د. خالد واصف الوزني *
يقف الاقتصاد العالمي اليوم على مفترق طريق مهم بين الدورات الاقتصادية، فهو بين الخروج من مطرقة تبعات الهزات الارتدادية لجائحة كورونا (كوفيد-19)، وسندان تبعات التأثر بمجريات الحرب المستمرة منذ نحو عامين بين روسيا وأوكرانيا. بيد أنَّ الواضح من خلال تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في أكتوبر/ تشرين أول المنصرم عن صندوق النقد الدولي، أنَّ العام 2024 قد يكون عام الاتزان وتحقيق نوع من التوازن العام، قبل الانطلاق نحو إقلاع ناعم وسلس، وقد يكون بطيئاً، في دورة اقتصادية جديدة من التعافي تبدأ خلال العام 2025، بحيث تكون الأعوام الخمسة الأخيرة من العقد الحالي أكثر إيجابية مما شهده العالم طوال عقد ونصف تقريباً عقب الأزمة المالية العالمية الأخيرة.
ومع ذلك فإنَّ التوقعات على المستوى العالمي، في المدى القريب أو المتوسط، ما زالت تشير إلى صعوبات كبيرة في تحقيق نمو اقتصادي حقيقي بمستويات ما قبل الجائحة، بل إنَّ المستوى المتوقَّع للنمو الحقيقي في العام 2024 هو أقل مما تمّ تحقيقه في العام الحالي. كما تشير التوقعات بوجود تحديات حقيقية في ضبط معدلات التضخم، وإن كانت التنبؤات الأولية تشير إلى تراجع معدلات التضخم في أوروبا وأمريكا، ولكن بنسب أقل ممّا هو مستهدف.
وتظهر التوقعات العالمية أنَّ ضبط إيقاع التضخم، وإعادة توجيهه نحو النِّسب المستهدفة، لن يكون قبل العام 2025. إلا أنَّ الاتجاهات العالمية، بافتراض غياب أحداث عالمية غير متوقعة، أو كما يُقال في علم الاقتصاد «مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة»، تؤكّد توقُّف البنوك المركزية عن أيِّ زيادات إضافية في أسعار الفائدة خلال العام 2024، بعد استنزاف زيادات وصلت إلى 13 مرة، ما يعطي بريق أمل نحو تحريك عجلة الاستثمار من جهة، وتخفيف عبء خدمة الدَّين عالمياً من جهة ثانية. ولعلَّ السياسة النقدية تستطيع أن تبدأ بالعودة إلى التوازن والاستقرار خلال العام 2024، مما يسمح لها بتخفيف حدة السياسات الانكماشية التي تمَّ اللجوء إليها لمواجهة الضغوط التضخُّمية العنيفة التي شهدها العالم عقب الجائحة، وشكَّلت ضغوطاً كبيرة على أسعار صرف العملات الأجنبية، وخاصة الدولار واليورو.
وبينما انخفض متوسط معدلات التضخم خلال العام 2023 إلى نحو 8.7%، يتوقَّع أن يواصل انخفاضه إلى ما دون 6% خلال العام المقبل، كما أنَّ التحديات التي واجهتها بعض البنوك الأمريكية، والسويسرية، والألمانية، باتت وراء ظهر الجهات الرقابية النقدية في تلك الدول، وحول العالم. ومن الواضح أنَّ أكبر التحديات التي سيواجهها العالم بشكل عام، والدول النامية ومنخفضة الدخل، بشكل خاص، هي عبء المديونية العامة وخدمة الدين، ما يتطلَّب من الدائنين اتخاذ إجراءات نوعية نحو تخفيض عبء تكلفة القروض من جهة، والبحث عن سبل غير تقليدية، لسداد بعض المديونيات، من جهة أخرى.
وقد يكون بعض هذه السُّبل عبر مبادلة الديون بالاستثمارات، أو عبر جدولة طويلة الأمد، يتخللها بيع بعض المديونيات بخصومات جوهرية، خاصة في الدول التي يتوقَّع لها أن تحقِّق معدلات نمو ونتائج إيجابية مع نهاية العقد الحالي. توقُّعات صندوق النقد الدولي تشير إلى أنَّ العام 2024 سيشهد انخفاضاً طفيفاً في النمو الحقيقي على المستوى العالمي، ليصل إلى نحو 2.9%، مقابل 3% للعام الحالي.
