في الوقت الذي تتعرض فيه الإمارات ودول الخليج لتهديدات إيرانية متصاعدة، وتلوح مخاطر جيوسياسية تهدد الأسواق المالية والمستثمرين، خرج مصرف الإمارات المركزي بحزمة استباقية قلبت المعادلة رأساً على عقب. بدلاً من انتظار وقع الصدمة، اختارت أبوظبي أن تسبق الأحداث، وتحوّل التهديد إلى اختبار للقوة، والأزمة إلى فرصة لإثبات الجاهزية. هذه الحزمة ليست مجرد إجراءات تقنية عابرة، بل إعلان واضح: الإمارات لا تخاف التصعيد، واقتصادها ليس ورقة في مهب الريح، بل حصن منيع بُني ليقاوم.
بينما تتأرجح الأسواق على وقع التوترات، كان المصرف المركزي قد سبق الأحداث بخطوات استباقية، معلناً عن حزمة احترازية شاملة تهدف إلى ضمان استمرار النمو الوطني، وكأن شيئاً من حوله لم يحدث. ما قد يبدو في الظاهر إجراءات فنية تقليدية، هو في جوهره فلسفة اقتصادية متكاملة، وإعلان نضوج لدولة باتت تصمم أدواتها المالية لاستشراف المستقبل وتحصينه. البنوك لم تعد مجرد مؤسسات إقراض، بل خط دفاع أول عن الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
لفهم عمق هذه الخطوة، يجب أولاً استيعاب حجم القوة المؤسسية للإمارات. القطاع المصرفي الإماراتي يقف على أصول ضخمة تتجاوز قيمتها 5.4 تريليون درهم (1.4 تريليون دولار)، مع نسبة تغطية نقدية 119%، واحتياطيات تتجاوز تريليون درهم. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل وسادة أمان تمكّن المركزي من المناورة بثقة في أصعب الظروف.
الحزمة الجديدة تسمح للبنوك بالوصول الموسع للسيولة بالدرهم والدولار، وتتيح مؤقتاً استخدام 30% من الاحتياطي الإلزامي الذي كانت البنوك مجبرة على تجميده. هذا القرار يضخ عشرات المليارات في الشرايين المالية للدولة، والأهم من ضخ السيولة هو توقيتها والرسالة المصاحبة لها.
في علم الاقتصاد السلوكي، الركود لا يحدث فقط بسبب نقص المال، بل بسبب نقص الثقة. عندما يعلن المركزي عن تخفيف مصدات رأس المال وخفض نسب التمويل المستقر، فهو يرسل رسالة واضحة للسوق: «البنوك بخير، فلا داعي للذعر». هذا التوجيه المسبق يمنع ظاهرة «الهروب إلى الملاذات الآمنة»، ويضمن استمرار الإقراض، حماية الشركات الصغيرة، والحفاظ على الرواتب، ومنع الأزمة الإقليمية من التحول إلى ركود داخلي.
الأثر الأكثر وضوحاً على المواطنين يتعلق بالديون المتعثرة. في لحظات التوتر، تتعرض الأسر والشركات لضغوط مؤقتة في التدفقات النقدية قد تتحول إلى كوارث دائمة إذا ما تعاملت معها البنوك بصرامة تقليدية. هنا تمنح الحزمة البنوك مرونة لإعادة جدولة وتصنيف المديونيات دون تحويل الديون الجيدة مؤقتاً إلى ديون متعثرة، وهو بمثابة جسر للعملاء لعبور الأزمة بأمان.
هذا النهج يمثل تطبيقاً عملياً ل «المصدات المضادة للتقلبات الدورية» التي صممتها لجنة بازل للرقابة المصرفية، لكن الإمارات لا تطبقها فقط، بل تتقن فن توظيفها بذكاء شديد، محولة قيود الرقابة إلى أدوات تحفيزية للنشاط الاقتصادي.
الحزمة تعزز الثقة لدى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، وتؤكد أن النظام المالي قادر على مواجهة أي صدمة. الاستثمار في الإمارات اليوم يعني أماناً مالياً حتى في أصعب اللحظات الإقليمية، وهذا يعزز موقع الدولة كمركز مالي عالمي آمن.
الرسالة التي تبعثها الإمارات للعالم تتجاوز الاقتصاد. إنها رسالة سياسية: الاستقرار ليس شعاراً، بل برنامج عمل ممول بالكامل وجاهز للتنفيذ في أي لحظة. إنها تقول للمستثمر: «أموالك هنا في حضن دافئ، محمية برؤية استباقية»، وللمقيم: «استقرار معيشتك وحياتك أولوية وطنية»، ولمن يهدد: «اقتصادنا ليس هدفاً سهلاً، نحن مستعدون».
الأرقام وحدها لا تروي القصة. قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الكبرى تجعلها مرنة ومستعدة، لكن الأهم هو استخدام هذه الأدوات في الوقت المناسب وبالجرعة المناسبة. الإمارات تثبت أن الاقتصاد القوي ليس فقط من لا يتعثر، بل من يمتلك المرونة والرؤية لتحويل المحن إلى منح، واستخلاص القوة من قلب التحديات. بينما ترتفع الأصوات في المنطقة، تتحرك الإمارات بصمت وثقة، تعزز بنيتها، وتحمي شعبها، وترسل رسالة للجميع: نحن هنا، أقوى من أي تهديد وأكثر استعداداً من أي وقت مضى.
في قلب الصحراء الليبية، حيث تلتقي رياح التغيير بصراعات السياسة، يقف الاقتصاد الليبي في مفترق طرق حاسم. فنظام دعم المحروقات، الذي يشبه «بالوناً منفوخاً بلا صمام»، لا يعكس إلا حالة من الإنهاك الاقتصادي الذي يُستنزف فيه المال العام بينما يختنق سعر الصرف تحت وطأة التضخم والفساد.
