رضا السميحيين
تنطلق في الشارقة دورة جديدة من مهرجان الفنون الإسلامية، الحدث الذي اعتاد أن يحجز لنفسه موعداً ثابتاً في أجندة الثقافة العربية والدولية، بيد أن ما يميز انطلاقته في كل عام، هو اكتشافنا القدرة المستمرة للمهرجان على تقديم الفن الإسلامي خارج الصورة النمطية التي تحصره في الزخرفة أو إعادة إنتاج الكلاسيكيات، فالأعمال المشاركة تبدو كأنها تحاول الذهاب أبعد من ذلك، فهي تستند إلى روح التراث، لكنها تتقدم نحو تجارب فنية حديثة في الرؤية والتقنية، من الأعمال التركيبية إلى الأعمال التي تستخدم الضوء والصوت والخط بطرق مبتكرة، ليؤكد المهرجان مرة أخرى أن إرث الفن الإسلامي هو مشروع ثقافي قابل للامتداد في المستقبل.
تحت شعار «سراج» ينطلق المهرجان، ويبدو أن العنوان وحده يضيء الطريق إلى جوهر الفكرة، فالسراج في التراث الثقافي العربي والإسلامي رمز للهداية ومصدر للنور، وانعكاس للمعرفة التي تبدد العتمة، وتحمل في شعاعها معنى الخلق والاكتشاف معاً، هذا الشعار أو الرمز يعبر عن فلسفة المهرجان.
الحضور الدولي الواسع للمشاركين، يؤكد الطابع الكوني للفن الإسلامي، ويعكس قيمة مهرجان الفنون الإسلامية في الربط بين الثقافات المتعددة، التي تجمعها رغبة مشتركة في البحث عن جماليات جديدة داخل الإطار الإسلامي، في تنوع ثقافي يزيد من ثراء المعروض ويمنح المهرجان ثقلاً ثقافياً وفنياً مؤثراً في مسار الفن العالمي.
الشارقة، بما تمتلكه من حس ثقافي راسخ، تقدم المهرجان بطابع يحمل في روحه الحوار الفني بين الفنانين من جهة، والمدارس الفنية المختلفة من جهة أخرى، ومع هذا الحوار الفني الباذخ، يجد جمهور المهرجان في الأعمال المعروضة فرصة لقراءة جديدة للعالم من حوله، ويلمس بقلبه وعقله ذلك التقاطع الدقيق بين الروحانية والبصرية، والفكرة التي تنبع من عمق التجربة الإنسانية والوسيط الفني الذي يعيد صياغتها بلغة معاصرة.
وإذا كان «السراج» عنواناً وشعاراً لرحلة تمتد سبعين يوماً من التأمل في النور ورمزيته، فإن هذه الرحلة التأملية التي تحفز وتثير التفكير، تدعونا إلى اكتشاف القدرة الكامنة في الفن على جمع المختلفين حول المعنى الإنساني المشترك، وحول ضوء ينير الذاكرة ويخصب الخيال.
تمضي الشارقة، تحت «سراجها» الذي لا ينطفئ، في تقديم نموذج للثقافة التي ترى في الفن الإسلامي مساحة ثرية للحوار والابتكار، ونافذة يطل منها الجمهور الكبير للمهرجان على تجارب بصرية وأفكار تتجاوز الحدود التقليدية. سبعون يوماً تجمعنا حول مشروع فني يؤمن بأن الجمال والمعرفة مشاعل نور تضيء دروب المستقبل.