الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أندرو موران
محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»
أحدث مقالات أندرو موران
18 مايو 2025
مفارقات الاقتصاد الأمريكي

أندرو موران *

تتدهور ثقة الشركات والمستهلكين، وتزداد احتمالات الركود، كما لم تتعافَ «وول ستريت» تماماً من خسائرها التي بلغت تريليونات الدولارات في الربع الأول. مع ذلك، وبينما يدق خبراء الاقتصاد ناقوس الخطر بشأن رسوم ترامب الجمركية، فإن الاقتصاد الأمريكي لا يزال مستقراً، مع ازدهار الاستثمار الخاص، وحصول الأمريكيين على وظائف أكثر من نظرائهم الأجانب. فهل هذه بداية ما يُسمى بالعصر الذهبي الجديد، أم مجرد خلل عابر؟
في إبريل، أضاف الاقتصاد الأمريكي 177 ألف وظيفة جديدة، بما فاق التوقعات البالغة 134 ألفاً. وعلى الرغم من أن القراءة هذه كانت أقل من 228 ألف وظيفة في الشهر السابق، إلا أنها أعلى من متوسط الأشهر الثلاثة الأخيرة، والبالغ 155 ألف وظيفة. واستقر أيضاً معدل البطالة عند 4.2%. كما ارتفع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 62.6%، وبلغ متوسط ساعات العمل الأسبوعية 34.3 ساعة، وهو رقم أعلى من المتوقع.
وتصدر قطاع الرعاية الصحية مكاسب التوظيف بإضافة 51 ألف وظيفة جديدة، تلاه قطاع النقل والتخزين (29 ألف وظيفة)، ثم قطاع الأنشطة المالية (14 ألف وظيفة)، فقطاع المساعدة الاجتماعية (8 آلاف وظيفة). في المقابل، انخفضت رواتب الحكومة الفيدرالية بمقدار 9 آلاف وظيفة، وفقد قطاع التصنيع 1000 وظيفة.
واستمرت المراجعات في تقرير مكتب إحصاءات العمل الصادر الشهر الماضي، حيث بلغ إجمالي الوظائف 58 ألف وظيفة في شهري فبراير ومارس. ومع ذلك، عوضت الاتجاهات الإيجابية هذه التعديلات، لا سيما بالمقارنة مع ما حدث في السنوات الأخيرة. فمثلاً، على مدى السنوات القليلة الماضية، أحدثت سياسات الحدود المفتوحة التي انتهجتها الإدارة السابقة فجوة بين العمال المولودين في الولايات المتحدة ونظرائهم المولودين في الخارج. وفي إبريل، زاد عدد العمال الأمريكيين العاملين بنحو 1.04 مليون عامل، مقابل انخفاض أولئك المولودين في الخارج بمقدار 410 آلاف شخص.
وأيضاً، ارتفع عدد الأشخاص الذين يعملون في وظيفتين أو أكثر بشكل حاد وسط التضخم الهائل الذي أعقب الجائحة. إلا أن هذا الاتجاه توقف الشهر الماضي، حيث انخفض بمقدار 76 ألف عامل. بالإضافة إلى ذلك، زاد عدد العاملين لحسابهم الخاص بنحو 200 ألف عامل وصولاً إلى 9.95 مليون.