التحديان الأساسيان اللذان يواجههما الاقتصاد الليبي -دعم الوقود غير المستدام واختلال سعر الصرف- باتا يشكلان دائرة مغلقة تهدد بالانفجار. وتزداد أهمية هذين التحديين في ظل اقتصاد ريعي هش يعتمد على النفط فقط.
كما أن العلاقة بين دعم المحروقات وسعر الصرف لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق المالي والسياسي، حيث تتحول السياسة النقدية، إلى مجرد رد فعل مضطرب لعوامل خارج السيطرة.
ومن خلال قراءة البيانات المتوفرة تكشف دراسة الواقع الليبي عن حلقة مفرغة تربط بين دعم المحروقات واختلال سعر الصرف. فمن جهة، يُستنزف ما يقارب 12 مليار دولار سنوياً من الخزانة العامة فقط في دعم الوقود، بحسب تقرير ديوان المحاسبة الليبي لعام 2022. وهو ما يضعف قدرة الدولة في الحفاظ على احتياطيات كافية من العملة الصعبة، ما يُلقي بظلاله على سعر صرف الدينار.
ومن جهة أخرى، فإن ضعف الدينار يؤدي إلى ارتفاع في تكاليف الاستيراد، حيث تعتمد ليبيا على الخارج لتأمين نحو 90% من احتياجاتها، وفق البنك الدولي. ويُلاحظ أن كل انخفاض بنسبة 10% في قيمة الدينار يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار العامة بنسبة تتراوح بين 6 إلى 8%، بحسب تقديرات مركز الدراسات الاقتصادية التابع للأكاديمية الليبية.
كما أن ملف تهريب المحروقات يزيد الطين بلة، إذ تُقدَّر خسائر الدولة منه بنحو 750 مليون دولار سنوياً. هذا التهريب لا يقتصر على استنزاف الوقود، بل يخلق ضغطاً على سوق العملة من خلال الطلب غير المشروع على الدولار، ما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.
أي اقتصاد طبيعي يُفترض أن يعكس سعر الصرف الوضع الإنتاجي للدولة. لكن في الحالة الليبية، لم يعد الدينار مرآة تعكس الأداء الاقتصادي، بل ضحية لأزمات مزمنة. وبدلاً من توجيه العائدات النفطية نحو الاستثمار في الإنتاج أو البنية التحتية، يتم صرفها على نفقات استهلاكية.
المصرف المركزي -رغم الانتقادات- لم يُمنح الأدوات الكافية لحماية العملة، وهذا ما يتجلى بوضوح من خلال المشهد العام. ففي ظل سياسات إنفاق غير منسقة، يصبح الدينار مكشوفاً أمام أي صدمة. وقد بدا أن التضارب بين السعر الرسمي والموازي للدولار لم يعد مسألة تقنية، بل يعكس وجود اقتصادين متوازيين.
وهنا، فإن من يتحمل العبء الحقيقي لهذه الفوضى هو المواطن العادي، الذي يدفع الثمن يومياً عند شراء الغذاء أو الدواء. ولا يرى حتى الآن سياسة اقتصادية شاملة تعيد للدينار عافيته. لأن أي معالجة لسعر الصرف يجب أن تكون جزءاً من إصلاحات أوسع تشمل الانضباط المالي، وتوحيد المؤسسات، وشفافية الإنفاق.
وبالتالي، لا بد أن تكون البداية بتعديل نظام الدعم، عبر التحول إلى الدعم النقدي الذكي الذي يمكن -بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي- أن يوفر نحو 4.8 مليار دولار سنوياً. كما أن تحرير أسعار الوقود تدريجياً بنسبة 50% سيكون خطوة واقعية، بشرط اتخاذ إجراءات موازية مثل تحسين المواصلات العامة وتشديد الرقابة على الحدود.
كما يمكن لتقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي إلى حدود 15%، وتخصيص جزء من الوفورات لدعم الاحتياطيات، أن يعيد بعض الثقة إلى العملة. ومن خلال متابعة نماذج دول أخرى، فإن إنشاء صندوق استقرار للسلع الأساسية وضبط الاستيراد للسلع الاستراتيجية سيكون له دور كبير في حماية الشرائح الضعيفة.
إن من شأن خفض دعم الوقود أن يزيد من حجم الاحتياطيات النقدية ويقلل الطلب غير المشروع على الدولار، الأمر الذي سينعكس إيجابياً على استقرار الأسعار والحد من التضخم المستورد. وبعد تنفيذ الإصلاحات خلال ثلاث سنوات، يمكن خفض التضخم من 12% إلى حدود 6–8%، وتقليص دعم المحروقات إلى 5 مليارات دولار، وزيادة الاحتياطيات النقدية من 70 إلى 85 مليار دولار.
لا بد لأي خطة جادة أن تشمل التنسيق الكامل بين المصرف المركزي ووزارة المالية، وربط تعديل الدعم بسياسة نقدية رشيدة. ويجب أيضاً خلق شبكة أمان اجتماعي حقيقية تستهدف الفئات الضعيفة من خلال تحويلات نقدية وسلة غذاء مدعومة، وكذلك دعم للوقود يُخصص فقط للقطاعات الإنتاجية. هذا مع ضرورة وجود نظام متابعة شهري لقياس الأثر الفعلي للتعديلات وتعديل المسار عند الحاجة.
هذه الرؤية المقترحة لا تقدم تصوراً فنياً فقط، بل تسعى لتقديم مدخل عملي لإنقاذ الاقتصاد الليبي من أزمته البنيوية. نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر استدامة وعدالة.
* أستاذ اقتصاد في جامعة بنغازي