بات واضحاً أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإيرانية، أمريكا وإسرائيل وإيران، تبحث عن نهاية لها، تسمح لكل طرف أن يزعم النصر، بغضّ النظر عن الكُلف الباهظة التي دفعها، وبغضّ النظر عمّا حققه من أهداف. هنا تكمن المعضلة، أو...
فاجأ إقدام واشنطن على اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية أمنية عسكرية العالم أجمع، ووضعه أمام زلزال يطال البنية القانونية للنظام الدولي، فمثل هذا الفعل - بغضّ النظر عن المبررات السياسية أو الأخلاقية التي قد تُساق له- يشكّل سابقة خطيرة تُقوِّض مبدأ سيادة الدول، وتفتح الباب واسعاً أمام قوى أخرى لإعادة تفسير الشرعية، ليس فقط بوصفها قانوناً دولياً، بل باعتبارها موازين قسرية تُفرض بالقوة. في هذا السياق، تبرز الصين بوصفها المراقب الأكثر اهتماماً، فبكين التي تراقب بدقة كل تصدّع في جدار النظام الدولي الليبرالي، قد ترى في سابقة كهذه إشارة ضمنية إلى أن القواعد التي كُرِّست بعد الحرب العالمية الثانية باتت قابلة للتجاوز، إذا ما توافرت القوة والذرائع. هناك إجماع في القانون الدولي على أن مبدأ سيادة الدول يُعدّ حجر الأساس في ميثاق الأمم المتحدة (المادة الثانية، الفقرة الأولى). وأي خرق مباشر له، خصوصاً إذا صدر عن دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، فإنه يُنتج ما يُسمّى في الأدبيات السياسية ب«سابقة القوة المُشرعِنة»، أي تحويل الفعل الاستثنائي إلى قاعدة قابلة للتكرار. الولايات المتحدة لطالما قدّمت نفسها حارساً لمبدأ السيادة، لكنها في الوقت ذاته لم تتردّد في خرقه عندما تعارض مع مصالحها الاستراتيجية، واختطاف رئيس فنزويلا ليس مجرد رسالة إلى كاراكاس، لكنه في العمق هو رسالة إلى العالم بأسره، مفادها أن السيادة لم تعد حصناً مانعاً إذا ما قررت القوة المهيمنة خلاف ذلك. هنا تحديداً يكمن الخطر، فالصين، التي تعتبر تايوان جزءاً لا يتجزأ من أراضيها استناداً إلى سردية تاريخية وقانونية خاصة بها، قد تستنتج أن إعادة توحيد الجزيرة بالقوة أمر وارد، ولن يشكّل خروجاً فاضحاً على النظام الدولي، بقدر ما يشكّل ممارسة ممكنة في عالم تتآكل فيه الخطوط الحمراء. تستند الصين في مقاربتها لتايوان إلى ما تؤكده في وثائقها الرسمية، ولاسيما «الكتاب الأبيض حول مسألة تايوان»، الصادر عن مجلس الدولة الصيني، والذي يربط السيادة الصينية بسلسلة متصلة من الوقائع التاريخية منذ القرن السابع عشر، وفي المقابل، يستند الغرب إلى مقاربة قانونية سياسية براغماتية، تتجنب الاعتراف الرسمي بتايوان دولةً مستقلة، لكنها توفر لها دعماً أمنياً واقتصادياً واسعاً، مع دعم عسكري وسياسي كبير من قبل واشنطن، يصل حدّ الاستفزاز من وجهة نظر بكين. تُجادل الصين منذ عقود بأن تايوان ليست دولة مستقلة، بل إقليم متمرّد انفصل بفعل الحرب الأهلية الصينية، وهذه الحجة، وإن لم تحظَ بإجماع دولي، تجد لها صدى لدى عدد كبير من الدول التي تلتزم بمبدأ «الصين الواحدة»، ولطالما أن سيادة الدول الصغيرة أو حتى المتوسطة أصبحت عرضة للانتهاك المباشر، بحجج متعددة، مثل مكافحة الإرهاب والديمقراطية، فإن الصين يمكن أن تبرّر أي عملية اجتياح تقوم بها ضد تايوان بحجة الشرعية التاريخية، التي لا تقل وزناً عن الذرائع التي تقدمها واشطن. إن السؤال الرئيسي الذي تطرحه عملية اختطاف واشنطن للرئيس الفنزويلي، وما يشكله من دفع للصين بغزو تايوان، لا يتمحور حول القدرات العسكرية، وإنما حول