في النهاية، كانت هناك بعض الأرقام المثيرة للقلق، مثل انخفاض متوسط الأجر في الساعة عن التوقعات، وزيادة إجمالي موظفي الحكومة بمقدار 10 آلاف شخص، لكن أحدث بيانات التوظيف من شأنها أن تهدئ مخاوف سوق العمل في الوقت الحالي.
في غضون ذلك، انكمش الاقتصاد الأمريكي بنسبة 0.3% في الربع الأول، ما يعني ثلاثة أشهر إضافية من النمو السلبي في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد القابعة أساساً في ركود تقني. وبالطبع، استلهم الرئيس دونالد ترامب نهج سلفه وأعاد تعريف المصطلح. ومع ذلك، فإن التعمق في تقرير الناتج المحلي الإجمالي الصادر عن مكتب التحليل الاقتصادي يشير إلى أنه لم يحن وقت الذعر بعد.
ورغم ارتفاع الواردات بنسبة 41%، إلا أن خصم حساباتها من الناتج المحلي الإجمالي كونها تمثل شراء سلع وخدمات غير مصنوعة في الولايات المتحدة، إضافة إلى انخفاض طفيف في الإنفاق الحكومي، أدى إلى انكماش هذا الناتج بنسبة 0.3%. في الوقت نفسه، قفز الاستثمار الخاص بنسبة 21%، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق، وظل الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي إيجابياً، كما نما صافي الصادرات بأكثر من 1%.
هذا بالضبط ما يرغب المحافظون في رؤيته. يأخذ الاستثمار الخاص في الحسبان إنفاق الشركات على المعدات، وتدعيم المخزونات، والبناء. وهذا غالباً ما يعكس التفاؤل المحيط بانخفاض تكاليف الطاقة، وتحرير الاقتصاد، وتخفيضات الضرائب. وعليه، فإن مساهمة الحكومة السلبية في الناتج المحلي الإجمالي تُعدّ بمثابة لمسة نهائية.
يجب ألا تغيب الحقيقة المذكورة أعلاه عن أذهاننا، مع التركيز على الإنفاق الحكومي. فالحكومات التي لا تُنتج شيئاً تكتسب قوتها الشرائية من خلال الوصول الخاضع للضريبة إلى ثروات من يُنتجون. ومع ذلك، فإن الرقم غير المُجدي، وهو الناتج المحلي الإجمالي، يتعزز في الواقع من خلال الإنفاق الحكومي.
بعبارة أخرى، يزداد الرقم الأكثر تداولاً في «الاقتصاد الكلي» كلما زاد إنفاق الحكومات للثروة المستخرجة من الإنتاج. وإذا تجاهلنا أن التخطيط المركزي للموارد المنتجة في القطاع الخاص هو، بطبيعته، غطاء مبلل يوضع على النمو الاقتصادي، فلا يمكننا تجاهل أن احتساب الإنفاق الحكومي بوصفه نمواً اقتصادياً هو ازدواجية في الحساب، كما لو أن النمو قد حدث بالفعل، ومن ثمّ الإنفاق الحكومي!
بالطبع، قد يتغير كل هذا في الأرباع القادمة إذا تُرجمت استطلاعات رأي الشركات والمستهلكين إلى تدهور في البيانات الاقتصادية الفعلية. وقد يكون البيت الأبيض متفائلاً بشأن آفاق الربع الثاني، حيث يُشير تقدير نموذج الناتج المحلي الإجمالي الحالي الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا إلى توسع يزيد عن 2%.

*محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»

13 أبريل 2025
شعب غاضب.. وسلّة تسوّقه أمريكية!

أندرو موران*

تشعر كندا باستياء وغضب شديدين من فرض الرئيس دونالد ترامب رسوماً جمركية على السيارات والصلب والألمنيوم. في الواقع، بلغ استياء الكنديين حدّ الانخراط في تظاهرات مُحتشدة، متعهدين بهزيمة سياسات ترامب الاقتصادية وألا يصبحوا الولاية الأمريكية ال 51. ولكن، بينما قد يظن الشمال أنه في حرب تجارية، فإن تصرفات الحكومة والشعب تشير إلى أنهم منخرطون في صراع وهمي.
ففي جميع أنحاء كندا وعلى منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، تشجع الشركات والمشاهير والمنظمات المستهلكين على شراء المنتجات المصنعة محلياً. وقد حققت هذه الحملات التسويقية نجاحاً معقولاً، حيث أظهر استطلاع رأي حديث أجرته مؤسسة «ليجير» أن ثلثي المستهلكين الكنديين يشترون كميات أقل من المنتجات الأمريكية، وأن 55% قلّصوا حجم مشترياتهم من أمازون. حتى أن رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو صرح بأنه سيستخدم كاتشب «فرينشز» بدلاً من «هاينز».
المثير في الأمر أنه خلال هذه الحملات، يصور المتسوقون أنفسهم وهم يقاطعون الشركات والبضائع الأمريكية دون أن يدركوا أنهم ما زالوا يشترون من الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، «فرينشز» نفسها، هي في الواقع علامة تجارية أمريكية مملوكة لشركة ماكورميك! صحيح أن الطماطم تُزرع في كندا، لكن أصل هذه الشركة هو الولايات المتحدة.
وأيضاً، نشر أشخاص على منصة «ريديت» صوراً وهم يتناولون آيس كريم «تشابمانز»، وهو من المنتجات الأساسية التي يفضلها الكنديون. ربما لا يدرك هؤلاء أن الشركة تعتمد على موردين أمريكيين في توفير المكونات الرئيسية لمنتجاتها.
مثال آخر، يرتشف كثير من الكنديين، وغيرهم، مشروب المياه الغازية الشهير «بوبلي». ورغم أن المغني مايكل بوبلي روج لهذا المشروب، إلا أنه مملوك في الواقع لشركة «بيبسيكو» الأمريكية، وهذا هو الأهم.
هل شاهدت مؤخراً مباراة فريق تورنتو بلو جايز للبيسبول، حين هتف المشجعون باسم كندا كثيراً، وأطلقوا صيحات الاستهجان للنشيد الوطني الأمريكي؟ على الرغم من غضب سكان تورنتو بشأن تبجح جارتهم، إلا أنهم كانوا سعداء جداً بحضور مباراة دوري البيسبول الرئيسي للمحترفين المملوك أصلاً للولايات المتحدة!
في غضون ذلك، أعادت المقاهي المستقلة تسمية قهوة أمريكانو الشهيرة إلى «كاناديانو». وهذا يرجع بنا إلى بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عندما غيّر المحافظون تسمية البطاطس المقلية من «فرينش فرايز» إلى «بطاطس الحرية» «فريدوم فرايز»، احتجاجاً على رفض فرنسا المشاركة في حرب العراق الكارثية. كان هذا مُحرجاً قبل عقدين من الزمن، ولا يزال مُحرجاً الآن.
لنكن صريحين، أمريكا الشمالية متكاملة تجارياً بعمق، ويصعب العثور على منتجات، سواءً كانت مواد خام أو معدات، أمريكية أو كندية خالصة بنسبة 100%. والمقاطعة ستفتح أمام كندا أبواباً جديدة من الشكاوى والاحتجاجات الشعبية، من أسعار المنازل القياسية، إلى الرعاية الصحية المُزرية، والفرق الرياضية المتواضعة.
والمضحك في الأمر هو أن الكنديين أعربوا عن غضبهم من الرسوم الجمركية الأمريكية، لكنهم التزموا الصمت حيال فرض الصين رسوماً مشابهة بنسبة 100% على منتجات زراعية كندية محددة، وأخرى بنسبة 25% على المنتجات البحرية وغيرها.
أقرّ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بوجود حلول للخلاف التجاري الذي أججه ترامب. والفكرة الرئيسية تطبيق رسوم جمركية انتقامية، وهي خطوة حظيت بتأييد واسع من جميع الأطياف السياسية - باستثناء حزب الشعب الكندي. وفي أعقاب يوم التحرير، استخدم الزعيم الليبرالي لهجة أكثر عدائية حين قال: «إذا لم تعد الولايات المتحدة ترغب في القيادة، فستفعل كندا ذلك. لقد حان الوقت لإعادة التفاوض على علاقتنا معها».
حتى الآن، كان اقتراح كارني المعقول الوحيد هو إزالة الحواجز التجارية بين المقاطعات. وهذا من شأنه أن يدفعنا إلى التساؤل: لماذا توجد قيود تجارية داخلية أساساً على التجارة الحرة بين المقاطعات الكندية؟ ويؤجج سؤالاً آخر، إذا كانت التعريفات الجمركية سيئة عندما تطبقها أمريكا، فلماذا تكون جيدة عندما تطبقها دولة أخرى؟
حقيقة، لا تستطيع كندا تحمل عبء حرب تجارية. خصوصاً أن اقتصادها، والكثير من الأسواق المتقدمة والنامية حول العالم، ظلّ متعثراً على مدى السنوات القليلة الماضية، متجنباً الركود بصعوبة بالغة مع كل ربع سنة يمر. كما أرهقت تكاليف المعيشة الأسر، وأصابت ضريبة الكربون الشركات في مقتل، ولم تحقق الميزانية التوازن المطلوب.
في المقابل، تتمتع الولايات المتحدة برفاهية متنوعة، بدءاً من كونها أكبر اقتصاد وسوق عالميين، وصولاً إلى امتلاكها عملة الاحتياطي الدولية. لذلك، يمكنها تحمل وتجاوز موجة من الإجراءات الانتقامية. وعليه، سيحتاج كارني إلى بذل المزيد من الجهود البنّاءة، متجاوزاً أسلوب «العين بالعين» في فرض تعريفات جمركية مضادة. ولكنّ اقتراب موعد الانتخابات يفسّر بوضوح سبب تظاهر رئيس الوزراء الكندي بالقوة.
*محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»

