الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
آلان جرينسبان
أحدث مقالات آلان جرينسبان
15 أكتوبر 2011
أزمة أوروبا وفصل الشمال والجنوب

تواجه منطقة اليورو أزمة لا تتعلق فقط بكلفة الأجور والأسعار بل بالثقافة . ويقع العبء بشكل رئيسي على جنوب أوروبا حيث تنتشر ديون السندات السيادية والمرتبطة بالبنك المركزي الألماني وتتراوح بين 370 نقطة أساسية في إيطاليا و1960 نقطة أساسية في اليونان . ويوجد لدى دول منطقة اليورو الشمالية كشوف حساب محكمة مقابل هامش 40 إلى 80 نقطة لهولندا والنمسا وفنلندا وفرنسا وعليه توجد منطقتان محددتان متمايزتان في منطقة اليورو وهما الشمال والجنوب الأوروبي .

وكان تصنيف كشوف مخاطر الديون حسب الحجم عبر منطقة اليورو متطابقاً في 2010 تقريباً مع تصنيف مستويات تكلفة الوحدة العاملة منسوبة إلى ألمانيا وتوحي بأنه كلما ارتفعت كلفة العمالة والأسعار كلما صارت منطقة جنوب اليورو أقل تنافسية وأصبحت أكثر تعرضاً لمخاطر الديون . وكلما كانت الصادرات مسعرة بدقة لدى المشاركين من منطقة اليورو الشمالية كلما تغطى بالفعل المستوى المرتفع للواردات الصافية في الجنوب . وباختصار شديد وبين 1999 والربع الأول من 2011 كان هنالك تحويل مستمر للسلع والخدمات المشحونة من الشمال إلى الجنوب .

وكانت دول شمال أوروبا تقدم الدعم الفعلي للاستهلاك الأوروبي منذ إطلاق اليورو في الأول يناير 1999 ولم تكن هذه ظاهرة جديدة .

وعلى ما يذكر أنه في السنين الأولى لتشكيل منطقة اليورو كانت هناك فكرة عامة مفادها أن اليونانيين يتصرفون في الأسواق وكأنهم ألمان . ولكن هناك دليل ضعيف على تبني اليورو أعضاء جنوبيين وغيّر ذلك سلوكهم بشكل كبير . ذاك السلوك المزمن الذي وقع وخفض قيمة أسعار الصرف مقابل المارك الألماني .

وبين 1990 وحتى 1998 ارتفعت كلفة وحدة العمالة والأسعار بوتيرة أسرع منها في الشمال . وهدأت السرعة في السنوات التي تلت إطلاق العملة الموحدة . وفي الحقيقة أن التوجه الذي كان يحرك الأمور قد توقف بفعل الأزمة المالية في ،2008 ومنذ ذلك الحين ظهرت هناك إشارات على استقرار معدلات الأسعار في كل من شمال وجنوب أوروبا . وسهلت عمليات الاقتراض المدعومة من تصنيفات الديون لدى أعضاء اليورو في الشمال قدرة الجنوبيين على الحفاظ على فوائض ما قبل مرحلة اليورو المالية بعد ،1999 وقبل 1999 كان الاقتراض في موروث العملات الجنوبية أكثر كلفة بكثير مما هو عليه في الشمال . ولكن في انتظار اليورو فإن سندات العشر سنوات السيادية التي سيطرت عليها الدراخما انخفضت أكثر من 450 نقطة أساسية مقارنة بأسعار المارك الألماني في السنوات الثلاث الماضية التي أوصلت إلى تبني اليونان لليورو في 2001 وبنفس الأسلوب انخفضت عائدات الإسكودا البرتغالية بمعدل 475 نقطة أساسية وانخفضت عائدات الليرة الإيطالية بمعدل 500 نقطة أساسية في السنوات الثلاث التي سبقت تشكيل منطقة اليورو في أول يناير 1999 ولم تكن التغييرات في معدل أسعار السندات قبل الدخول في منطقة اليورو ذات قيمة كبيرة في كل من فرنسا والنمسا وهولندا وفنلندا وبلجيكا .