البيئة الدولية، التي أصبحت تسمح فعلياً بمثل هذا الخرق الفاضح للمبادئ المؤسسة للقانون الدولي، وفي مقدمتها المؤسسة الأممية، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، الذي يفترض بهم أن يكونوا الحرّاس المؤتمنين على تطبيق القانون الدولي. يرى عدد من منظّري العلاقات الدولية من «المدرسة الواقعية الهجومية»، وفي مقدمتهم المنظّر السياسي الأمريكي جون ميرشايمر، أن تآكل القواعد الدولية لا يؤدي إلى الردع، وإنما إلى زيادة احتمالات الصدام، لأن القوى الصاعدة «تميل إلى اختبار حدود القوة المهيمنة عندما تلاحظ تناقضاً بين خطابها وسلوكها»، ومن هذا المنظور، فإن أي خرق انتقائي للسيادة قد يُقرأ في بكين بأنه فرصة تاريخية لا ينبغي تفويتها لغزو تايوان، وإعادتها للسيادة الصينية. وعلى الرغم من استبعاد الكثير من المحللين الاستراتيجيين لسيناريو غزو الصين لتايوان، نظراً للمكانة التي تحتلها تايوان بحكم سيطرتها على نسبة كبيرة من إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة، وأثر مثل هذا السيناريو في الأسواق العالمية، التي باتت تعتمد بشكل واسع على التكنولوجيا فائقة الذكاء، إضافة إلى الحساسيات الجيوسياسية في محيط الصين، خصوصاً من قبل اليابان وكوريا الجنوبية، إلا أن هذه العوائق نفسها، قد تشكّل دافعاً للصين، مستفيدة من نقاط ضعف عديدة لدى واشنطن، من انشغالها بعدد من الجبهات الخارجية، وصولاً إلى أزماتها الداخلية، مروراً بحاجتها الماسّة للصين، في سلاسل التوريد، والمعادن النادرة. وإذا كانت روسيا، على الرغم من خرقها مبدأ سيادة الدول، قد منعت تحوّل أوكرانيا إلى جبهة متقدمة لحلف الأطلسي على حدودها، وأربكت أوروبا بأكملها، وأظهرت عجزها الدفاعي، وها هي واشنطن تزعم أحقيتها بالنفط الفنزويلي ومعادن البلاد النادرة، أيضاً غير آبهة بالقانون الدولي، فلم لا تقدم الصين على غزو تايوان، وأخذ حصّتها من تركة الرجل المريض، الذي تشكله الجثة المتفسخة للقانون الدولي؟
لم يعد النقاش حول الدولة المعاصرة يقتصر فقط على قدرتها أو عجزها، لكنه تحوّل، ربما بنيوياً، إلى نقاش يطال طبيعة المنطق الذي يحكم عملها، فالدولة اليوم، في كثير من التجارب، لا تبدو غائبة أو منهارة، وهي حاضرة بكثافة في تفاصيل الحياة اليومية، لكنها حاضرة بوصفها إدارة وجهازاً للتنظيم لا سياسة، وهذا الحضور الكثيف لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يعكس توسعاً في الوظيفة الإجرائية، حيث يجري استبدال السؤال عن الاتجاه والمعنى بمنطق الكفاءة والاستقرار وتقليل الخسائر. تاريخ نشأة الدولة الحديثة مرتبط بشكل وثيق بالسياسة، أي بوصفها تكثيفاً للصراعات الاجتماعية والتاريخية حول السلطة والتمثيل والموارد والهوية، وبهذا المعنى فإنها لم تنشأ كجهاز إدارة للخدمات العامة، تقتصر وظيفتها على مدى قدرتها على تلبية هذه الخدمات، كما أن استمرارها بالمعنى الفعلي لا يقتصر على هذا الجانب المؤسساتي بطبيعة الحال، لكن بقدرتها على السيادة، التي تشكّل وفق المفكر الألماني كارل شميت، الاختبار الحقيقي للدولة، وهذا مرتبط بالمنطق السياسي الذي تعرّف الدولة نفسها من خلاله، وليس انطلاقاً من جانبها المؤسساتي الإداري وحده. مع تراكم الأزمات العالمية، الاقتصادية والبيئية والأمنية، لم تعد الدولة تميل إلى حلّ الأزمات بوصفها استحقاقات سياسية، وباتت تتعامل معها على أنها مشكلات تقنية محضة، الأمر الذي خفّض السياسة إلى موقع أدنى من موقع