4 فبراير 2025
التيسير المبكر ومخاوف التضخم

أندرو موران*

تشير جميع المؤشرات الرائدة، سواء بيانات التضخم الرئيسية أو النقاط الدقيقة في التقارير الشهرية، إلى أن الاحتياطي الفيدرالي بدأ دورة التيسير النقدي العام الماضي وخفّض الفائدة قبل الأوان.
وكشف ملخص التوقعات الاقتصادية الخاص بشهر ديسمبر/كانون الأول للفيدرالي عن موقفه المتشدد، والذي من المتوقع أن يسحب الزناد في عام 2025 لخفضين آخرين لأسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، كما أكد رئيس المركزي جيروم باول أن التحول في النبرة كان مدفوعاً في المقام الأول بمخاطر التضخم. وأشار ملخص اجتماعات السياسة إلى القلق بشأن تهديدات التضخم الحالية، والتغييرات المقترحة من قبل الإدارة فيما يخص ملفي الهجرة والتعريفات الجمركية.
وعلى الرغم من أن ترامب قد حدد الخطوط العريضة لسياساته العامة، فإن مساعيه ليست ثابتة. لذلك، تضاربت الأمور بشكل جعل من الصعب صياغة التوقعات أو تصميم السياسة النقدية. في الوقت الحالي، لا يستطيع مراقبو السوق سوى تصفح البيانات واكتشاف عودة التضخم.
وكما أشارت تقارير سابقة متعددة، ارتفعت جميع مؤشرات التضخم الرئيسية (أسعار المستهلكين والمنتجين والإنفاق الاستهلاكي الشخصي) منذ أطلق الفيدرالي دورة خفض أسعار الفائدة. ومن المتوقع أيضاً أن ترتفع المجموعة التالية من القراءات أكثر، وفقاً لنموذج التنبؤ بالتضخم للبنك.
وقد استعرض خبراء الاقتصاد تقريرين آخرين بارزين واكتشفوا نفس الاتجاه، وهو تجدد الضغوط التضخمية. فقد نشر معهد إدارة التوريد الأمريكي مؤخراً بياناته الشهرية للتصنيع والخدمات، وخلص مؤلفو الدراسة إلى أن ضغوط الأسعار ارتفعت في ديسمبر/كانون الأول، وتوسعت أسعار التصنيع للشهر الحادي عشر هذا العام، في حين ارتفعت أسعار الخدمات بشكل كبير وبأعلى وتيرة منذ يناير/كانون الثاني 2024.
لقد غذت الأرقام الساخنة صعود عائدات سندات الخزانة الأمريكية، حيث تستهدف عوائد 10 سنوات 5%، وعوائد 20 و30 عاماً أكثر من 5%. كما ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي، وهو مقياس للدولار مقابل سلة مرجحة من ست عملات، وهبطت الأسهم الأمريكية بشكل أسرع، وارتفعت أسعار المعادن والطاقة.
ولنتذكر هنا أن الاحتياطي الفيدرالي صرف نظره عن التضخم للتركيز على جانب التشغيل الأقصى من تفويضه المزدوج، معتقداً أن السلطات النقدية كانت في متناول استعادة هدف المؤسسة البالغ 2%. وهذا يُفقد الثقة في قدرات التنبؤ لدى المركزي، خاصة مع ارتفاع المعروض النقدي بشكل صارخ شهرياً في عام 2024.
لذا، وبينما تتوقع مجموعة من خبراء الاقتصاد ارتفاع التضخم في هذا العام، لا يزال المركزي الأمريكي واثقاً من أن التضخم يتراجع بشكل مستدام إلى هدف ال 2%. بالطبع، يمكن للمسؤولين تأييد هذا المفهوم كلما كان ذلك مناسباً لرواية معينة.
لقد أعرب كيفن وارش، محافظ الفيدرالي السابق وخليفة جيروم باول المحتمل، عن دهشته عندما نفذ الأخير خفضاً ضخماً لأسعار الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية في سبتمبر/أيلول. وقال لشبكة «سي إن بي سي»: «يبدو أن البنك ليست لديه نظرية جادة للتضخم». والواقع أنه كما لاحظ وارش، فقد غيّر الفيدرالي على مدى السنوات القليلة الماضية المقاييس التي يركز عليها لتحديد أداء التضخم وكيف يمكنه توجيه جهود صنع السياسات.
في المقابل، دافع المسؤولون عن استهداف التضخم المتوسط المرن، وأشادوا بفعالية بيانات الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي التي تقترب من 3%، مع إزالة فئات الطاقة والغذاء المتقلبة من المعادلة. وبعد جائحة فيروس كورونا، ركز الفيدرالي على فئة جديدة تسمى التضخم الفائق القياسي، أي الخدمات باستثناء الإسكان. وهذا في نطاق 4% إلى 5%. وكانت الأجور تُعد مقياساً للتضخم، حيث دعم صناع السياسات نمواً بنسبة 3%، وهي الآن عند نحو 4%.
ويعتقد الفيدرالي أن السياسة مقيدة بما يكفي لتضييق الخناق على التضخم دون التسبب في ركود. ومع ذلك، إذا كان الماضي مرآة للمستقبل، فقد يكون المركزي قد ارتكب خطأً عندما خفض أسعار الفائدة. وتدل البيانات على أن مؤشر أسعار المستهلكين يعكس اتجاهات آخر حلقة تضخم رئيسية من الستينات إلى الثمانينات.
وسط التقديرات الأخيرة بأن سوق العمل في الولايات المتحدة يتحضر لمراجعات هبوطية كبيرة، والتعريفات الجمركية ستؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار لمرة واحدة. في حين سيظل السبب الدائم للتضخم مرتبطاً بالإنفاق الحكومي وطباعة الأموال من قبل «الفيدرالي».
*محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»

