عادي

المقدم المؤخر جلَّ جلاله

23:30 مساء
قراءة 3 دقائق
رغيد
رغيد جطل

رغيد جطل
تختلف أحوال الناس وتتباين اتجاهاتهم، فترى الطبيب والمهندس والعامل والعالم، وكلٌّ منهم مسخَّر للآخر، فلو انعدم وجود أحدهم، لما استقام أمر الكون؛ إذ إن الطبيب يحتاج إلى العامل، لكي يُقيم له بنيان بيته وعيادته، وكذا العامل يحتاج إلى الطبيب لعلاجه إن مرض، ويحتاج كلاهما إلى المهندس الذي يخطط ويشرف على البناء، وكذا الحال بالنسبة للمهن الأخرى. هذا الاختلاف أقامه الله، لكي يزدهر الكون، ويستقيم بنيانه، فقدّم أناساً وأخّر آخرين «وهْوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ»، الأنعام: 165، وتقديمه وتأخيره لحكمة لا يعلم بها إلا هو، جلَّ شأنه، وهذا الأمر ليس خاصاً بالبشر؛ بل كل ما في الكون مسخّر لخدمة بعضه، وكل ما في الكون درجات متباينة.

المقدّم المؤخّر اسمان من أسماء الله الحسنى، ويقصد بهما أن الله ينزل الأشياء منازلها، فيقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، فيقدم الأسباب على مسبباتها، ويؤخر بعض الأمور عن بعض، لحكمة عظيمة أرادها لعباده. وقد ورد هذان الاسمان فيما أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير». وتقديم الله وتأخيره يشملان ناحيتين: التقديم الكوني كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتقديم الأسباب على مسبباتها، فقدّم رزق إنسان على آخر فربما يتجاور اثنان، وتكون لكل منهما نفس البضاعة، إلا أن أحدهما تجد الناس يصطفّون صفوفاً متراصة أمام دكانه، بينما الآخر قد لا يبيع إلا شيئاً زهيداً «وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ»، النحل: 71. وهنا العبد ينبغي أن يقنع بما رزقه الله وألّا يحسد غيره على ما آتاه الله من فضله، فربما تقديم غيره هو من باب الإكرام له، وربما كان من باب الاستدراج إلى جهنم، «وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ»، النساء: 32، ومن أمثلته تقديم الموت لإنسان قبل غيره مع أنهما مصابان بنفس المرض، ولكنها آجال يقضيها الله في خلقه «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ»، الأعراف: 34.

وهذا التقديم والتأخير لا يتناسب مع العقل البشري، الذي يربط الأسباب بمسبباتها، ولكن في الوقت ذاته الله قادر على أن يجري الأمر حتى لو لم يكن هنالك أي ترابط بين الأسباب ومسبباتها فالولد ثمرة ونتيجة لالتقاء الزوجين، وقد غيّر الله هذا القانون حينما خلق آدم بلا أب وأم، وخلق حواء من ضلع آدم من دون أم، وخلق عيسى، عليه السلام، من أم دون أب.

والنوع الثاني التقديم الشرعي: كتفضيل بعض الأنبياء على بعض، وتفضيلهم جميعاً على الخلق، وتفضيل بعض العباد على بعض، فالله اصطفى من الخلق الأنبياء وقدمهم على بقية البشر، ثم قدم بعض الأنبياء على بعض «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ»، البقرة: 253. كما اصطفى من خلقه نساء ورجالاً وقدمهم على بقية الخلق «وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ»، آل عمران: 42. والعبد المؤمن عندما يدرك حقيقة هذين الاسمين فإنه لا يقنط إن نزل بساحته أي نازل، فهو يعلم أن ما قدمه الله له خير، وما أخره عنه كذلك خير.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/2ctbymac