الإدارة، وبناءً على ذلك، فإنه أصبح شائعاً انتشار خطاب موجه من قبل الدولة، يعتمد على مؤشر منع الانهيار، وليس على مؤشر قدرتها على فتح آفاق سياسية واجتماعية، لمعالجة الاختلالات البنيوية في المجتمع. وهكذا، يصبح الفعل السياسي هو فعل الضرورة، وليس فعلاً قائماً على الحرية والمبادرة، ويتحوّل المواطن من فاعل رئيسي في المجال العام إلى موضوع للتنظيم والضبط. في عالمنا العربي، يكتسب هذا التحوّل طابعاً أكثر حدّة، لأنه لم يحدث نتيجة تطور تاريخي من دولة سياسية إلى دولة إدارية، أو في سياق تكامل منطقي السيادة والتنظيم، وإنما نتيجة للغياب المزمن للسياسة، فالدولة العربية الحديثة، في معظم نماذجها، لم تُبنَ على عقد اجتماعي واضح ولا على تمثيل فعلي للإرادة العامة، بل على منطق السيطرة والهيمنة من أعلى، وبهذا المعنى، لم تكن الإدارة نتيجة لتراجع السياسة، وإنما استعاضة عنها منذ البداية، ما جعل الدولة جهازاً فوق المجتمع، بدلاً من أن تكون تعبيراً عنه. في هذا السياق، أشار المفكر ياسين الحافظ مبكراً إلى أن أزمة الدولة العربية ليست أزمة أدوات أو كفاءة، بل أزمة مشروع تاريخي، معتبراً أن «الدولة التي لا تنتج معنى وطنياً جامعاً ولا تؤسس شرعيتها على المشاركة تعجز عن التحول إلى دولة سياسية بالمعنى الحديث»، وفعلياً هذا هو السياق الذي جرى فيه التعامل مع الصراعات الاجتماعية والطائفية والاقتصادية بوصفها اختلالات يجب ضبطها، والتنكّر لجوهرها السياسي، ولضرورة حلّ تناقضاتها بأدوات السياسة، لا بأدوات الضبط الإداري، وعلى المنوال ذاته، شهدنا خلال العقد ونصف العقد الماضيين، إدارة الحروب بدل حلّها، وتنظيم الانقسامات لا معالجتها، واحتواء الفقر بدلاً من التعاطي معه بوصفه جزءاً من قضية العدالة الاجتماعية. ومع تضخم هذا المنطق، أصبحت الدولة بارعة في إدارة الاستثناء، لكنها في الوقت ذاته، عاجزة عن تحويله إلى لحظة تأسيس سياسي جديدة، فالاستثناء، كما عند شميت، يكشف جوهر السيادة، لكنه هنا تحوّل إلى نمط حكم دائم تُمارَس فيه السلطة من دون مساءلة فعلية، وتُفرَّغ فيه السياسة من مضمونها، تحت عنوان الاستقرار، لكن من دون أي اعتبار لمخاطر هكذا استقرار ناتج عن تأجيل الأزمات لا على معالجتها بشكل جذري. ويمكن قراءة هذا المسار أيضاً في ضوء تحوّل عام دولياً من منطق السيادة إلى منطق الإدارة الحكومية، أي إدارة السكان عبر تقنيات الضبط والمعرفة والتنظيم، غير أن هذه التقنيات مع انفصالها التدريجي عن السياسة والتمثيل والمساءلة، أصبحت أداة لتقليص مساحات الحرية والتعبير، أو إفقاد هذين المفهومين معناهما السياسي، وبالتالي، إعادة إنتاج السيطرة بأدوات أكثر نعومة، في دولة تحوّلت إلى شبكة إدارة من دون أفق سياسي. إن السؤال السياسي الذي يمكن لطرحه أن يكشف لنا جوهر هذا التحوّل هو سؤال المعنى، هذا السؤال الذي كاد أن يختفي في عالم الدول، فما نراه اليوم في الإدارة الأمريكية الحالية، على سبيل المثال لا الحصر، هو تغليب لمنطق الإدارة بالصفقات، بعيداً عن المعنى السياسي الناتج عن الحلول التي تطرحها الصفقة، أو الكوارث التي يمكن أن تنشأ نتيجة لإبرامها، وهو ما شهدناه في أوكرانيا وغزة. من المؤكد أنه حين تُفرَّغ الدولة من بعدها السياسي، يصبح التنبؤ بالمستقبل مجرد تكهنات. إن استعادة منطق الدولة بوصفها كياناً سياسياً لا تعني رفض الإدارة، إنما الإشارة إلى المخاطر الكارثية في حال عدم إخضاع الإدارة نفسها لإرادة عامة، وربطها بخيار سياسي واضح.