2 فبراير 2025
الدولار.. وشعلة التضخم

أندرو موران *

كان الدولار الأمريكي على وشك إنهاء العام الماضي على أسوأ حال، ومواصلة دوامة الهبوط نحو السنة الجديدة. ولكن هذا لم يحدث، على الأقل حتى الآن. والواقع، أن الدولار يبلغ اليوم أفضل مستوياته في عامين، وهو العملة الأعلى أداء بين أي اقتصاد متقدم في العالم. صحيح أن الدولار فقد معظم قيمته على مدار القرن الماضي، لكن الأسواق المالية العالمية منتشية بشأنه، لأن العملات في أماكن أخرى غالباً ما تقدم القليل جداً من الآفاق للمستقبل.
لقد كان أداء مؤشر الدولار، وهو مقياس للعملة الأمريكية مقابل سلة مرجحة من ست عملات يهيمن عليها الين الياباني واليورو، رائعاً العام المنصرم. حيث ارتفع بنسبة 6.5% إلى 108.53، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2022.
ولم يكن من المفترض أن يحدث هذا. فقبيل موعد اجتماع السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر/أيلول، انخفض مؤشر الدولار الأمريكي، وبدا وكأنه على استعداد للهبوط إلى ما دون 100.
وذكرت تقارير صحفية أن بدء الفيدرالي لدورة التيسير بخفض سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة مئوية أدى إلى استنتاجات مختلفة في السوق الأوسع، ما يشير إلى أن المتداولين كانوا يترقبون بحذر ما يجري داخل أروقة مبنى «إكليس».
في المقابل، ارتفعت عائدات الخزانة إلى مستويات لم نشهدها منذ الربيع. فقد صعد العائد القياسي لعشر سنوات بنحو 1% على مدى الأشهر الثلاثة الماضية. ولكن إذا استمرت الاتجاهات الصعودية، فربما تلامس سندات الحكومة الأمريكية لأجل 20 و30 عاماً مستويات قياسية جديدة عند 5%. وهذا يؤثر سلباً في الكثير من الأطراف، وخاصة المقترضين، مثل الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان، مع مواصلة تكاليف خدمة الديون الأمريكية نموها.
في الواقع، اتبع الدولار الأمريكي نفس المسار الصعودي، الأمر الذي أدى إلى نتائج مختلطة للاقتصاد الأوسع نطاقاً. صحيح أنه خبر طيب للمستوردين، لأنه يزيد من قدرتهم الشرائية، لكنه لا يُعد تطوراً محموداً لإدارة قادمة تريد تعزيز الصادرات. وبما أن قوة الدولار تحافظ على قبضتها على الأسواق المالية العالمية، فما الذي قد يدفع أي شخص إلى التخلي عن أصل جيد مثل الذهب الآن؟
وعلى الرغم من أن ريادة بنك الاحتياطي الفيدرالي للسوق تشكل حالة مؤثرة بالفعل، فإن هناك عاملاً يلوح في الأفق: الحالة المزرية للعملات في جميع أنحاء العالم. فقد هبطت الروبية الهندية مؤخراً إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق مقابل الدولار الأمريكي. وانخفض الدولار الكندي بنسبة 8% مقابل الدولار الأمريكي. وكان الين الياباني على وشك الخروج عن السيطرة في الصيف الماضي قبل تدخل بنك البلاد المركزي، على الرغم من أنه لا يزال ينخفض بنسبة 9% مقابل الدولار. بدوره، لم يكتف اليوان الصيني بالانخفاض بنسبة 2% مقابل الدولار فحسب، بل إن عملة ثاني أكبر اقتصاد في العالم عرضة للتلاعب. وعليه، أين يمكن ببساطة وبدقة أن يضع المستثمرون أموالهم؟
وفي شق متصل، هل شاهدتم سعر الكاكاو مؤخراً؟ يا له من عام رائع بالنسبة لثاني أفضل أنواع الحبوب في العالم (بعد القهوة بالطبع). فقد ارتفعت العقود الآجلة للكاكاو بنسبة 175% في عام 2024، مسجلة أعلى مستوى قياسي عند نحو 13000 دولار للطن المتري في بورصة العقود الآجلة الأمريكية «آي سي إي».
وقد غذت هذه الزيادة المخاوف بشأن العرض في غرب إفريقيا. كما كانت مزيجاً من الظروف الجوية السيئة، والأشجار المعمرة، وأسعار الأسمدة المرتفعة للغاية، أضف إليها البنية التحتية المتهالكة. وحتى مع ارتفاع التكاليف، ظل الطلب سليماً نسبياً، على الرغم من تحذير الشركات من أن شهية المستهلكين للحلويات قد تآكلت وستعدل مكوناتها.
خلال الصيف، أشارت الأسواق إلى أن الغوث قادم إلى مناطق الزراعة الرئيسية في غانا وساحل العاج. ومع ذلك، في الأسابيع الأخيرة من العام، استعادت أسعار الكاكاو الزخم بسرعة، وحامت حول 12000 دولار للطن المتري. ومع ذلك، لم تتسرب حتى الآن أسعار الكاكاو المرتفعة إلى سوق الشوكولاتة الأوسع، لكن من غير الواضح إلى متى سيستمر هذا.
في شق متصل، تدور أحدث مناقشة في عالم الاقتصاد حول ما إذا كان التضخم العنيف سيعاود الظهور مجدداً، في وقت تشير فيه كل الدلائل إلى ذلك. حيث ارتفعت مقاييس التضخم المركزية، مؤشر أسعار المستهلكين والمنتجين ومؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي المفضل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، منذ خفض البنك أسعار الفائدة، وتشير التقديرات الأولية إلى أنها سترتفع مرة أخرى هذا الشهر. لقد ارتفع المعروض النقدي كل شهر في عام 2024، وأصبحت الظروف المالية هي الأكثر مرونة منذ ما قبل دورة التشديد الكمي للبنك المركزي، ولم يُظهر الإنفاق الحكومي ولا العجز والديون أي علامات على التقييد.
ومثل المراجعات الهبوطية شبه المضمونة لمجموعة من بيانات التوظيف، من المرجح أن يتحمل ترامب اللوم عن أي تجدد لشعلة التضخم.
*محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»

