تملك حب الثقافة الشعبية والتراث نفس الباحثة مريم جمعة الكيبالي على الرغم من حداثة سنها وبعد تخصصها النسبي عن هذا المجال، فهي حاصلة على بكالوريوس في الاتصال الجماهيري من قسم العلاقات الدولية في جامعة الإمارات 2006 وتعمل حاليا في وحدة الدعم الإداري في برنامج الشيخ صقر للتميز الحكومي في رأس الخيمة، لكن الارتباط بالأرض وناسها والولاء الصادق لها دفعها إلى الحفر في الماضي ووضع اليد على منبع ثر من الثقافة الشفهية المتعلقة بحياة الفريج وعادات المجتمع والألعاب الشعبية والصناعات التقليدية وتاريخ الغوص ورحلة ابن ماجد إلى إفريقيا، والثقافة الصحية للمجتمع في العصور الماضية وكيف كان يتوارث أساليب التداوي ويتفنن فيها.
جمعت الكيبالي كل ذلك في كتابها الأول الذي صدر عن وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع العام الماضي تحت عنوان دراسات في تراث الإمارات: عراقة وأصالة، وفي إطار مشروعها الطموح الذي يسعى إلى إبراز كافة جوانب الثقافة والتراث الشعبي انتهت حديثا من إعداد كتابها الثاني الذي سيصدر قريبا تحت عنوان منارات تراثية في رأس الخيمة وقد جاء في تقديمها له: بدأ تصوري لمشروع الكتاب عندما لم أستطع الإجابة عن كثير من الأسئلة التي تتعلق بتراث الأجداد، ومنها لماذا لم يكتب عن القلاع والحصون والمناطق التي تتشكل منها رأس الخيمة وتاريخها القديم؟ فكانت تلك التساؤلات حوافز على الكتابة. اكتسبت الكيبالي من خلال جهودها البحثية القيمة خبرة كبيرة بالثقافة التقليدية للمجتمع الإماراتي ووقفت على أسسها، وفي سعي منا لاستجلاء أسس ومظاهر تلك الثقافة ومعرفة مآلاتها في ظل الدولة الحديثة وما صاحبها من تطور ودرجة الصلابة التي تتمتع بها في وجه عواصف التمدن كان لنا اللقاء التالي مع الباحثة:
كيف كان للمعتقدات والبيئة أثر في تكوين الثقافة الشعبية والفنون في المجتمع الإماراتي التقليدي؟
الثقافة الشعبية نتاج عدة عوامل منها ما يأتي متوارثاً عبر الأجيال، فكل جيل ينقل للجيل اللاحق هذه الثقافة المكونة من العادات والتقاليد والفنون واللباس والطعام والألعاب والصناعات وغيرها ومنها ما تزيد عليه الأجيال الجديدة من ثقافتها أفكاراً مستقاة من العصر الحاضر حسب المناخ الذي نشأت فيه وتلغي أشياء لا تنسجم مع التطور الذي يعيشه الجيل الجديد، وهذا المتوارث من الثقافة الشعبية يتجدد بفعل عاملين مهمين هما البيئة والمعتقدات.
فالبيئة هي الحامل لأية ثقافة شعبية ولننظر مثلاً في ثقافة سكان الصحراء حيث مشكلاتها الأساسية تتعلق بفضائها الرحب من الرمال والآبار والإبل والواحات، وفي البيئة الساحلية البحر والسفن والغوص و في البيئة الجبلية الحصون والقلاع والوديان والحجارة والكهوف، وهذه كلها بيئات يختلف بعضها عن بعض في التفاصيل والمفردات اللغوية والعادات والتقاليد، وتخضع كل الأعراف السائدة في ثقافة البادية للبيئة التي لها نظامها الخاص بها، فهناك مثلاً القضاء البدوي وهو نموذج فريد من أنواع القضاء لا يعمل به إلا في البادية، وهناك حرف وصناعات لا تنشأ إلا في هذه البيئة مثل صناعة البيوت الشعبية من شجر النخيل وهناك أيضاً قفاة الأثر الموهوبون في تمييز الآثار وقصها، وكانوا يدركون بذلك ضالتهم أينما ذهبت، وخضعت كذلك الفنون الشعبية لهذه البيئة أيضاً فهناك فن الرزيف والحداء هو غناء الرعاة للإبل عند سوقها.
أما بالنسبة للمعتقدات الدينية فإن ما ينبثق عنها من سلوك وتقاليد وعادات هو الأساس المكون للثقافة الشعبية التقليدية ويتمثل في الاحتفالات الدينية كالأعياد وما يصاحبها من مظاهر الزينة والعبادة أو اللباس التقليدي أو كلباس المرأة وعادات وتقاليد الميلاد كالعقيقة عند اختيار اسم المولود فتذبح له ذبيحة أو أكثر حسب إمكانات أهله إضافة إلى تقاليد الزواج وعقود البيع والشراء وإحياء رمضان وغيرها حيث يكون الجانب الديني في كل منها حاسما.
