الخوف من الآخر

05:35 صباحا
قراءة 5 دقائق

جاء فوز الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر هذا العام ليسلط الضوء مرة أخرى على قضايا قديمة متجددة، وفي مقدمتها مسألة الحرية في ظل الأنظمة الشمولية، ورغما من كون انهيار الاتحاد السوفييتي كان السبب وراء سقوط جدار برلين، ذاك الجدار الذي استمر منذ 13 أغسطس /آب 1961 ولغاية 9 نوفمبر/ تشرين الثاني ،1989 أي أكثر من 28 عاما، إلا أن مفهوم الجدار كحالة عازلة بين منطقتين لم ينته من تاريخ العقدين الأخيرين رمزياً ومادياً.

على المستوى الواقعي جاء جدار العزل الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ فعليا في يونيو/ حزيران 2002 وما زال مستمرا في التضخم وقضم الأراضي وعزل الفلسطينين عن بعضهم البعض، وهو بالمفهوم الإسرائيلي يمثل حماية لالإسرائيليين من الفلسطينيين، ليوكد مرة أخرى على استمرار تلك الآلية من التفكير القائمة على تقسيم البشر إلى جزر معزولة، خاصة من أبناء الشعب الواحد في محاولة لتكريس مبدأ العزل الذي بدأ يتخذ صفات وأسماء تعيدنا إلى لحظات معتمة من تاريخ البشرية، وأكثرها تعبيرا في هذا المجال فكرة أو مصطلح العزل الوقائي، وهي فكرة قائمة على دونية شعب تجاه آخر، ومن جهة ثانية إن الفكرة ذاتها وقبول المجتمع الدولي بها تحيلنا من دون شك إلى أن التغيرات المعرفية التي أنجزت بفضل ثورة التقانة والاتصالات والتي كان من المفترض أن تؤدي إلى تغير في السلوك الثقافي لم تؤد دورها المطلوب، هذا إن لم تزد في تكريس الأفكار القديمة حول ترسيخ نزعة الخوف لدى البشر أو ما يسمى الفوبيا الجماعية.

بالعودة إلى موللر سنجد أن الجائزة التي نالتها ربما تصب في خانة إعادة أو تعرية المسكوت عنه، فهي في أعمالها التي زادت عن 50 منتجاً إبداعياً في الشعر والرواية والقصة ارتكزت على ذاكرة مملوءة بالمعاناة، لم تتوان عن استعادتها المرة تلو الأخرى، كاشفة عن طبيعة النظام الشمولي الذي ساد في رومانيا إبان حكم نيقولاي تشاوشيسكو لها، وكيف كانت السلطات آنذاك تستخدم شتى السبل لإرضاخ وإسكات المعارضين لها، وهو ما تبنت موللر كشف تفاصيله عبر أعمالها، وهو أمر يقع في خانة التأسيس لذاكرة بشرية يكون لها دور فاعل في تقدم المفاهيم الإنسانية التي أثبت التاريخ انتكاسها في ظروف مختلفة.

من هنا يمكن إطلاق سؤال معرفي يتعلق بإمكانية المقارنة بين حالات متشابهة في جوهرها وإن اختلفت أسبابها، إلا إن النتائج على الأرض تبدو متشابهة من حيث تأثيرها في المجموعات البشرية وعلى الإنسان الموجود في ظل تلك الظروف، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول معنى الجدار كحالة تزداد رمزيتها مع استمرار آليات التفكير ليس فقط في مكان أو بلد محدد وإنما على نطاق العالم، حيث يبدو أن ازدياد الحديث عن حقوق الإنسان ليس مقياسا لوجودها فعليا، كما أن كثرة الشعارات في الكثير من الأحيان ليس إلا دليلا عكسيا على فقدان تلك الشعارات لمضامينها ودلالاتها، وهو ما يجعلنا نتمسك بأهمية تفكيك الخطاب أو الخطابات مهما كانت الأدوات المستخدمة فكرية أو إبداعية، حيث لا فرق في هذه الحالة بين الفكر والآداب والفنون، طالما أن الاتجاه المحدد هو نزع قدسية الخطاب الشمولي مهما كانت صيغه، كما أنها فرصة لنزع القناع عن الكثير من أشكال الخطاب ذي الوجه التحرري والتي تخفي في طياتها أشكالاً لا حصر لها من القمع.

في رواية ليلة لشبونة للألماني أريش ماريا ريمارك والتي تدور أحداثها في ليلة واحدة مستخدما الروائي تقنية الفلاش باك مستعيدا خروج بطل الرواية جوزيف شفارتس من قبضة النازية، ومن ثم العودة لاصطحاب الزوجة/ الحبيبة التي يشتغل أخوها مع الجستابو المخابرات الألمانية، ويضطرا للهرب ثانية إلى فرنسا أولا ومن ثم البرتغال محددين أمريكا وجهة نهائية لاستقرارهم، غير أن الزوجة هيلين تصاب أثناء مسيرة العذاب تلك بمرض عضال يكتشفه الزوج ليلة الهجرة إلى أمريكا، فتصبح كل تلك المعاناة من أجل الحصول على الحرية فاقدة لأي معنى في نظره.

