هل كنوز ميراثنا الساخر مهملة حقاً؟ الحديث عن التقصير قليل، فإهمال الثروات قضيّة اقتصادية. من دعابات وزن الريشة عند بشار بن برد: «ربابة ربّة البيتِ..تصبّ الخلّ في الزيتِ.. لها عشر دجاجاتٍ.. وديك حسن الصوتِ»، إلى مداعبات أحمد شوقي في وصفه براغيث الدكتور محجوب ثابت: «براغيث محجوب لم أنسها.. ولم أنس ما طعمت من دمي.. تشق خراطيمها جوربي.. وتنفذ في الجلد والأعظمِ»، قرابة ثلاثة عشر قرناً، فيها من كل فاكهة فكاهية، وملحة مليحة، وطرفة ظريفة لطيفة، ونادرة نادرة.
تلك قائمة تسع موسوعة، من أقلّ المقلّين، أمثال آدم بن عبدالعزيز، حفيد عمر بن عبدالعزيز، إلى إبراهيم بن هرمة، دعبل الخزاعي، أبي نواس الذي عاصرته «عصابات» دعابات اختلطت فيها السخرية بالمجون والهجاء والطرافة، يضاف إلى ذلك الخضمّ يمّ النثر الساخر لدى الجاحظ، الذي لديه الأدب الساخر الرفيع، غير جمع النوادر في «البخلاء»، بعكس ما لدى أبي حيان التوحيدي، في «مثالب الوزيرين»، الذي صبّ فيه جامّ سخطه على الصاحب بن عبّاد وابن العميد. لكنك لا تستطيع أن تقصي الفن لمجرّد وجود اللسعات الهجائية فيه.
لا شك في أن «كل الصيد في جوف الفرا»، فلو جمعنا كل الزاد الثقافي الساخر في تلك القرون، لكانت «رسالة الغفران» في كفّة الميزان هي الراجحة. لقد قضت الأقدار بأن تكون في كل تاريخ الأدب العربي قمة إيفرست ساخرة واحدة، ولو بحثنا عن قلّة ثانية، ما رشّح العقلاء النقاد العارفون غير «رسالة الصاهل والشاحج» لأبي العلاء أيضاً. إلى اليوم لم تظهر دراسات تنقّب عن السخريات الخفيّة في الأدب الصوفي.
ماذا تركنا للعصر الحديث من حديث؟ نحن أمام مكتبة كثيرة الرفوف. لكنّ حدثاً حدث أحدث أحداثاً وحوادث: ظهور الصحافة الساخرة. كل بلدان العرب مشرقاً ومغرباً تفجّرت فيها ينابيع السخرية نثراً وشعراً وكاريكاتوراً. لكن السخرية تلد السخرية، ولا توجد سخرية ألذع وألسع من أن الصحافة الساخرة انتعشت حين كانت المضارب العربية مستعمرات، فلما استقلت استقالت الصحافة الساخرة، انتشر التهريج والحمدلله على أن عمره «انقصف». تناثرت أوراق الإبداع الساخر الحصيف الظريف، ذرتها رياح العاصف القاصف العصوف، فلا تسل عن حادثات الصروف، وربّ ربيع كان أسوأ من الخريف.
لزوم ما يلزم: النتيجة الانتظارية: هل من نبض ثقافي يسأل كيف يمكن إنقاذ كنوز الميراث الساخر؟.
[email protected]