تجري أحداث رواية «العطر» للكاتب الألماني باتريك زوسكيند في باريس في القرن الثامن عشر، بدءاً من يوم مولد بطل الرواية جان باتيست غرنوي في سوق السمك في السابع عشر من يوليو/ تموز 1738 على وجه التحديد، ولكن هذا التحديد في تاريخ مولده لا يجعل منه شخصية حقيقية، بل أحسب أن مؤلف الرواية تعمّد هذا التاريخ باليوم والشهر والسنة ليوهم القارئ بأن روايته حقيقية، وأن غرنوي الذي قتل خمساً وعشرين فتاة لا تزيد أعمارهن على العشرين عاماً هو رجل حقيقي قام بصنع عطر يجنّن، ويسحر كل من يشمّه، إلى درجة أن مجموعة من الساقطين و«الشوارعيين» بالقرب من إحدى مقابر باريس حين شمّوا ذلك العطر الساحر مزّقوا غرنوي هذا، بل التهموه كله في المقبرة بعد الجنون الذي اعتراهم من ذلك العطر القاتل.
أقرأ هذه الرواية للمرة الثانية بسرعة كي لا أصدّق مجرياتها المرعبة، وكانت قد صدرت في الثمانينات إن لم تخن الذاكرة، ولكن القارئ يعرف أنها صدرت في طبعة رابعة عام 2007 عن دار المدى، وأنها تحوّلت إلى فيلم سينمائي، غير أن الرواية أكثر رعباً من الفيلم، وغرنوي الذي في الرواية لا يشبه شكله شكل غرنوي الذي في الفيلم.. وإلى آخره من تفاصيل لا تهمني الآن، بقدر ما توقفت بشكل خاص عند رائحة باريس في القرن الثامن عشر التي وصفها زوسكيند وصف من عاش فيها، وشمّها، وغرق في المناخ الروائحي المرعب لها آنذاك. وبالمناسبة، ليس زوسكيند وحده من كتب عن رائحة باريس القرن الثامن عشر، فهناك العديد من الروايات الكلاسيكية الفرنسية وغيرها من الروايات الأوروبية التقطت شبكة من روائح المدينة التي سوف تنتج في ما بعد أرقى وأفخم العطور والموضة في العالم، ثم لا غرابة في ذلك من زاوية علمية كيميائية، فبعض العطور الراقية تدخل في تركيبها روائح غير مقبولة أو غير مستساغة تخفيفاً لكلمات أخرى لا يستسيغها القارئ وفي كل الأحوال عد إلى كتاب «الرائحة».
لنعد الآن إلى رائحة باريس في القرن الثامن عشر التي امتصّها أنف غرنوي، بل هي مجموعة روائح، قام الرجل الذي ولد بلا رائحة، بتصنيفها، وتوضيبها، في ذاكرته الشمّية، ثم صنع من عبق أجساد الفتيات اللواتي قتلهن عطره المرعب. يقول باتريك زوسكيند «في العصر الذي نتحدث عنه هيمنت على المدن رائحة نتنة لا يمكن لإنسان من عصرنا الحديث أن يتصور مدى كراهتها، فأدراج البنايات تنضح برائحة الخشب المتفسّخ، والمطابخ برائحة الملفوف المتعفّن وشحم الخراف، أما الغرف غير المُهَوّاة فقد كانت تنضح برائحة الغبار الرطب، وغرف النوم برائحة الشراشف المدهنة واللحف الرطبة المحشوة بالريش وبالرائحة المنبعثة من المدافئ التي تفوح برائحة الكبريت، ومن المدابغ رائحة قلويات الغسيل الواخزة، ومن المسالخ رائحة الدماء المتفسّخة، أما البشر فقد كانوا ينضحون برائحة العرق والملابس غير المغسولة، ومن أفواههم كانت تنبعث رائحة الإنسان المتعفّنة، ومن بطونهم رائحة البصل».
طبعاً «مينيو الروائح» هذا طويل جداً، وفي الواقع هي ليست رائحة باريس وحدها، بل هي في الحقيقة، رائحة أوروبا، رائحة الغرب المتعفّن في القرن الثامن عشر، وربما هي رائحته إلى اليوم.
[email protected]