركوز في مكانهم داخل السياق الأكبر للتاريخ الثقافي الأوروبي في الفترة الحديثة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"