تعكس الرواية كونها واحدة من أهم الآثار الإبداعية الشاهدة على عصر النازية، ومعاناة الإنسان للحصول على الحرية في ظل عالم محكوم بفلسفة القوة، والاستعلاء وادعاء الحقيقة المطلقة، وهو ما يجعل الهواء ملوثا، والفعل الإنساني فاقدا للمغزى الجوهري الكامن في سعي الإنسان لحياة مبنية على الحرية، وعلى الإحساس بعدالة الحياة، ومنطقية قوانينها، بينما ما يجري حقا هو غياب العدالة، وقسر الحياة على مفاهيم تتناقض مع التقدم الذي حصل في المنظومة القيمية لحقوق الإنسان.

في رواية أخرى اتخذت من جدار برلين مادة رئيسية لها وهي رواية القافز فوق الجدار للألماني بيتر شنايدر والتي نشرت طبعتها الانجليزية ،1983 ثم أعيدت طباعتها في أمريكا عام ،1998 وهي تتساءل بشكل رئيسي حول مفهومي العزلة الثقافية والنفسية التي شكلها الجدار بالنسبة للألمان على مدار وجوده، كما تعري الرواية مفاصل العالمين الكامنين خلف الجدار، فألمانيا الغربية تنتمي إلى العالم الرأسمالي وينعم مواطنوها بقدر كبير من الرفاه، وحرية التعبير، بينما يعيش سكان ألمانيا الشرقية في ظل ظروف عمل صعبة، وفي أجواء يصعب على الإنسان فيها أن يعبر عن أي فكر مخالف خوفا من الاتهام بالوقوف ضد النظام، وبالتالي التعرض للمحاسبة والاعتقال، وغيرها من أشكال القمع التي كانت قائمة.

في رواية شنايدر ذات الشخصيات المركبة تبدو الدوافع التي تحرك الشخوص للوهلة الأولى بسيطة، فالمتطلبات عادية، وتشبه متطلبات البشر في أي مكان من حاجة للعيش بكرامة والقدرة على الحب وممارسة الإنسان لإنسانيته، وهكذا يأتي الجدار كحاجز بين الفرد وبين كل تلك القيم، وحاجز بين عالمين، ويصبح القفز من فوق الجدار ضروريا للعبور من ضفة إلى أخرى.

إن المتأمل في الآثار الأولى المترتبة على جدار العزل الإسرائيلي يجد أن أكثر من 73،000 فلسطيني في 51 قرية تم عزل أراضيهم عنهم خلف الجدار أو دمّرَ الجدار جزءًا كبيرًا منها، وتمّ قلع أكثر من 102،000 شجرة، منها 83،000 شجرة زيتون، وفي حال اكتمل مسار الجدار كما هو مخطّط له بطول 786 كم حول الضفة الغربية فإنه سيعزل 343،000 فلسطيني بين الجدار والخط الأخضر. وسيدمر ويعزل أراضي 522،000 فلسطيني، وهذه الأرقام ليست فقط مؤشرات لمقياس أمر واقع على مستوى الحياة اليومية بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، وإنما مؤشرات لواقع أعم وأشمل يبدأ من الخارج، أي من العالم المتحضر الذي يتعامل مع الجدار بوصفه أمراً واقعاً، بل وربما أمراً ضرورياً، وكأن الذاكرة الإنسانية معطلة عن فعلها، وهنا نقصد الذاكرة الغربية التي أدانت جدار برلين وظلت مصرة على إسقاط النظم الشمولية بحسب ما كانت تراه ، وذلك لأن جدار برلين كان رمزا للحرب الباردة بين معسكري الصراع الغربي والشرقي، ورمزا للاستقطاب القائم على الإيديولوجيا والمصالح بعيدا عما يريده البشر أو ما يحلمون به في تلك البلدان، وكأن العالم يعيد مرة أخرى القيمة لما هو سياسي على حساب كل القيم الأخرى، وفي مقدمتها حرية اللقاء الذي يعتبر مقدمة لكل المكنونات الإنسانية الأخرى.

على مستوى آخر يكرس جدار العزل فكرة مفهوم الخوف من الآخر، أو تحويله إلى آخر حامل للأمراض وناقل لها، وبالتالي يفترض الوقاية منه، وهو ما عادت إسرائيل لتوكده بمطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بها كدولة يهودية متناسية أن أكثر من 1،5 مليون فلسطيني ما زالوا موجودين وأن ثقافتهم وعاداتهم لا ترتبط فقط بما هو موجود في الأراضي المحتلة عام 1976 وإنما بالوطن العربي كاملا، وهنا تكمن سخرية الجدار كفكرة، حيث من الصعب الركون إلى قناعة مفادها أن الجدار بالمعنى الأسمنتني هو أقوى من الارتباطات الإنسانية على مختلف أوجهها ومستوياتها.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"