عبداللطيف الزبيدي
هل كان في إمكان الولايات المتحدة أن يكون دورها إيجابياً عالمياً؟ يلوح السؤال فلسفياً. طوال قرن جسدت واشنطن قمة ما تبلغه المدنية، لا الحضارة، من قوة قاهرة وتقدم علمي وقدرة إدارية بالعصا لا تقبل الشريك والرأي الآخر والقيم، المتعارف عليها إنسانياً لا كما تؤلها هي. هذه المنظومة الرأسمالية المتغولة أعطت قانون غاب في أوج الحداثة والتطور، خلاصته: الأرض فريستي أو لا تكون.
التحليل التاريخي لنشوء الإمبراطورية وارتقائها، يجعلنا نفهم طبيعة المسيرة التطورية، وحتمية السلوكيات، وجبرية الارتطام بالموانع والسدود التي تقيمها فلسفة التاريخ، ولو بثمن كارثي للبشرية جمعاء، لأن القوة المتجبرة لا تعرف معنى الحدود في التوسع والتسلط، لكن العالم ليس «وكالة بلا بواب». الصورة واضحة إذا أرادت الدول العربية أن تجدد دماء مفهومها لواقع دولي كله أخطار.
كل حضارات التاريخ قامت على منطلقات روحية، باستثناء الولايات المتحدة. نجاحها في بناء القوة المدنية كان فريداً، ولكن استخدامها للقوة كان بلا مثيل، وغير مبرر في هول التدمير الساحق، الذي يعكس صورة نشأتها: الحل هو الحل النهائي، لأن وجود طرف آخر هو المشكلة، لهذا يجب محوه من المعادلة. إذا لم يكن عدواً حقيقياً، وجب تحويله بالإعلام وإخضاع المنظمات الدولية تمهيداً لإلغائه. مقولة نيرون تنطبق على المشهد: «ليت لشعب روما رأساً واحداً لأقطعه وأستريح». القوة الصناعية الخارقة لها معدة شديدة النهم، تقول للعالم: كل ثرواتك لي، العالم قرية، وأنا العمدة بلا منازع.
قد يكون طريق العمدة طويلاً وشاقاً على سكان الأرض، لكن في أحد المنعرجات تظهر لافتة مفاجئة: «وتقدرون وتسخر الأقدار». هنا يفاجأ العمدة بتغير المناظر، فالعالم ليس قرية. وتناقص القائلون «سمعاً وطاعة». لم يعد قانون الغاب قابلاً للتطبيق. عجباً، صار الناس يقهقهون ويسخرون عندما يصرخ العمدة ويتوعد. أصبحت قواته لا تستطيع تحقيق الانتصارات الحاسمة بالضربة القاضية، «ده كان زمان». شعوب كثيرة تعلمت من الفيلسوف الألماني نيتشه: «ما لا يقتلني يقويني». اكتشف أن مديونيته التي فاقمتها الحروب غير المجدية، تتهدده بمصيبة مصيرية، بينما غفل عن إنفاقها في تحويل بلده إلى قدوة حضارية مفعمة بالأخذ والعطاء العادلين، والحظوة بصفحات ذهبية في كتاب التاريخ. أدرك أن الترهل لا تجدي معه بروتينات الرياضيين، وأنه لا مجال أمامه إلا العودة إلى بداية تاريخه: الحل النهائي. لكن، هذه المرة قد تكون التجربة انتحاراً.
لزوم ما يلزم: النتيجة الجيولوجية: عندما يكون الناس في منطقة على خط الزلازل، فالعقل هو أن تكون ديارهم كالرواسي.
[email protected]