وتميزت منطقة شمال اليورو تاريخياً بمعدلات ادخار مرتفعة ومستويات منخفضة من التضخم وهي محددات الثقافة التي تركز على الاستثمارات طويلة الأجل أكثر من الاستهلاك السريع . وعلى العكس من ذلك كانت مستويات التوفير السالبة وزيادة الاستهلاك سمة مشتركة بين اليونان والبرتغال منذ 2003 .

رئيس الاتحادي الفيدرالي الأمريكي سابقاً

2 يوليو 2009
التضخم أكبر تهديد للانتعاش المستدام
من الأمور القابلة للجدل بشأنها القول إن الزيادة في أسعار الأسهم العالمية خلال الفترة من مطلع مارس/آذار الماضي حتى يونيو/حزيران الجاري تمثل التحول الايجابي في البيئة الاقتصادية . وقد اضافت الاثنا عشر تريليون دولار وهي قيمة اسهم الشركات المستحدثة مؤخراً كثيراً الى حاجز رأس المال الذي يدعم الدين الصادر بوساطة الشركات المالية وغير المالية . ونتيجة لذلك، ارتفع دين الشركات وتراجعت العائدات . وفي السابق، كانت بعض الشركات قادرة على جمع ديون وحقوق ملكية كثيرة خلال الشهور القليلة الماضية . اما مخاوف السوق من اعسار البنوك على وجه الخصوص فقد تراجعت .

فهل هذه بداية انتعاش اقتصادي طويل الأمد أم هو فجر كاذب؟ هناك مقولات تحظى بالصدقية على الجانبين في هذا الموضوع . وقد خمنت على هذه الصفحات قبل عام بأن الأزمة ستنتهي عندما تستقر أسعار المنازل في الولايات المتحدة . ويبدو أن ذلك التخمين لايزال سليماً . فهذه الأسعار تحدد الى حد كبير كمية حقوق الملكية في المنازل - الضمان الاضافي النهائي لديون رهون المنازل الأمريكية البالغة 11 تريليون دولار والتي يوجد جزء كبير منها محجوزاً في شكل أوراق مالية بضمان أصول خارج الولايات المتحدة . ويقلل الأسعار حالياً التجاوز الكبير في المعروض من المنازل الخالية المتوفرة للبيع . وبسبب الانخفاض الحاد في عمليات إكمال المنازل مؤخراً، جرى تسييل هذا التجاوز على نحو جاد، الأمر الذي يوحي بأن الأسعار يمكن أن تبدأ بالاستقرار خلال الشهور المقبلة على الرغم من أنها يمكن أن تنخفض في عام 2010 .

وبالإضافة الى ذلك، لاتزال هناك حاجة لتمويل خسائر هائلة غير معترف بها منيت بها البنوك الأمريكية . فإن تحقيق استقرار أسعار المنازل أو حدوث زيادة أخرى في قيمة الأسهم المستحدثة هو الذي سيعالج هذا العائق الذي يحول دون الانتعاش .

وحتى الآن ارتفعت اسواق الأسهم العالمية بوتيرة سريعة الى حد يصعب معه تصور إمكانية استمرار ارتفاعها أكثر من ذلك . ولكن ماذا لو انها واصلت الارتفاع بعد تصحيح؟ أن ذلك سيعزز الميزانيات العمومية العالمية بكميات كبيرة من قيمة الأسهم وسيزود البنوك برأس المال الجديد الذي سيسمح لها بزيادة الاقراض .

وسيؤدي ارتفاع أسعار الأسهم أيضاً الى زيادة ثروات وانفاق الأسر وستؤدي القيمة السوقية المرتفعة لأصول الشركات القائمة مقارنة بتكلفة استبدالها الى حث استثمارات رأسمالية جديدة . وسينخفض الرفع على نحو جوهري .

وإنني أقر بأنني أمنح أسعار الأسهم دوراً اقتصادياً أكبر بكثير مما تفرضه الحكمة التقليدية . ومن وجهة نظري، فإنها ليست مجرد مؤشر بارز مهم لنشاط الأعمال العالمية وإنما هي مساهم رئيسي في ذلك النشاط وتعمل بشكل أساسي من خلال الميزانيات العمومية .

