الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
آسيا تايمز
وسيلة إعلامية
أحدث مقالات آسيا تايمز
14 أكتوبر 2025
حرب بين الخرسانة والخوارزمية

داخل قاعة تداول مضاءة في نيويورك، تومض الشاشات بإيقاع لا يهدأ، فيما يحتفل المتداولون، الذين يتغذون على الكافيين والطموح، بهوامش ربح تُقاس بأجزاء من الثانية، القيمة هنا مجردة وعابرة، تتجسد في سعر سهم متقلب وتوقعات ربع سنوية وحركة خوارزمية قادمة.

لكن على الجانب المقابل، في ميناء «تشانكاي» العملاق الجديد في بيرو، والمملوك كلياً للصين، تتشكل قيمة مختلفة تماماً. قيمةٌ ملموسة، صلبة، قوامها الفولاذ والإسمنت. هنا تجد الرافعات الضخمة التي تنقل الحاويات إلى السفن المنتظرة، فتفتح شرياناً تجارياً جديداً يمتد نحو آسيا، هذا المشروع الذي تقدر قيمته بمليارات الدولارات لا يلهث وراء تقارير الأرباح الفصلية، بل يعيد رسم الجغرافيا ويؤمِّن الموارد لجيل كامل ويثبت حضور أمة في تراب قارة بأكملها.

هاتان الصورتان ليستا مشهدين متباينين فحسب، بل فلسفتين متنافستين للقوة في القرن الحادي والعشرين، من جهة يقف المحاسبون الأمريكيون، سادة المال المهووسون بالسيولة وتقليل المخاطر وإشباع شهوة الأرباح السريعة ومن جهة ثانية، المهندسون الصينيون الذين يعملون بمنهجية صارمة ويركزون على الأهداف البعيدة، يزرعون اليوم ليحصدوا بعد عقود، هذا هو الصراع الحقيقي على النفوذ العالمي اليوم.

على مدى عقود، حكم شعار واحد الرأسمالية الأمريكية وهو «تعظيم قيمة المساهمين»، لكن هذا الشعار انقلب مع الزمن إلى هوس مرضي بالمكاسب قصيرة الأجل. فلماذا تُقام مصانع جديدة أو تُموّل أبحاث استراتيجية تمتد لسنوات، بينما يمكن لعملية إعادة شراء الأسهم أن تُرضي مستثمري «وول ستريت» في لحظة وترفع مكافآت التنفيذيين على الفور؟

والأرقام تتحدث، ففي عام 2023 وحده، أنفقت شركات مؤشر «إس آند بي» أكثر من 800 مليار دولار على إعادة شراء الأسهم، مبلغ يفوق ميزانيات البحث والتطوير لمعظم الدول المتقدمة مجتمعة. 

لكن هذه ليست مجرد أرقام، إنها قصة عامل أمريكي في أوهايو، أغلق مصنعه بعد ثلاثين عاماً من الخدمة، لا لأن المصنع خسر المال، بل لأنه لم يعد مربحاً بما يكفي لصندوق تحوط بعيد، فأصبحت يداه الماهرتان في تشكيل الفولاذ أقل قيمة من رقم على جدول مالي ومستقبل مجتمعه بات ضحية شرعية في حرب أرباح الأسهم السريعة. وكما لخّصت وزيرة التجارة الأمريكية السابقة جينا ريموندو الوضع بوضوح: «على مدى عقود، ركزنا على الاستهلاك والخدمات المالية أكثر من الإنتاج والتصنيع.. لقد صرفنا أنظارنا عن الهدف الحقيقي».

في بكين، الزمن يُقاس بخطط خمسية، لا بأرباح فصلية، فقيادات الحكومة، التي يغلب عليها المهندسون، ترى العالم من منظور التصميم والتنفيذ لا من منظور العائد المالي الفوري. أداتهم ليست «الهندسة المالية»، بل «الهندسة الفعلية» المتمثلة في تشييد وإدارة الموانئ وسكك الحديد وشبكات الاتصالات ومحطات الطاقة وغيرها من المشاريع التنموية. ومبادرة الحزام والطريق تجسيد واسع لهذه الرؤية.

وبحسب البنك الدولي، ضخت الصين منذ عام 2013 أكثر من تريليون دولار في مشاريعها عبر آسيا وإفريقيا وأوروبا، لتنسج شبكة عالمية جديدة من البنى التحتية، تتوسطها بكين كقلب نابض للتجارة الدولية.

رغم الصورة القاتمة للتراجع الصناعي الأمريكي، يتشكل إجماع هشّ جديد في واشنطن على أن ذهنية المحاسب لم تعد كافية في عصر تنافس القوى الكبرى

إنها ليست مساعدات، بل هندسة استراتيجية لإعادة تخطيط مسارات القوة. فبالنسبة لمزارع البن في ريف إثيوبيا، على سبيل المثال، تُعد السكك الحديدية الجديدة التي تربطها بجيبوتي خطوة جيوسياسية وشريان حياة يجعل محاصيلها تصل إلى الأسواق العالمية طازجة، بدلاً من أن تتلف على طرق موحلة وهذا ما يمنح الأسر والأفراد أملاً بمستقبل أفضل.

إن رؤية المهندس الصيني لا تتوقف عند الإسمنت والحديد. فبجانب الطرق والموانئ، تُمدّ كابلات الألياف البصرية وتُبنى مراكز البيانات، لتكون الصين مساهماً فاعلاً في البنية التحتية الرقمية للعالم الجديد، بالتوازي مع المادية.
ومن ممر الصين–باكستان الاقتصادي إلى نفوذها المتنامي في مناجم الكوبالت بالكونغو، المنطق واضح وهو: من يسيطر على شرايين التجارة «المادية والرقمية» يسيطر على تدفق القوة العالمية.

في المقابل، ورغم الصورة القاتمة للتراجع الصناعي الأمريكي، يتشكل إجماع هشّ جديد في واشنطن على أن ذهنية المحاسب لم تعد كافية في عصر تنافس القوى الكبرى ويمكن القول إن قانوني «الرقائق والعلوم» و«خفض التضخم» يمثلان رهاناً ضخماً على تلميع الصورة مجدداً، من مصانع أشباه الموصلات في أريزونا إلى بطاريات السيارات، إنها إعلانات إرادة صناعية، لحظات نادرة تنتصر فيها رؤية المهندس بعيدة المدى على أرقام المحاسب الآنية.

تلك المبادرات تُثبت أن أمريكا لا تزال قادرة على البناء، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل هذه السياسات استثناء مؤقت، أم بداية لتحول ثقافي عميق؟ 

يتحول النظام العالمي اليوم من عالم المال المجرد إلى واقع الأصول الملموسة وفي عصر تُحدد فيه سلاسل الإمداد والمعادن الحيوية وممرات النقل مصير الدول، ستفوز الأمة التي «تبني»، لا تلك التي تكتفي بحساب أرباحها. والمنافسة مع الصين لن تُحسم في قاعات تداول «وول ستريت»، بل في المصانع والمختبرات ومواقع البناء في القرن الحادي والعشرين.