تظل حكايات ألف ليلة وليلة مصدراً لا ينضب للإبداع الأدبي والفني بمختلف أشكالهما، لما تتميز به من أجواء غرائبية، وأحداث وشخصيات قريبة إلى النفس، وذات قابلية إلى تحويلها من بنية حكائية وسردية إلى بنية درامية. وقد حفل المسرح العربي بعشرات الأعمال المسرحية المقتبسة أو المقبسة عن هذا السفر الخالد، وكتب بعض الباحثين كتباً وأطروحات جامعية في أثر ألف ليلة وليلة في المسرح العربي.. ولا ننسى أن ثاني عمل مسرحي قدمه رائد المسرح العربي مارون النقاش عام 1849 هو أبو الحسن المغفل.
عن احدى حكايات ألف ليلة وليلة، وكاد أبو خليل القباني يعتمد كلياً على القصص الشعبي في كتابة مسرحياته المستوحى معظمها من حكايات ألف ليلة وليلة (هارون الرشيد مع أنيس الجليس، مثلاً). وأعقب هذين الرائدين كتّاب عديدون، قاموا بتحويل هذه الحكايات إلى نصوص مسرحية، منهم: توفيق الحكيم في مسرحيتي علي بابا، وشهرزاد، الفريد فرج في علي جناح التبريزي وتابعه قفة، سعد الله ونوس في الملك هو الملك، محفوظ عبد الرحمن في حفلة على الخازوق، سمير عبد الباقي في سهرة ضاحكة لقتل السندباد الحمال، فلاح شاكر في ألف رحلة ورحلة، يوسف الصائغ في الباب، يسري الجندي في الاسكافي ملكاً، وإبراهيم عبد الفتاح في لص بغداد. وسنحاول الوقوف على بعض هذه النصوص المسرحية، تمثيلاً لا حصراً.
ليس ثمة اندغام بين نص مسرحية الباب ليوسف الصائغ، والحكاية الأصلية في ألف ليلة وليلة، إلاّ في الإطار العام، وذلك لوجود اختلافات واضحة بينهما، إنْ على مستوى البناء أو شكل الخطاب، أو على المستوى الدلالي (السيميائي)، وهذا ما يجعل النص الدرامي ينفرد بسمات خاصة تجعل منه أثراً إبداعياً قائماً بذاته.
تتمثل حكاية الباب بدفن رجل حي في مقبرة داخل مغارة مغلقة ليلحق بزوجته التي سبقته إلى الموت، تنفيذاً لاتفاق كان قد أبرم بينهما مفاده: إذا مات أحدهما ودُفن يلحق به الثاني إلى عالم الموتى، تعبيراً عن قوة الحب التي تجمع بينهما، وما إن يُرغم الرجل على تنفيذ الاتفاق، حتى يندم على فعلته وتظهر عليه بوادر الحياة ورفض الموت. وإذ هو يتخبط بين الموتى، تعصف به الهواجس، وينتابه القلق والخوف بحثاً عن سبيل للخروج، تتناهى إلى أسماعه همهمات أنثى منسابة في عمق الظلام، فينجذب إليها وتنجذب هي، أيضاً، إلى صوته، وسرعان ما ينجلي الأمر فإذا بامرأة حية مثله تتعثر بالموتى، لكنها تختلف عنه في أنها اختارت بمحض إرادتها أن تلحق بزوجها الميت تعبيراً عن حبها ووفائها له. ورغم إصرار المرأة على صحة خيارها، ودفاعها عن فكرة قبولها الموت مع زوجها الحبيب، تستجيب في النهاية لدعوة الرجل إلى الارتباط به، والاستمتاع بالحياة.