وستتعرض فرضيتي للاختبار خلال السنة المقبلة . فإذا تراجعت أسعار الأسهم الى مستوياتها المتدنية التي شهدناها في بداية الربيع أو الى مستويات أدنى منها، فسأتوقع اختفاء دلائل التحسن التي لوحظت خلال الأسابيع القليلة الماضية . ومن المؤكد أن أسعار الأسهم تأثرت بالتقلبات الاقتصادية العادية . ولكن، وكما لاحظت في مارس/آذار، فإن القوة الدافعة المهمة لأسعار الأسهم هي الميل البشري الفطري للتأرجح بين الشعور بالنشاط والخوف والذي يتأثر بشدة بالأحداث الاقتصادية، وله حياته الخاصة به . ومن خلال تجربتي، فإن مثل تلك الأحداث لا تكون في كثير من الأحيان توقعات لنشاط الأعمال مستقبلاً وإنما هي أسباب رئيسة لها .

ولكي يتم السيناريو أعلاه حتى نهايته، يجب مواجهة أخطار الانكماش قصيرة الأجل وأخطار التضخم طويلة الأجل والقضاء عليها . وان قدرة إضافية تخفض مؤقتاً الأسعار العالمية ولكنني أرى في التضخم التحدي الأكبر في المستقبل . وإذا منعت الضغوط السياسية المصارف المركزية من السيطرة على ميزانياتها العمومية المتضخمة بالطريقة المطلوبة، فإن التحليل الاحصائي يوحي بحدوث التضخم بحلول عام ،2012 في حال توقعت الأسواق مبكراً حدوث فترة طويلة من عرض أموال مرتفع، ويرتبط تضخم الأسعار السنوي في الولايات المتحدة بشكل كبير بالتغييرات السنوية في عرض الأموال في كل وحدة قدرة على حدة .

ويمثل التضخم قلقاً خاصاً على مدى العقد المقبل في ضوء ضخامة الدين الحكومي الذي يوشك تفريغه على الأسواق المالية العالمية، وأن الحاجة لتمويل عجوزات مالية هائلة للغاية خلال السنوات المقبلة يمكن أن تؤدي الى ضغط سياسي على المصارف المركزية لطباعة أموال من أجل شراء الكثير من الديون الصادرة حديثاً .

ان مجلس الاحتياطي الفيدرالي - عندما يتصور أن معدل البطالة سينخفض - سيبدأ افتراضاً بالسماح بتأخر تسجيل أصوله قصيرة الأجل، وإما باع سنداته وسنداته الاذنية وأوراقه المالية المضمونة بأصول التي حصل عليها مؤخراً أو - في حال اتضح أن ذلك مسبب لاضطرابات بالغة في الأسواق - أصدر بموافقة من الكونجرس ديناً فيدرالياً لمواجهة ما تبقى من توسيعه الهائل لقاعدته النقدية .

إن الولايات المتحدة تواجه خيار أن تخفض تدريجياً عجوزات موازنتها وقاعدتها النقدية فور تبدد مخاطر الانكماش الراهنة، أو أن تعد العدة لزيادة محتملة في معدل التضخم .

وحتى في حال عدم وجود خطر التضخم، فإن هناك خطراً محتملاً كامناً في السياسة المالية الأمريكية الحالية وهو: زيادة كبرى في تمويل الاقتصاد الأمريكي من خلال دين القطاع العام .

وإن مساراً كهذا للسياسة المالية يعتبر وصفة للتخصيص السياسي لرأس المال وتقويضاً لعملية التدمير الخلاق، أي منافسة سوق القطاع الخاص الضرورية لرفع مستويات المعيشة .

وقد تعرضت سمعة هذا النموذج لتشويه بالغ بسبب الأحداث الأخيرة . وإن التحسينات في الرقابة والاشراف الماليين - ولا سيما في مجالات كفاية رأس المال - ضرورية .

وعموماً، ومن أجل أفضل فرصة للنمو الاقتصادي العالمي يجب أن نستمر في الاعتماد على قوى السوق الخاصة لتخصيص رأس المال والموارد الأخرى . وقد جرّب بديل تخصيص الموارد السياسي، وفشلت التجربة .

