تأمّلات في خوارزميات الحضانة

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

ما هي أفضل طريقة لمواكبة العصر؟ هي أن تسبق زمانك. منذ سنوات أجرت دولة الإمارات تعديلاً على طريقة التفكير في جدولها الزمني، فأبقت الماضي على حاله ماضياً، لكنها دمجت المستقبل في الحاضر. هذا غير غريب وأمر ظريف، ففي لغتنا العربية يعني المضارع الحاضر والمستقبل. بقي أن المضارع في الصرف، غير المضارع الذي يغدو مبدأً يسري في شرايين التنمية الشاملة.
الإحساس بالزمن، الذي يؤدي إلى التخطيط في كل القطاعات انطلاقاً من الاستشراف المستقبلي، يقضي بضرورة إجراء عملية حسابية بسيطة لإدراك أهمية التغيير الجذري في النظر إلى التنمية كمنظومة مترابطة متكاملة. النقلة العملاقة في مناهج التربية والتعليم في دولة الإمارات، التي تمثّلت في إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، انطلاق تدريس مادة الذكاء الاصطناعي منذ الحضانة إلى نهاية الثانوية، في بداية العام الدراسي المقبل، تستدعي التأمل العميق في كونها حتميةً تنمويةً، للحفاظ على المكانة العصرية.
العملية الحسابية ضرورة موضوعية قصوى. مواكبة العصر يجب أن تكون سبقاً لا مسايرةً. لنتخيل تنميتين مختلفتين: إحداهما تواصل انتهاج النماذج التقليدية، فيدرس الطلاب الذكاء الاصطناعي كتخصص في الهندسة في مستوى الجامعات والمعاهد، فتضيع من الجيل اثنتا عشرة سنةً في الأقل، في اغتراب عن المعلوماتية المتطورة عبر السنين، والذكاء الاصطناعي الذي تتوالى موجاتُ جديدهِ في تنافسٍ عالمي محتدم بلا هوادة. أمّا التنمية العاقلة البصيرة بآفاق الحاضر والمستقبل، فتدرك قيمة القياس على الحكمة: من شبّ على الذكاء الاصطناعي في الحضانة، ترعرع وواكب كل مراحل تطويره، واكتهل وشاب عليه.
بداهةً، لن تُثقل المبادرة الحضارية أذهان فلذات الأكباد الغضة العود، بأعلى مستويات رياضيات الخوارزميات في التعليم المعمّق، ففي الحضانة سيبدأ استئناس الذكاء الاصطناعي، بما يسهل على الصغار أن يألفوه. وهو ليس غريباً عليهم في حياتهم اليوميّة، فقد رأوا كيف يتحاور الإنسان مع الجوّال والتلفزيون عبر الذكاء الاصطناعي، فيحصل على الرسوم المتحركة والموسيقى وغيرها، وكيف تستجيب الروبوتات المنزلية للأوامر. من الحضانة إلى نهاية الثانوية، سيكون الطالب قد صار مهندساً في أرقى مستوى من التحديث، ليكون خبير ذكاء اصطناعي، ليبدأ التخصص جامعيّاً في الطب، الهندسة، الفيزياء، الآثار، الصناعة، الزراعة، الاقتصاد، الطيران..
لزوم ما يلزم: النتيجة السبقية: من لا يسبق اليوم وغداً زمانه، تجد أجياله نفسها كعملة أهل الكهف والرقيم.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"