مع نهاية هذا العام، الذي شهد في بدايته عودة الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، وما حفل به من تحريك لحروب متعددة الطبقات، بدأت تداعياتها تظهر بقوة، ليس في مستويات الواقع العياني وحسب، وإنما وصلت إلى الخطاب السياسي للنخب الدولية، فإن كل المؤشرات تكشف من دون مواربة عن تلاشي أي أوهام بالنظام الدولي، بوصفه حامي القواعد، والموازن بين القوة والمبادئ. فالكل يعلم اليوم بأن هذا النظام وصل إلى مرحلة الهشاشة في مؤسساته، خصوصاً الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فهذه المؤسسات تآكلت فاعليتها في العقود الماضية، وما عادت تشكل إطاراً مرجعياً للتوافقات بين الدول الكبرى، وإنما تحوّلت في كثير من الأمثلة إلى أدوات تعطيل وإعاقة. جمع عام 2025 نتائج تراكمية طويلة، وأظهرها بشكل صريح، فعودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض أعادت معها إلى الواجهة منطق القوة العارية التي لا تحتاج إلى أي مبرر سياسي أو أخلاقي مقنع، ، وهو ما تصرّح به واشنطن جهاراً - على سبيل المثال- في حربها الاقتصادية ضد فنزويلا، من دون أي اعتبار لمبدأ سيادة الدول على أراضيها، كما كشف الصراع في أوكرانيا ضعف أوروبا في حماية الدول المجاورة، في الوقت الذي تستثمر فيه الصين في الفراغ المتاح، بوصفه فرصة تاريخية، وكل هذه العوامل أظهرت أن النظام الدولي لم يعد قائماً على القواعد، بل على قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها واستغلال الفراغ الذي تتركه المؤسسات الضعيفة. قياساً إلى ما وصلنا إليه، فإن الواقع الراهن للنظام الدولي هو نتيجة منطقية للتعاطي مع ولاية ترامب الأولى بين 2017 و2021 بأنها فترة شعبوية مؤقتة، لكنها في الحقيقة كانت لحظة كشف للواقع الدولي برمّته، فقد تحدّى ترامب في ولايته الأولى الاتفاقات الدولية، من التجارة إلى المناخ، وأعلن الاستخفاف بالمؤسسات متعددة الأطراف، وأعاد تعريف الحلفاء على أساس المصالح المباشرة، وفرض رسوماً جمركية على الصين والاتحاد الأوروبي، وسحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، وأعاد التفاوض على اتفاقيات الدفاع. وعلى الرغم من ذلك، اعتقدت النخب الغربية حينها أن تصرفاته حالة عابرة، وأن النظام الدولي سيعود إلى نصابه بعد الانتخابات، لكن الواقع أظهر هشاشة البنية التي كانت تحمي القواعد في هذا النظام، والفجوة بين الخطاب المثالي والنفوذ الفعلي. الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت في 2022، شكلت اختباراً صارخاً لنظام القواعد الدولية، فقد اكتشفت أوروبا التي أعلنت دعمها الكامل لأوكرانيا حدود قدرتها على الفعل من دون الولايات المتحدة، كما أن العقوبات الاقتصادية على موسكو كانت محدودة الأثر، وأن القيم الأوروبية، مثل الديمقراطية، ونزاهة الانتخابات، والرعاية الاجتماعية، قابلة للتراجع السريع حين تتعرّض المصالح الكبرى للخطر، وأن الخطاب القومي الشعبوي لم يعد شيئاً من الماضي، فقد تسلّل مجدداً إلى السياسة والأحزاب والإعلام والشارع، كما أصبحت ملامحه واضحة في سباق التسلح الجديد. كان الأوروبيون يعتقدون إلى سنوات خلت بأن ما يجمعهم مع الولايات المتحدة قائم على توازن المصالح والمبادىء معاً، وأن القيم