د.حسن مدن
عطفاً على ما تناولناه، قبل أيام، عن التفاعل بين المحيط والخليج ثقافياً من وحي اختيار معرض الشارقة الدولي للكتاب المغرب ضيف شرف دورته الأخيرة، وأنا أتصفح أحد الكتب وجدت ما قد يسلط الضوء على فكرة التفاعل هذه. الكتاب المعني هو أحدث مؤلفات الأديب والإعلامي العماني سليمان المعمري، واختار له عنوان: «المختبئون في كلماتي»، ويمكن القول عن الكتاب إنه «بروفايلات» لكتّاب ومبدعين، غالبيتهم الساحقة من وطنه عمان، ما قد يفيد القارئ في تكوين صورة بانورامية، إلى حدٍ ما، عن أسماء في خريطة الإبداع والبحث في عُمان، لكن الكتاب تضمّن أيضاً أسماء عربية بينها: بهاء طاهر، شوقي حافظ، هاني مطاوع، والمغربي عبد الفتاح كليطو.
أدباء مصر قريبون منا في الخليج دائماً، وعلى مدار عقود. منهم تعلّمنا الكثير، بل إن مبدعين وأكاديميين مصريين كباراً أقاموا فترات في بلداننا، أساتذة في جامعاتها، ومحررين في صحفها ومجلاتها، من بوسعه أن ينسى مثلاً اسم أحمد زكي مؤسس مجلة «العربي» الكويتية، التي صدرت في عام 1958، وكان اسمها على مسمى، فهي مجلة العرب جميعاً. إلى جامعة الكويت وغيرها أتت أسماء كبيرة في دنيا الفكر والفلسفة والأدب والفن من مصر، بينهم فؤاد زكريا، وجابر عصفور، وهاني مطاوع، وغيرهم.
ذهب سليمان المعمري في كتابه هذا أبعد جغرافياً، ووقف عند رجل الفلسفة والفكر المغربي الكبير عبد الفتاح كليطو، ليعرّف القارئ به، من خلال كلمة تقديمية ألقاها المعمري في فعالية أقيمت لكليطو في مسقط حين أتاها ضيفاً على مؤسسة بيت الزبير الثقافية. لا يميل كليطو إلى المؤلفات الكبيرة، ولا الإسهاب في الكتابة. لا يلزم الفكر الكثير من الكلام. يلزمه التكثيف والتركيز، وهذا ما لاحظته وأنا ألقي نظرة على ما لدي من كتب له، وضعتها في ركن خصصته لكتّاب المغرب. حتى عناوين كتبه لافتة، ولنقرأ بعضها: «لن تتكلم لغتي»، «أتكلم بجميع اللغات لكن بالعربية»، «بحبرٍ خفي»، «الأدب والارتياب»، «الأدب والغرابة»، «الكتابة والتناسخ»، «العين والإبرة» الذي خصصه لدراسة «ألف ليلة وليلة».
كُتب عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وسواهما صارت مقروءة ومؤثرة في الوسط الأدبي والفكري في بلداننا الخليجية لدى أجيال القراء المثقفين الذين يمكن أن نصفهم بالمخضرمين. مثل عبد الفتاح كليطو يحضر بقوة أكبر لدى الجيل الجديد من مثقفي الخليج، وبعضهم من أنهوا دراساتهم العليا في جامعات مغربية ومنها نالوا شهادات الدكتوراه تحت إشراف أساتذة مهمين. وفي وقفة المعمري هذه إشارة مهمة إلى إسهام كليطو، حين لاحظ حضور الجاحظ وبورخيس في أعماله، وعنه ينقل سبب اهتمامه بهما: «كانا قارئين كبيرين، يحبّان التكلم في قراءاتهما، موضوعهما المفضل: استحضار كتب والاستشهاد بها».