في رأيك هل تصدعت بنية الثقافة التقليدية بفعل التطور الذي يشهده المجتمع؟
إن كلمة تصدعت ليست دقيقة لوصف واقع الثقافة الشعبية اليوم، وبدلا من ذلك يمكن القول إنها تجدد نفسها متلائمة مع التطورات والتقنيات الحديثة بفعل عامل التأثر والتأثير، دون أن تتشوه أو أن تتصدع، ولكنها في تفاصيلها قد اختلفت عما كانت عليه زمن الأجداد، فكثير من العادات بدأت تحتفي، وكثيرة هي الحرف التي اختفت من واقعنا اليوم، وكذلك الحال بالنسبة لبعض المعتقدات والأفكار التي هي من تأثير البيئة التقليدية وليست من الدين، فعلى سبيل المثال الطب البدوي أو القضاء البدوي فقد استعيض عنهما بالطب الحديث وبالقضاء المدني الذي خضع له كل مفاصل المجتمع، ومن الحرف سنجد حرفة الصيد قد تطورت، فلم يعد الصيادون يصنعون شباكهم وسلالهم لأنهم استبدلوها بطرق الصيد الحديثة.. حتى اللهجة الدارجة دخلها العديد من الألفاظ الدخيلة سواء من الإنجليزية أو من اللغات الأخرى كالفصحى أو من اللغة الهندية أو غيرها مما هو دارج لدى فئات الشباب، حتى الضيافة العربية التي كانت تدار عبر المجالس فإننا نرى أن هذه المجالس أصبح لها مناسبات تفتح فيها وتستقبل الضيوف، كالأعياد أو الأعراس، في حين أنها كانت في الماضي مفتوحة دائماً للقادم والرائح مع تقاليد الضيافة العربية بالقهوة، التي كانت تطبخ في المجلس وتدار عبر الفناجين على الشاربين في دلال القهوة العربية القديمة المشهورة بأنواعها بينما الآن تصب القهوة في فناجين حديثة يابانية الصنع. وكذلك الحال مع الألعاب الشعبية التي أصبحت الآن في حكم المنسية والتي استبدلت بالألعاب الحديثة مثل البلاي استيشن وغيرها من ألعاب الانترنت.
ومع أني أجد هذا التطور طبيعياً إلا أن تجربة الإمارات في حفظ ثقافتها وتراثها مختلفة عن بقية التجارب، فهي حريصة دوماً على تعزيز الثقافة الشعبية في نفوس أبنائها بحيث خالطت وجدان كل مواطن بغض النظر عن المظاهر الحديثة التي اكتسبتها هذه الثقافة الشعبية، فهناك تمسك من كل الأجيال بها، سواء في مظاهرها الجديدة أو القديمة، وبالطبع فإن الناس يختلفون في شأن ما الذي يتمسكون به، فهناك محافظون يريدونها ثقافة نقية من كل دخيل، وهناك من يرون ضرورة مجاراة العصر مع الاحتفاظ بالثوابت، لكن الفريقين يلتقيان على أصالة النظرة والتشبث بالأصول الراسخة لمقاومة صرعات الحداثة المدمرة التي بدأت تتسرب إلى بيوتنا بلا استئذان، ولئن كان الخوف قد استبد بالمجتمع في بداية الموجة الجديدة من ثورة الوسائط المتعددة للاتصال وظهور الانترنت خشية من انجراف الثقافة الشعبية، إلا أننا استطعنا الصمود في وجهها، ولا أحد ينكر تأثير العولمة في تشكيل ثقافة اجتماعية جديدة إلا أنها لم تستطع أن تقتلع أقدامنا كما يقول غاندي، لأن المغفور له الشيخ زايد ومعه حكام الإمارات قد عززوا هذه الثقافة بغرس الوعي الكافي الذي يستطيع الإنسان أن يواجه به العولمة.
وأحسب أن ثقافتنا الجديدة متعددة الأسس فمنها الأساس الوطني والديني وهما الأساس الأخلاقي لقيام هذه الثقافة، إذ ينظمان سلوك الإنسان ويدفعانه نحو الفعل المنتج الهادف وإن تخللتها عوامل أخرى مثل الأساس الوظيفي، حيث هناك نمط ثقافي خاص يقوم على الوظيفة أو الأساس المادي، وهو للأسف بدأ يتنامى وأخشى أن يطغى في يوم على كل المعايير الأخرى.