24 أغسطس 2008
على العالم رفض دعوات احتواء الأسواق التنافسية

إن المفاجأة التي شهدتها الشهور القليلة الماضية لا تتمثل في أن النمو الاقتصادي العالمي يتباطأ وإنما في عدم وجود نمو البتة . ولم يتبع الضغط الائتماني الذي حدث في العام الماضي السبيل الذي سلكته الأحداث المسببة للضعف الاقتصادي الأخيرة والتي تتسم بتجميد السيولة مؤقتاً، وهنا يتذكر المرء أعوام 1982 و1989 و1997 و1998 . وهذه الأزمة مختلفة ولا تحدث إلا مرة أو مرتين خلال قرن كامل وتتمثل جذورها في مخاوف المؤسسات المالية الكبرى من الإعسار .

ولم تفلح عمليات ضخ المصارف المركزية لكميات هائلة من السيولة في إنهاء هذه الأزمة . وفقط عندما تم استبدال الائتمانات السيادية لائتمانات البنوك الخاصة - كما حدث أولاً في حالة بنك نورثرن روك في بريطانيا، ولاحقاً في حالة بنك بير شتيرنز في الولايات المتحدة الأمريكية استعيد ما يشبه الاستقرار في الأسواق، ولكن فوارق السعر الذي تعرضه بنوك لندن عن مبادلات مؤشر سعر الفائدة عن القروض اليوم واحدة ومبادلات تقصير الائتمان في المؤسسات المالية لم تعد لمستويات ما قبل الأزمة، ولم تتخلص المؤسسات المالية بعد من مخاوفها من الإعسار، وربما يكون هناك عدد من البنوك والمؤسسات المالية التي توشك على عدم الوفاء بالتزاماتها وربما ينتهي الأمر بها الى أن تنقذها الحكومات .

وستصل أزمة الإعسار الى نهايتها فقط عندما تبدأ أسعار المنازل في الولايات المتحدة في الثبات . وعموماً، فإن أسعار المنازل في الولايات المتحدة سوف تستقر فقط عندما يتقدم امتصاص الفائض الضخم من المنازل الخالية التي ظهرت خلال طفرة الإسكان الأمريكية عام 2006 .

وفي انتظار تلك النتيجة، سيحدد سعر الأسهم في أنحاء العالم ما إذا كان بمقدور النظام المالي الدولي المحافظة على القليل من الثبات وهو يخرج من ضغط الائتمان، أو ما إذا كان سيسقط في فترة اضطرابات أخرى .

وتعتمد الحالة التفاؤلية على عالم الأعمال خارج نطاق التمويل . وفي ضوء العجز الكبير الذي لحق بالتوسط المالي، تماسكت النشاطات غير التمويلية على نحو لافت وأسهمت في تدفق أرباح الشركات التي ساعدت على المحافظة على أسواق الأسهم العالمية على الرغم من الضغوط التي تعرضت لها . والأمر المؤكد هو أن أسعار الأسهم العالمية فقدت خمس قيمتها القصوى التي بلغتها في أكتوبر/ تشرين الأول 2007 ولكنها لا تزال تقارب مستويات تحققت لآخر مرة في العام 2006 .

وسيكون وجود مستوى دائم من أسعار الأسهم العالمية حيوياً إذا كان للبنوك أن تعيد رسملة نفسها عند المستويات العليا التي يطالب بها المستثمرون حالياً، ويسهم مستوى الادخار العالي في زيادة تجمعات رؤوس الأموال (حوالي 24% من إجمالي الناتج المحلي العالمي)، وسيوفر تدفق المدخرات الجديدة بعض الدعم .