28 يوليو 2024
احتياجات الطاقة في التكنولوجيا

أندرو موران*

من الواضح أن العالم وقع في حب الاحتمالات اللامتناهية المحيطة بالذكاء الاصطناعي، والتي يمكن أن تبني حضارات أو تهدمها. ولكن، بينما تتبنى الشركات والمستهلكون التقنيات الحديثة، فإن مستويات استهلاك الطاقة باتت موضع تركيز أكبر، ولن تكون طواحين الهواء المهترئة، ولا الألواح الشمسية كافية لتشغيل الثورة التكنولوجية المقبلة.

وسواء كان الذكاء الاصطناعي أو العملات المشفرة، فإن موجة التكنولوجيا الجديدة ستتطلب مراكز بيانات ضخمة وقدراً كبيراً من الطاقة.

في يناير/كانون الثاني، ذكرت وكالة الطاقة الدولية أن عملية بحث واحدة على «غوغل» تتطلب 0.3 وات في الساعة من الكهرباء، وأن مراكز البيانات ستمثل ما يقرب من 4% من استخدام الطاقة العالمي بحلول عام 2026.

وقدرت الوكالة أيضاً أن سؤال «تشات جي بي تي» يستنزف 2.9 وات في الساعة من الكهرباء، ولو انخرط روبوت الدردشة في نحو تسعة مليارات عملية بحث أو سؤال يومياً، فإن كمية الكهرباء المستهلكة تعادل استخدام 1.5 مليون مقيم في الاتحاد الأوروبي.

ولاحظت شركة أبحاث أشباه الموصلات «تيك إنسايتس» أن شرائح الذكاء الاصطناعي ستمثل 1.5% من استهلاك الطاقة العالمي على مدى السنوات الخمس المقبلة. فيما قالت شركة «هاغينغ فيس» المتخصصة بالمصادر المفتوحة، إن نظام الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتص حوالي 33 مرة طاقة أكثر من الآلات التي تعمل ببرامج محددة المهمة.

بدوره، أفاد معهد أبحاث الطاقة الكهربائية في واشنطن أن المحاور الرقمية ستستنزف ما يصل إلى 9.1% من الكهرباء المنزلية بحلول عام 2030، و2.9 وات في الساعة لكل طلب من تشات جي بي تي. لذا، فمن المتوقع أن تتطلب استعلامات الذكاء الاصطناعي 10 أضعاف الكهرباء المطلوبة لبحوث غوغل التقليدية. كما أشار تقرير آخر إلى أن الذكاء الاصطناعي يستهلك ما يصل إلى 3.2 غالون من الماء لكل كيلووات في الساعة من الطاقة في مراكز البيانات العالمية لشركة «مايكروسوفت».

ورغم تعهد قطاع التكنولوجيا على مدى العقد الماضي بتقليص انبعاثاته الكربونية، أكدت غوغل، في أعقاب طفرة الذكاء الاصطناعي، أن الانبعاثات ارتفعت بنسبة 48% خلال خمس سنوات فقط، مقابل 30% في مايكروسوفت منذ عام 2020.

في غضون ذلك، طرح الديمقراطيون قانون التأثيرات البيئية الخاصة بالذكاء الاصطناعي لعام 2024، والذي يوجه المعايير والتكنولوجيا لقياس والإبلاغ عن مجموعة واسعة من التأثيرات البيئية للذكاء الاصطناعي. وسيثبّت الاتحاد الأوروبي إطار عمل جديد العام المقبل، يفرض على «أنظمة الذكاء الاصطناعي عالية المخاطر» الإبلاغ عن أحجام استهلاكها للطاقة والموارد.

وقال السيناتور الديمقراطي إد ماركي: «إن قانون التأثيرات البيئية للذكاء الاصطناعي من شأنه أن يضع معايير واضحة ونماذج إعداد التقارير الطوعية لقياس تأثير الذكاء الاصطناعي في بيئتنا».

موضحاً بأنه لا يمكن أن يأتي تطوير الجيل القادم من أدوات الذكاء الاصطناعي على حساب صحة كوكبنا.