مظاهر
كيف تنظرين إلى مستقبل الثقافة الشعبية الإماراتية؟
لا أريد أن أناقش فكرة عدم تدخل الدولة في تعزيز الثقافة الشعبية والتراثية لأن الأمثلة عما سيحدث واضحة وجلية للعيان في البلدان التي كانت عريقة في تراثها وثقافتها الشعبية والتي اندثرت ولم يبق منها سوى بعض المظاهر الاحتفالية، ولكني سأتحدث عن مساهمة الدولة والأفراد في حماية الإرث الحضاري والثقافي للبلد وصونه وتأصيله عبر تجربة رائدة في دولتنا الفتية. وأنا واثقة من أن مستقبل الثقافة الشعبية في الإمارات مستقبل آمن لأنها كما أسلفت راسخة في وجدان كل إماراتي، وكما استطاعت أن تواجه التحديات العالمية وواجهت كل ظروف الحضارة والتقنيات الحديثة ومتطلبات العولمة، بل تجاوزتها دون خسائر تذكر بفضل إيمان أبنائها بتراثهم، وبفضل ما أسس من نهضة شاملة ارتقت بالهوية الحضارية وعززتها، ويكفي أن نشير إلى الاهتمام بالشعر الشعبي والألعاب التقليدية كاليولة وسباق الهجن والعناية بزراعة النخيل وبمعارض التراث الشعبي ومتاحفه، ورغم هذا التأصيل العميق للتراث، ورغم نجاح التجربة في مجال الحفاظ على الثقافة والتراث أمام كل التحديات.. مع ذلك نحن بحاجة إلى تدخل مستمر، يكون مدروساً وفق خطط ينظمها خبراء في حقول الأنتربولجيا والثراث الشعبي حتى لا تضيع هذه الثقافة، خصوصا وأن أغلبها مرويات شفهية قد طعن أصحابها في السن ولم توثق رواياتهم بعد، فإن هم ذهبوا ذهب جل هذه الثقافة، ولن يبقى بعد إلا القليل الذي لا يكفي لخلق صورة متكاملة عن الماضي وإحداث تفاعل إيجابي مع الحاضر، إذ لم يسجل حتى الآن من تراثنا إلا النزر اليسير، وينبغي في هذا الصدد إدخال مادة الثقافة الشعبية والتراث في مناهج الدراسة وفي الجامعات حتى يكبر الأولاد وهم يعرفونه ويفهمون دوره، وكذلك ينبغي مضاعفة دور الإعلام في هذا المجال عبر وسائلها المكتوبة والمسموعة والمرئية لأن البرامج يجب أن تشمل جميع مفاصل الدولة المعنية بهذا الجانب، وحسناً فعلت وزارة الثقافة عندما افتتحت دبلوم الثقافة الشعبية.
وقد استطاعت الدولة عبر برامجها السياحية أن تسوّق تراثها للسياح والوافدين إليها من خلال العديد من الفعاليات التراثية التي تقيمها بين فترة وأخرى، وهذا يعزّز من أهمية التراث الشعبي والثقافة الشعبية في نفوس أبناء الإمارات أنفسهم، ويؤكد على أن مستقبل الثقافة الشعبية في دولتنا بخير طالما أن الجميع يحرص على هذه الثقافة، وطالما أن قادة البلد مقتنعون بذلك وحريصون عليه.
في ظل ثورة المعلومات ومستجدات العولمة، ألم تكن هناك أمور أخرى تغريك أكثر من العودة إلى الماضي والنبش في ثقافته وتراثه؟
الحقيقة أنني لا أجد تعارضاً بين حبي لماضي وطني وهوايتي لدراسته وبين الاستفادة من المستجدات الحديثة للعولمة، فأنا أعمل في برنامج الشيخ صقر للتميز الحكومي. والحداثة تساعدني بتقنياتها الميسرة والهائلة في تعزيز هذه الهواية والبحث عن مواقع الآثار وحفظ وترميم الكتب وغير ذلك، ومن المفيد هنا أن أذكر أن التقنيات الحديثة ومستجدات العولمة أسهمت إلى حد كبير في حفظ هذا التراث وصيانة الثقافات التقليدية، وقدمت في هذا الباب معارض جميلة يزورها الناس ويطلعون فيها على ماضيهم، وقد أسهمت الظروف في تعزيز هذا الجانب لدي حيث خضعت لدورة تدريبية في مركز زايد للتراث والتاريخ في العين واطلعت عن كثب على منهجية العمل، ثم عملت لفترة في مركز رأس الخيمة للدراسات وكلها أسهمت في توجهاتي واختياراتي في الغوص في تراث وثقافة وطني.
تنوع خلاق
البيئة هي الحامل لأية ثقافة شعبية ولننظر مثلاً في ثقافة سكان الصحراء حيث مشكلاتها الأساسية تتعلق بفضائها الرحب من الرمال والآبار والإبل والواحات، وفي البيئة الساحلية البحر والسفن والغوص و في البيئة الجبلية الحصون والقلاع والوديان والحجارة والكهوف، وهذه كلها بيئات يختلف بعضها عن بعض في التفاصيل والمفردات اللغوية والعادات والتقاليد، وتخضع كل الأعراف السائدة في ثقافة البادية للبيئة التي لها نظامها الخاص بها، فهناك مثلاً القضاء البدوي وهو نموذج فريد من أنواع القضاء لا يعمل به إلا في البادية، وهناك حرف وصناعات لا تنشأ إلا في هذه البيئة مثل صناعة البيوت الشعبية من شجر النخيل وهناك أيضاً قفاة الأثر الموهوبون في تمييز الآثار وقصها، وكانوا يدركون بذلك ضالتهم أينما ذهبت.