بيد أن الأرباح الرأسمالية مهمة أيضاً، ويمكن ملاحظة هذا على أفضل وجه في سياق الميزانيات العمومية الموحدة للاقتصاد العالمي، فجميع مطالبات الديون والمشتقات يتم تعويضها في المحاسبة العالمية تاركة الأصول المادية الحقيقية والفكرية وقيمتها السوقية منعكسة كقيمة صافية للمؤسسة . ولا يمكن للأرباح الرأسمالية أن تموّل الاستثمارات المادية الجديدة ولكنها تضيف بالفعل لصافي القيمة العالمية . وفي حال تراجع حسم الأرباح المستقبلية المتوقعة المتحققة عن طريق أسهم رأس المال المادية العالمية لأي سبب من الأسباب، سترتفع القيمة السوقية لأسهم رأس المال المشار إليها من دون مسؤولية معاوضة . وتكون هناك بالتالي قيمة أكبر للأسهم تعزز رأسمال الأعمال المالية وغير المالية . وإذا انعكس سعر الحسم المذكور، فإن قيمة الأسهم العالمية ستتراجع . وعليه، يمكن لانخفاض أسعار الأسهم العالمية أن يعوق إعادة رسملة البنوك والمؤسسات المالية الأخرى .

والعولمة جزء أساسي في الزيادة غير المسبوقة في النشاط الاقتصادي العالمي خلال العقد المنصرم . وتجاوزت الزيادة في حجم التجارة العالمية بدرجة كبيرة وتيرة نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي العالمي لعقود عدة . وبين العام 2001 والعام 2007 ارتفعت الاستثمارات العالمية عبر الحدود (بالقيمة السوقية) بنسبة تزيد الثلثين على إجمالي الناتج المحلي الاسمي العالمي طبقاً لبيانات صندوق النقد الدولي .

والسبب وراء يأسنا الاقتصادي هو نزوع الطبيعة البشرية نحو التأرجح من الخوف الى الشعور بالخفة والنشاط وبالعكس، وهي حالة لم يثبت أي نموذج اقتصادي أنه قادر على كبتها من دون مشقة شديدة . أما الرقابة - وهي الحل الفعال المزعوم للأزمة الحالية - لم تكن أبداً قادرة على استبعاد أزمات التاريخ .

وتميز الأزمة المالية انقطاعات حادة في أسعار الأصول، ولذلك يجب أن يتعذر توقع الأزمة . ويعترف المجتمع المالي بأن تسعير المخاطر كان بأقل من قيمتها خلال معظم العقد الحالي، ولكن توقيت تصحيح السعر الحاد مثّل مفاجأة أيضاً .

ويحفل التاريخ القريب بهذا التسعير الذي يقل عما ينبغي والذي يستمر لسنوات، والأطراف النشطة في السوق والتي تنسحب من التزامات طويلة عند أول علامة على زيادة في الوفرة تخاطر بفقدان حصتها في السوق . وعندما ظهرت الأزمة الحالية، ساد افتراض بأن الحلقات الضعيفة ستتمثل في صناديق التحوط والصناديق الخاصة غير الخاضعة للرقابة، بيد أن الخسائر حدثت في المؤسسات الأكثر خضوعاً للرقابة وهي البنوك .

وربما لا نواجه أو نقبل بسهولة قوى أسعار المنازل وأسعار الأسهم، ولكننا نستطيع أن نتقي صيحات اليأس السياسي، ويجب علينا أن نفعل ذلك، وأن الأداء القوي بشكل لافت للاقتصاد القوي منذ التبني شبه الشامل لرأسمالية السوق يشهد على مزايا زيادة المرونة الاقتصادية . وكان الأمر صعباً على المجتمعات الديمقراطية التي اعتادت على الازدهار أن ترى أن الأزمة ناتجة عن الإدارة السياسية لتلك المجتمعات . وفي الحقيقة، أن العقد الماضي شهد صعود قوى عالمية حلّت محل السيطرة الحكومية على الشؤون الاقتصادية . ومنذ بدايات العقد الجاري تعيّن على المصارف المركزية التخلي عن السيطرة على أسعار الفائدة طويلة الأجل لقوى السوق العالمية . وتبنت اقتصادات كانت خاضعة للتحكم الى درجة بعيدة في الماضي (كالصين والهند وروسيا) الأسواق التنافسية بدلاً عن المنهج البيروقراطي . ويكمن الخطر في أن بعض الحكومات ستسعى جاهدة لتؤكد قبضتها على الشؤون الاقتصادية . وإذا حدث ذلك، فسينعكس أثر العولمة وسيكون الثمن باهظاً .

الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والنص نشرته ال فاينانشيال تايمز .
24 أغسطس 2008
على العالم رفض دعوات احتواء الأسواق التنافسية

إن المفاجأة التي شهدتها الشهور القليلة الماضية لا تتمثل في أن النمو الاقتصادي العالمي يتباطأ وإنما في عدم وجود نمو البتة . ولم يتبع الضغط الائتماني الذي حدث في العام الماضي السبيل الذي سلكته الأحداث المسببة للضعف الاقتصادي الأخيرة والتي تتسم بتجميد السيولة مؤقتاً، وهنا يتذكر المرء أعوام 1982 و1989 و1997 و1998 . وهذه الأزمة مختلفة ولا تحدث إلا مرة أو مرتين خلال قرن كامل وتتمثل جذورها في مخاوف المؤسسات المالية الكبرى من الإعسار .

ولم تفلح عمليات ضخ المصارف المركزية لكميات هائلة من السيولة في إنهاء هذه الأزمة . وفقط عندما تم استبدال الائتمانات السيادية لائتمانات البنوك الخاصة - كما حدث أولاً في حالة بنك نورثرن روك في بريطانيا، ولاحقاً في حالة بنك بير شتيرنز في الولايات المتحدة الأمريكية استعيد ما يشبه الاستقرار في الأسواق، ولكن فوارق السعر الذي تعرضه بنوك لندن عن مبادلات مؤشر سعر الفائدة عن القروض اليوم واحدة ومبادلات تقصير الائتمان في المؤسسات المالية لم تعد لمستويات ما قبل الأزمة، ولم تتخلص المؤسسات المالية بعد من مخاوفها من الإعسار، وربما يكون هناك عدد من البنوك والمؤسسات المالية التي توشك على عدم الوفاء بالتزاماتها وربما ينتهي الأمر بها الى أن تنقذها الحكومات .

وستصل أزمة الإعسار الى نهايتها فقط عندما تبدأ أسعار المنازل في الولايات المتحدة في الثبات . وعموماً، فإن أسعار المنازل في الولايات المتحدة سوف تستقر فقط عندما يتقدم امتصاص الفائض الضخم من المنازل الخالية التي ظهرت خلال طفرة الإسكان الأمريكية عام 2006 .

وفي انتظار تلك النتيجة، سيحدد سعر الأسهم في أنحاء العالم ما إذا كان بمقدور النظام المالي الدولي المحافظة على القليل من الثبات وهو يخرج من ضغط الائتمان، أو ما إذا كان سيسقط في فترة اضطرابات أخرى .

وتعتمد الحالة التفاؤلية على عالم الأعمال خارج نطاق التمويل . وفي ضوء العجز الكبير الذي لحق بالتوسط المالي، تماسكت النشاطات غير التمويلية على نحو لافت وأسهمت في تدفق أرباح الشركات التي ساعدت على المحافظة على أسواق الأسهم العالمية على الرغم من الضغوط التي تعرضت لها . والأمر المؤكد هو أن أسعار الأسهم العالمية فقدت خمس قيمتها القصوى التي بلغتها في أكتوبر/ تشرين الأول 2007 ولكنها لا تزال تقارب مستويات تحققت لآخر مرة في العام 2006 .

وسيكون وجود مستوى دائم من أسعار الأسهم العالمية حيوياً إذا كان للبنوك أن تعيد رسملة نفسها عند المستويات العليا التي يطالب بها المستثمرون حالياً، ويسهم مستوى الادخار العالي في زيادة تجمعات رؤوس الأموال (حوالي 24% من إجمالي الناتج المحلي العالمي)، وسيوفر تدفق المدخرات الجديدة بعض الدعم .