ولكن بينما يحاول العالم تمويل التحول إلى الطاقة الخضراء الذي تبلغ تكلفته تريليونات الدولارات، يبقى السؤال المطروح: هل تكفي الألواح الشمسية وطواحين الهواء وعنفات المياه لتشغيل الذكاء الاصطناعي؟

ستتطلب شبكة الكهرباء في أمريكا تحولاً هائلاً لتغذية النمو في مراكز البيانات التي أقيمت على مستوى البلاد، وسط الجهود المبذولة من مصادر الطاقة المتجددة لتلبية الطلب الحالي. ويشير الخبراء إلى أن هذا قد يمثل فرصة استثنائية لتنامي استهلاك النفط الخام والغاز الطبيعي. وفي الربيع الماضي، لاحظ فيل فلين، استراتيجي الطاقة في مجموعة «برايس فيوتشرز»، أن النفط والغاز سيلعبان دوراً متكاملاً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي وبطرق مختلفة. فمن إنتاجهما بطرق أنظف، إلى تعزيز الكفاءة في تحديد مواقع الوقود الأحفوري، من الواضح أن النفط والغاز الطبيعي سيكونان ضروريين لسنوات قادمة.

وبالفعل، استخدمت صناعة النفط والغاز في الولايات المتحدة برامج كمبيوتر مكثفة لرسم خرائط للخزانات الجوفية يمكن للذكاء الاصطناعي المساهمة في حفرها بطرق محسنة، والحصول على أقصى قدر من النفط بأقل انبعاثات كربونية ممكنة. وفي مايو/أيار، توقع بنك «غولدمان ساكس» أن يوفر الغاز الطبيعي 60% من نمو الطلب على الطاقة من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وتوقع بنك «ويلز فارغو» أن يرتفع الطلب على الغاز الطبيعي بمقدار عشرة مليارات قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030. وتعتقد شركة الأبحاث «ثاندر إنيرجي» أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف 8% إلى الطلب على الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة في خمس سنوات.

إلى ذلك، أثبتت السلع الأساسية الأخرى ضروريتها للحفاظ على استمرارية تشغيل الذكاء الاصطناعي على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع. وقد أخرت احتياجات الذكاء الاصطناعي تقاعد العديد من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم. كما أن النحاس، بالغ الأهمية لمنشآت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ضروري أيضاً لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

لقد أمطرت الحكومة الأمريكية الشركات المحلية والأجنبية بمئات المليارات من الدولارات في شكل إعانات سخية. فماذا قدم دافعو الضرائب مقابل ذلك؟ في الحقيقة ليس الكثير. إذ يتجنب المستهلكون المركبات الكهربائية، ومن الصعب العثور على محطات شحن عامة، وتعطلت الوظائف في قطاع التصنيع، وتراجع توليد طاقة الرياح.

والواقع أن قطاع النفط والغاز يزدهر على الرغم من سياسات الطاقة التي تنتهجها الإدارة الحالية. وتنتج الصناعة نحو 13 مليون برميل من النفط، و100 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يومياً. وكالعادة، من المرجح أن ينقذ الوقود الأحفوري العالم، ويضمن للجمهور مزيداً من مقاطع الفيديو بواسطة الذكاء الاصطناعي.

*محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»

26 يونيو 2024
الهجرة وأزمة الإسكان

أندرو موران *

لسنين طويلة وحتى يومنا هذا، والنقاش حول كلفة الهجرة الجماعية على دافعي الضرائب الأمريكيين محتدم.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قدّرت لجنة القضاء العليا واللجنة الفرعية المعنية بسلامة الهجرة والأمن وإنفاذ القانون، مجموع ما أنفقته الحكومات الفيدرالية في الولايات المتحدة بنحو 151 مليار دولار على الأجانب غير الشرعيين من المهاجرين في عام 2023، سواء عبر مدفوعات الرعاية الاجتماعية أو تكاليف مراكز الحجز والسجون.

وفي ظل مواجهة الاقتصاد الأمريكي لوابل من التحديات الاقتصادية، يسلط الخبراء الضوء على مدى تأثير الهجرة الجماعية على قضايا مفصلية، كنقص الغذاء، وأزمة الإسكان، وسوق العمل في الولايات المتحدة. وهي حقيقة غير مريحة لا ترغب وسائل الإعلام المعروفة سماعها أو نقلها للجمهور.

لقد بدأ حلم الأمريكي بامتلاك مسكن خاص، أو العثور على شقة للإيجار لا تستهلك أكثر من 30% من دخله، يتلاشى.

وفي العام الماضي، تم تصنيف 16% فقط من قوائم المساكن على أنها «ميسورة الكلفة» بسبب ندرة العرض وزيادة الطلب، ما فرض منافسة شديدة في سوق الإسكان.

في مقابلة حديثة مع صحيفة «تليغراف»، اعترف رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس نيل كاشكاري، بأن الزيادة الكبيرة في معدلات الهجرة أرست ضغوطاً هائلة على قطاع الإسكان، خاصة بعد سنوات من البناء الشحيح للوحدات السكنية. وقال للصحيفة البريطانية: «بعد الأزمة المالية الكبرى، خفت وتيرة بناء المساكن في سائر الولايات المتحدة، وأصبح هناك نقص في المعروض».