وتأثرت تلك التقديرات باستمرار تواضع ما تحقِّقه الاقتصادات المتقدمة من معدلات نمو منذ العام الحالي، والتي انخفضت فيه تلك المعدلات إلى نحو 1.5%، مقابل 2.6 خلال العام 2022، ويُتوقَّع ألا يتجاوز النمو في الدول المتقدمة خلال العام 2024 عن 1.4%، في حين تشهد الاقتصاد الناشئة والنامية معدلات نمو ثابتة بين العام الحالي والمقبل وبمعدل 4%، وهو أقل بشكل طفيف عن 2022، بيد أنه يقل بنسبة 50% عمّا كان يتم تحقيقه في تلك الاقتصادات ما قبل الجائحة. ولعلَّ تأثر الصين بأزمة قطاع العقارات، هو أحد أهم أسباب عدم تحقيق نتائج ملموسة في النمو الحقيقي لدى هذه الاقتصادات، إذ يُتوقَّع أن ينخفض النمو في الصين من 5% في العام الحالي إلى 4.2% في العام المقبل، ما يترك أثراً كبيراً في العديد من الاقتصادات الناشئة.
يُذكَر أنَّ الاقتصاد الهندي، الذي يُتوقَّع له أن يقفز إلى المرتبة العالمية الثالثة قبل نهاية العقد الحالي، سيحقِّق أكبر معدلات النمو العالمية في العام 2024، بنسبة تصل إلى 6.3%، وهي نسبة مستقرة مقارنة بالعام 2023. ومن المتوقَّع أن تُسجِّل كلٌّ من اليابان وروسيا أقلَّ معدلات نمو اقتصادي للعام 2024، بنسبة تتراوح حول 1% فقط، مقارنة بنحو 2% في العام 2023.
أمّا على مستوى منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا، فإنَّ التوقعات للعام 2024 تشير إلى تحقيق معدلات نمو تصل إلى نحو 3.4%، وهو تقدُّم ملحوظ مقارنة بنحو 2% فقط للعام 2023، وإن كان يقلُّ عن المعدلات السابقة لما قبل الجائحة، بل ولما تمَّ تحقيقه عام 2022. وتبقى القارة الأوروبية الأقل حظاً في تحقيق معدلات نمو حقيقية، حيث لن تتجاوز معدلات النمو فيها 1.2%.
وعلى مستوى المديونية العامة العالمية، أشارت التقارير إلى استمرار تفاقم أوضاع تلك المديونية العامة، التي وصلت إلى نحو 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، متجاوزة مبلغ 97 تريليون دولار في العام 2023، وقد شكَّلت دول شمال أمريكا النسبة الأكبر من تلك المديونية، تليها مجموعة دول آسيا باسيفك، ثمَّ الدول الأوروبية، ومجموعة دول أمريكا الجنوبية، والمجموعة الإفريقية. في هذا السياق، تشير الإحصاءات العالمية إلى أنَّ أكثر الحكومات العالمية مديونية هي اليابان بنسبة 255% من الناتج المحلي الإجمالي، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 123%. إلا أنَّ الأخيرة هي أكثر دول العالم استحواذاً على الديون، حيث تصل نسبة ما اقترضته من الرصيد العالمي للديون العامة إلى 34%، بحجم مديونية حكومية يتجاوز 33 تريليون دولار. وبالتأكيد فإنَّ مديونية الأفراد والمؤسَّسات الخاصة والمستقلة حول العالم تتجاوز رقم المديونية الحكومية بنحو الضِّعف.
ختاماً، يعدُّ العام 2024 عاماً شبه مكرَّر عن العام 2023، ما لم يواجه العالمَ أيُّ أحداث عالمية غير متوقعة. بيد أنه عام يمكن تسميته ب «عام إعادة التوازن النسبي». والأمل في أن تبدأ دورة اقتصادية جديدة، وإن كان بشكل متباطئ، مع بداية العام 2025.
* أستاذ السياسات العامة المشارك لكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
د. خالد واصف الوزني *
إرهاصات وتطورات النظام العالمي الجديد لم تتوقف عند التكتلات الاقتصادية الجديدة، أو عند البحث عن أنظمة مالية وعملات جديدة؛ بل تعدّته نحو استحداث نظام في سوق العمل يقوم على تطوير علاقة تعاقدية جديدة بين المُشغّل والمُشتغِل، وهو ما بات يُعرَف اليوم باقتصاد الوظائف الحرة Gig Economy، وقد ظهر مصطلح الوظائف الحرة أو المؤقتة مفهوماً اقتصادياً في منتصف القرن المنصرم في بريطانيا، كما عُرِفَ أيضاً باقتصاد الوظائف المؤقتة، أو الوظائف تحت الطلب، ما يعني الجاهزية لتقديم عمل ما وقت الطلب، دون الحاجة إلى تعاقد رسمي طويل الأمد، ودون الالتزام بمتطلبات العمل الرسمية، من ساعات عمل، وأوقات دوام، ومتطلبات إضافية في مجال التأمين الصحي، والتأمينات الاجتماعية، أو الإجازات السنوية المدفوعة، أو أي نفقات أخرى تفرضها متطلبات التعاقد وفق قوانين العمل السارية في معظم دول العالم اليوم. ومنذ ذلك الوقت فقد انتشر مفهوم العمل الحر، أو المؤقت، ضمن مجموعة من الوظائف التي يؤديها العامل، المُستخدَم، بتعاقد شخصي مؤقت، ولا تشكّل علاقة عمل رسمية مع الجهة التي يؤديها لها.