بيد أن الأرباح الرأسمالية مهمة أيضاً، ويمكن ملاحظة هذا على أفضل وجه في سياق الميزانيات العمومية الموحدة للاقتصاد العالمي، فجميع مطالبات الديون والمشتقات يتم تعويضها في المحاسبة العالمية تاركة الأصول المادية الحقيقية والفكرية وقيمتها السوقية منعكسة كقيمة صافية للمؤسسة . ولا يمكن للأرباح الرأسمالية أن تموّل الاستثمارات المادية الجديدة ولكنها تضيف بالفعل لصافي القيمة العالمية . وفي حال تراجع حسم الأرباح المستقبلية المتوقعة المتحققة عن طريق أسهم رأس المال المادية العالمية لأي سبب من الأسباب، سترتفع القيمة السوقية لأسهم رأس المال المشار إليها من دون مسؤولية معاوضة . وتكون هناك بالتالي قيمة أكبر للأسهم تعزز رأسمال الأعمال المالية وغير المالية . وإذا انعكس سعر الحسم المذكور، فإن قيمة الأسهم العالمية ستتراجع . وعليه، يمكن لانخفاض أسعار الأسهم العالمية أن يعوق إعادة رسملة البنوك والمؤسسات المالية الأخرى .

والعولمة جزء أساسي في الزيادة غير المسبوقة في النشاط الاقتصادي العالمي خلال العقد المنصرم . وتجاوزت الزيادة في حجم التجارة العالمية بدرجة كبيرة وتيرة نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي العالمي لعقود عدة . وبين العام 2001 والعام 2007 ارتفعت الاستثمارات العالمية عبر الحدود (بالقيمة السوقية) بنسبة تزيد الثلثين على إجمالي الناتج المحلي الاسمي العالمي طبقاً لبيانات صندوق النقد الدولي .

والسبب وراء يأسنا الاقتصادي هو نزوع الطبيعة البشرية نحو التأرجح من الخوف الى الشعور بالخفة والنشاط وبالعكس، وهي حالة لم يثبت أي نموذج اقتصادي أنه قادر على كبتها من دون مشقة شديدة . أما الرقابة - وهي الحل الفعال المزعوم للأزمة الحالية - لم تكن أبداً قادرة على استبعاد أزمات التاريخ .

وتميز الأزمة المالية انقطاعات حادة في أسعار الأصول، ولذلك يجب أن يتعذر توقع الأزمة . ويعترف المجتمع المالي بأن تسعير المخاطر كان بأقل من قيمتها خلال معظم العقد الحالي، ولكن توقيت تصحيح السعر الحاد مثّل مفاجأة أيضاً .

ويحفل التاريخ القريب بهذا التسعير الذي يقل عما ينبغي والذي يستمر لسنوات، والأطراف النشطة في السوق والتي تنسحب من التزامات طويلة عند أول علامة على زيادة في الوفرة تخاطر بفقدان حصتها في السوق . وعندما ظهرت الأزمة الحالية، ساد افتراض بأن الحلقات الضعيفة ستتمثل في صناديق التحوط والصناديق الخاصة غير الخاضعة للرقابة، بيد أن الخسائر حدثت في المؤسسات الأكثر خضوعاً للرقابة وهي البنوك .

وربما لا نواجه أو نقبل بسهولة قوى أسعار المنازل وأسعار الأسهم، ولكننا نستطيع أن نتقي صيحات اليأس السياسي، ويجب علينا أن نفعل ذلك، وأن الأداء القوي بشكل لافت للاقتصاد القوي منذ التبني شبه الشامل لرأسمالية السوق يشهد على مزايا زيادة المرونة الاقتصادية . وكان الأمر صعباً على المجتمعات الديمقراطية التي اعتادت على الازدهار أن ترى أن الأزمة ناتجة عن الإدارة السياسية لتلك المجتمعات . وفي الحقيقة، أن العقد الماضي شهد صعود قوى عالمية حلّت محل السيطرة الحكومية على الشؤون الاقتصادية . ومنذ بدايات العقد الجاري تعيّن على المصارف المركزية التخلي عن السيطرة على أسعار الفائدة طويلة الأجل لقوى السوق العالمية . وتبنت اقتصادات كانت خاضعة للتحكم الى درجة بعيدة في الماضي (كالصين والهند وروسيا) الأسواق التنافسية بدلاً عن المنهج البيروقراطي . ويكمن الخطر في أن بعض الحكومات ستسعى جاهدة لتؤكد قبضتها على الشؤون الاقتصادية . وإذا حدث ذلك، فسينعكس أثر العولمة وسيكون الثمن باهظاً .

الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والنص نشرته ال فاينانشيال تايمز .