ينتمي النص إلى مسرحيات الفصل الواحد، ويجري في فضاء واحد هو المقبرة، وشخصيتاه اثنتان فقط هما الرجل (هو) والمرأة (هي)، والبنية المهيمنة فيه هي ثنائية الحياة/ الموت بما تكتنزه من محمولات ذهنية ووجودية واجتماعية. ويضعنا التحليل السيميائي أمام مستويين لهذه الثنائية: مستوى سطحي، ومستوى عميق، يشير الأول إلى تعلق الإنسان بالحياة، ورفض المثالية القائمة على التضحية بالنفس من أجل رابطة حب غيّب الموت أحد طرفيها. ويبرز في هذا المستوى الفارق الوجداني والشعوري بين الرجل والمرأة، إذ يبدو الأول أقل اكتراثاً، وربما إخلاصاً للمبدأ العاطفي، وأكثر واقعيةً من المرأة التي تنساق وراءه، مبديةً أعمق مشاعر الإخلاص والحب للرجل، والاستعداد للتضحية والتمسك باليقين المثالي والوجداني. أما المستوى العميق فهو مستوى إيحائي أو استعاري يشير إلى تنكّر المرء لقيم يعتنقها، أو لمبدأ يؤمن به ما أن يصطدم بقوة ما. وتكمن خطورة هذا المستوى في حال تأويله بأنه تسويغ للخيانة حين تتعارض مصلحة المرء الشخصية مع معتقده أو انتمائه إلى أيديولوجيا ما، أو إلى جماعة ما.
إعادة إنتاج
لم يلتزم سمير عبد الباقي، في سهرة ضاحكة لقتل السندباد الحمال مثل الصائغ، بمتن الحكاية الأصلية وشخصياتها، بل أعاد انتاجها بنسق درامي، مغيراً في بنيتها، ومختلقاً شخصيات وأحداثاً جديدةً يقدمها ويربط حلقاتها الراوي. فبعد إشارته إلى عالم اليوم وما فيه من إشكالات، يعيدنا إلى الماضي، إلى شهرزاد وهي تروي لشهريار حكاية شابندر التجار (السندباد) وابنته الوحيدة جلنار، وما جرى لها مع أبيها وحبيبها الصعلوك، وما إن تتوقف شهرزاد عن الحكي حتى تبدأ الأحداث بصيغتها الدرامية، وتبدأ بالإعلان عن إقامة شابندر التجار لحفل كبير لزواج ابنته جلنار من قائد الجيش، وعلى المواطنين التوقف عن أعمالهم، والتوجه إلى قصره لاستلام هدية الزواج (قماش ولحم)، لكن جلنار ترفض هذا الزواج لأن قلبها معلق بحبيبها، وهو حمال فقير من عامة الشعب، وقد اتفقت معه على الهرب في تلك الليلة. وينشأ صراع بينها وبين والدها، الذي يريد إرغامها على الزواج من قائد الجيش، وحين يعجز عن ذلك يدّبر خطةً لقتل حبيبها، فتصاب البنت بالجنون حزناً عليه.
وثمة أحداث أخرى يظهر فيها المحتسب وهو يواجه بعض أفراد الشعب من الحمالين، وأصحاب المهن الفقيرة، فيطالبونه بإلغاء الضرائب طوال فترة الاحتفال لأنهم سيتوقفون عن أعمالهم، وفي مقدمة هؤلاء حمال جريء يلقى حتفه بسبب جرأته. وتتطور الحكاية فيظهر السندباد الحمال أمام قصر السندباد التاجر، حاملاً صندوقاً كبيراً ضاع صاحبه الذي ادعى أنه أمير، لكن أحد حراس القصر يتشاجر معه ويتهمه باللصوصية، فيستنجد بالسندباد التاجر، ويروي له حكاية الصندوق، وكيف أنه تسمى باسمه حباً به وإعجاباً برحلاته ومغامراته البحرية، فيأخذه السندباد إلى قصره مع الصندوق، وهنا تظهر جلنار وقد أخذ الحزن منها كل مأخذ وازداد جنونها على حبيبها، وتتجه أصابع الاتهام، بمؤامرة مدبرة، إلى الحمال المسكين في قتل زميله، ويساق إلى القاضي، لإصدار حكم الإعدام عليه، في مشهد ساخر يدين فساد القضاء، ويتهكم منه.. إلاّ أن ظهور الراوي يقلب مسار الأحداث، فحين يدخل، معلناً انتحار جلنار، يتعرّف عليه الحمال ويتهمه بأنه هو صاحب الصندوق، ومن ثم القاتل.