الليبرالية الجامعة ليست أقلّ أهمية في هذه المعادلة، وأنهما سوية شكّلا لعقود خلال الحرب الباردة صورة الغرب في العالم، أو ما يمكن تسميته بقوة المثل المعيارية، لكن مع عودة الرئيس ترامب للحكم، ومحاولاته المستميتة لإبرام سلام في أوكرانيا على حساب أوروبا، أصبح القادة الأوروبيون على يقين بأن واشنطن لم تعد تمنح وحدة القيم عبر ضفتي الأطلسي أي مكانة في حساباتها الاستراتيجية، مثلما لم تعد تبالي بالقانون الدولي أو بالقيم المؤسسة للأمن والسلم العالميين بعد الحرب العالمية الثانية. الصين، على الطرف الآخر، لم تعتبر الأزمة الأوكرانية مأساة، بل فرصة للتعلم والاستثمار في الفراغ الاستراتيجي، فقد رصدت بكين ضعف أوروبا، واستفادت من التوتر بين الولايات المتحدة وبين روسيا لتوسيع نفوذها الاقتصادي في مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، عبر شراء النفط والذهب وإعادة تمويل الديون، وذلك عبر استراتيجية تستبعد الانخراط المباشر في الصراعات، وتقوم على الاستثمار فيها لتحقيق نفوذ طويل الأمد، مع معرفتها الكاملة بأن اقتصادها هو شريان العالم، الذي يصعب المساس به. وإذا كان لا بد من الإقرار بأننا ندخل في طور يفتقر فيه النظام الدولي إلى قواعد عامّة تلتزم بها جميع الأطراف الفاعلة الكبرى، فإن ما هو قائم اليوم هو مثلث دولي لا يشكّل نظاماً، تمثل الولايات المتحدة في هذا المثلث القوة الأكبر التي تسعى إلى فرض إرادتها بعيداً عن الالتزامات التاريخية القيمية والسياسية، وهناك أوروبا كقوة قائمة لكن عاجزة، تراوح بين خطاب أخلاقي ينتمي إلى حقبة ماضية، كان فيه هذا الخطاب جزءاً لا يتجزأ من دينامية وجودها كفاعل رئيسي في الساحة الدولية، وبين تحوّلات بنيوية عميقة في اقتصاداتها التي تواجه تحديات متعددة، وحالة عدم يقين من إمكانية الاستجابة لهذه التحدّيات من دون أن تدفع أثماناً سياسية واجتماعية باهظة، وهناك الصين، التي تستثمر في حالة الفراغ القائمة، مستفيدة من انهيار القيود في النظام الدولي.
رأت الصين في القمة الثلاثية التي عُقدت مؤخراً بين أمريكا واليابان وكوريا الجنوبية، خطوة نحو تشكيل «حلف ناتو» مصغّر، الهدف منه حصارها، وندّدت بهذا المسعى الثلاثي الذي
كل دعوة للسلم الأهلي في بلد ما، هي بالضرورة تعبير عن مخاوف الانتقال من حالة الأمان المجتمعي الهشّ إلى الحرب الأهلية، أي أنها من حيث المبدأ، اعتراف بغياب المقوّمات
لأسباب تاريخية كان سؤال الهُوية أكثر إلحاحاً في عموم العالم العربي من سؤال المواطنة، فقد كان انهيار السلطنة العثمانية بمنزلة صدمة حلّت على رعاياها، وما زاد من هذه الصدمة
بعد ساعات قليلة على الانقلاب الذي أطاح برئيس النيجر المنتخب محمد بازوم، من قبل العسكر، بدأت حملة من الاتهامات المتبادلة بين القوى الكبرى، حول الجهة الخارجية التي دعمت
حسام ميرو وحده النظام الصيني من بين الأنظمة الشيوعية التي بقيت على حالها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، وما زال الحزب الشيوعي يقود البلاد، من
حسام ميرو بلغة الميتافيزيقيا، يمكن تصوّر انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/آب 2020، بأنه إشارة واضحة إلى اللبنانيين عموماً، والنخب السياسية خصوصاً، بضرورة تجنّب حدوث انفجار أكبر