وتابع: «ثم جاء الطلب المتزايد على الإسكان بعد «كوفيد-19»، حيث يعمل مزيد من الناس عن بُعد. ومن المفروض أن يخص هذا السكان الحاليين فقط. ولكن في السنوات القليلة الماضية، شهدنا ارتفاعاً كبيراً في الهجرة، ومن الواضح أنهم يحتاجون إلى مكان للعيش فيه، ما فاقم أزمة الطلب أكثر».

في غضون ذلك، تشير تقديرات الصناعة إلى أن البلاد ستحتاج إلى نحو ستة ملايين وحدة سكنية جديدة لاستعادة بعض مظاهر القدرة على تحمل التكاليف. وهو هدف من غير المؤكد تحقيقه، حسب المعطيات الحالية والبيانات المختلطة. ونتيجة لهذا، من المرجح استمرار مخزونات العرض الضيقة في المستقبل المنظور، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف المدخلات لبناء مساكن جديدة بنسبة 30% في السنوات الثلاث الماضية.

وكان «غولدمان ساكس» قد أشار العام الماضي إلى أن التعافي بعد الأزمة في الهجرة، والذي دعم النمو السكاني، ساهم برفع الطلب على الإسكان والحد من انخفاض أسعار المساكن. وأوضح خبراء في وحدة «بلومبيرغ إيكونوميكس» مؤخراً، أن نقص المساكن والضغوط المرتبطة بتكاليف المعيشة تشكل عاملاً مشتركاً في الاقتصادات المتقدمة التي شهدت ركوداً في نصيب الفرد.

وبينما أثرت الهجرة الجماعية على الإسكان الميسور الكلفة، أدت أيضاً إلى تفاقم أوضاع مراكز الإيواء في المدن الحضرية الكبرى، مثل نيويورك إلى شيكاغو وغيرها ممن تؤوي عشرات الآلاف من المشردين، وتشهد الآن تدفقاً للمهاجرين.

وقد فرضت الزيادة الهائلة في أعداد هؤلاء ضغوطاً إضافية على الأنظمة المحلية التي أصبحت مرهقة بالفعل إلى أقصى حد. وفي نهاية المطاف، تتنافس الأسر الأمريكية والمشردون على المساكن الآمنة مع المهاجرين غير الشرعيين.

وفي السياق ذاته، أفادت «ليبرتي نايشن» عن فجوة البيانات الحاصلة في الوظائف الشهرية بين العمال المولودين في الولايات المتحدة وخارجها. وفي حين كانت هناك تقلبات هائلة في تقرير الرواتب غير الزراعية، يمكن الاستنتاج أن الأجانب تمتعوا بنمو مثير للإعجاب في التوظيف، متجاوزين المواطنين الأمريكيين.

وقد لفت هذا انتباه مجموعات أخرى، بما في ذلك مركز دراسات الهجرة، الذي ذكر أن عدد الأمريكيين المولودين في الولايات المتحدة، وعملوا في الربع الرابع من عام 2023، كان أقل بنحو 183 ألف شخص مقارنة بالربع الرابع من عام 2019، أي قبل «كوفيد-19». في حين ارتفع عدد المهاجرين (الشرعيين وغير الشرعيين) العاملين بنحو 2.9 مليون شخص مقارنة بعام 2019.

في المقابل، يرى البعض أن المهاجرين غير المسجلين قادرون على العمل في أماكن وقطاعات لا يعمل بها الأمريكيون. وهو ما صرح به النائب جيري نادلر، في وقت سابق من هذا العام. كما اعترف خبراء اقتصاديون ومنظمات أخرى، بأن تدفق المهاجرين ساعد على إبقاء التضخم تحت السيطرة، ومنع الأسعار من الارتفاع أكثر، وسمح لسوق العمل الأمريكي بالازدهار بعد نهاية الجائحة.

ووسط كل ذلك، ترى الولايات المتحدة نفسها عالقة بين مجموعة متناقضة من التحديات. فمن ناحية، قد تؤدي أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن وتباطؤ سوق العمل إلى تعزيز الاستياء بين عامة الناس، الأمر الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية على الساسة الذين يؤيدون فتح الحدود. ومن ناحية أخرى، تحتاج الحكومات الفيدرالية إلى المزيد من الهيئات لتمويل الاستحقاقات، وسد العجز الهائل في الميزانية، وتوليد المزيد من الأصوات في صناديق الاقتراع.

كل ذلك، ووسائل الإعلام اليسارية لا تتناول بالتفصيل مدى الضرر الذي تلحقه الهجرة الجماعية غير الشرعية بالأسرة الأمريكية النموذجية، مقللة من حجم الأزمة إلى حد بعيد.

* محرر الاقتصاد في «ليبرتي نايشن»