أمريكا في لباس الجن
تصور مسرحية الإسكافي ملكا ليسري الجندي، على نحو كوميدي رمزي، ضعف مصر والدول العربية وهيمنة الولايات المتحدة عليها، من خلال الشخصية الشهيرة في التراث الحكائي معروف الإسكافي، الذي يؤمن بالغناء ويحلم بمستقبل أفضل، لكنه يجد نفسه مُهَدّداً بالسجن.
ويزاوج الجندي بين الحكاية الإطارية لألف ليلة وليلة (شهريار وشهرزاد)، واحدى حكايات معروف الإسكافي وأبو صير وأبو قير، لكنه يكسر الدور المألوف لشهرزاد، بوصفها راويةً، وشهريار بوصفه مروياً له ليجعل منهما معلقَين على الأحداث، يتحاوران حول جدوى أسلوب معروف الإسكافي في حل مشاكل فقراء الناس، لأنهم في الحقيقة، كما تقول شهرزاد أشباح تجري خلف القوت ثم تموت، وكذلك حول تعددية ألوان البشر والأجناس والألسنة والأفئدة والعذابات والحماقات.
المسرحية في ظاهرها تتناول حكاية معروف الإسكافي، لكنها، مثل أغلب المسرحيات التي تعيد إنتاج التراث الحكائي، تُسقط أحداثها على الحاضر، لحمل المتلقي على إجراء مقارنة بين قدرة الإنسان الفرد، في الماضي، على تحقيق حلمه، وعجز الشعب كاملاً، في عصرنا الحالي، على تحقيق أحلامه. إن الإسكافي، كما يظهر في المسرحية، نموذج لكل إنسان غيور علي بلده يحلم بتغيير المجتمع، رغم أن مصيره ينتهي إلى الإعدام بعد أن حقق كل ما يريد، ونجح في كشف تعدد الألوان لأهل مدينة النعاس، وحررهم من أسر اللون الواحد.
ترمز مملكة الجن البحر المسقوف الخيالية في المسرحية إلى أمريكا، ومدينة النعاس إلى مصر والدول العربية الخاضعة في تفكيرها وولائها إلى الجن، الذي يلزمها بعدم الغناء، وارتداء ملابس معينة ويسيطر على أسلوب حياتها. وقد اختار المؤلف السوق فضاءً مسرحياً للأحداث، سواء في بلد الإسكافي، أو في مدينة النعاس، التي أرسل إليها، بعد تآمر تجار السوق عليه، ليصلح من شأنها، ويحقق فيها حلمه. كما أظهر مدى سيطرة عالم الجن، أو أمريكا على السوق، لأن هدفها، كما يرى، هو الهيمنة على اقتصاد الدول العربية، وفرض العولمة التي تنادي، وفقاً للشروط التي تفرضها مملكة الجن على أهالي البلدة، ومنها فرض اللون الأصفر على ملابسهم ومنازلهم، ومنعهم من الغناء أو الضحك والسؤال عن أي شيء، وفي حال مخالفة ذلك سيصيبهم غضب من الجن.
ترسم المسرحية شخصية ملك مدينة النعاس رجلاً مسالماً، طوال الوقت، أما ملك الجن المتعجرف، الذي يشير إلى الرئيس الأمريكي بوش، فإنه يسعى دائماً إلى فرض أفكاره ومخططاته على العالم كله، ورغم ذلك انهارت مملكته في نهاية العرض، إشارةً إلى أن الأمر ذاته سيحدث لأمريكا!