وقد يُشار إليها بالعمل الحر أحياناً، أو ما يُعرَف اصطلاحاً باللغة الإنجليزية Freelance، وهي وظائف يُعرَف عنها أنها مهام قصيرة الأمد تتم على مشاريع محددة، وقد لا تتطلّب تعاقداً رسمياً، كما يمكن للشخص الذي يقوم بها أن يكون مرتبطاً بأكثر من عمل مع أكثر من جهة، كما أن كثيراً من تلك الوظائف تعتمد على العمل عن بُعد وعبر منصات رقمية، وكثيراً ما يؤدي هذه الوظائف شخص في دولة أخرى تبعد آلاف الأميال عن موقع العمل الحقيقي. وقد أضحت هذه الوظائف اليوم تشكّل نحو 37% من القوة العاملة في الولايات المتحدة، وبحجم يتجاوز 70 مليون وظيفة، وتتوقع الدراسات، أن تصل الوظائف الحرة في أمريكيا إلى ما يزيد على 90 مليون وظيفة بحلول عام 2028.
ومن الواضح اليوم، وفي أعقاب جائحة كورنا (كوفيد-19) أن ظاهرة الأعمال الحرة Freelance Jobs، انتشرت في القارة الأوروبية العجوز، لتشكّل نحو 30% من القوة العاملة هناك أو ما يزيد على 100 مليون وظيفة في الوقت الراهن، وقد أسهمت الجائحة في تسهيل انتشار مفهوم الوظائف الحرة والمؤقتة، والعمل عن بُعد، حتى باتت تنمو بنسبة كبيرة، تتجاوز 15% سنوياً في الولايات المتحدة، وتشير الإحصاءات العالمية إلى أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت نمواً في حجم المشاركين في الوظائف الحرة أو المؤقتة بنحو 513% في اليابان، في حين وصلت تلك الزيادة نحو 329% في إسبانيا و300% في بريطانيا.
وقد أسهمت تلك الوظائف، بحسب بعض الدراسات، في توليد ما يقرب من 204 مليارات دولار من الدخل في أمريكا خلال عام 2018، جاء أكثر من نصفها من قطاع النقل، وخاصة ما يُعرَف بقطاع النقل عبر التطبيقات الذكية. ومن المتوقّع أن تصل تلك المساهمة إلى نحو نصف تريليون دولار في العام الحالي. وأكدت تلك الدراسات أن قطاع الشباب ضمن الشريحة العمرية (18-34) هم الأكثر مساهمة في اقتصاد الوظائف الحرة، وبنسبة تتجاوز 38%، كما تسهم الإناث بنحو 48% من القوة العاملة في قطاعات اقتصاد الوظائف المؤقتة، وقد أظهرت نتائج أحد الاستبيانات العالمية أن التوظيف المؤقّت شمل نحو 33% في مجال تقنيات المعلومات، و25% في اللوجستيات، و15% في مجالات البحث والتطوير والتسويق؛ بل إن دراسة حديثة أظهرت في استبيان على العاملين في الوظائف الحرة والمؤقتة، أن 80% منهم يعتقدون بأن تلك الوظائف تساعد بشكل أكبر على خَلْق التوازن المطلوب بين الحياة العملية والاجتماعية.
بيد أن الوظائف في سوق العمل الحر المؤقّت تواجه العديد من التحديات، ولعل أهمها الاستقرار الوظيفي، وعدم كفاية الدخل أحياناً، أو عدم استدامته، كما يواجه العمل المؤقت الحر تخوّفاً من أصحاب العمل من جودة العمل، ومدى التزام العامل به، وأخيراً وليس آخراً هناك تحدي عدم القدرة على متابعة العمل والسيطرة أو الرقابة على مخرجاته، خاصة عندما يكون التعاقد عن بُعد.
الشاهد ممّا سبق أن المنطقة العربية، كغيرها من مناطق العالم، تواجه تحدياً كبيراً في شأن البطالة، وخاصة شريحة الشباب، التي يتجاوز متوسطها في هذه الشريحة ربع القوة العاملة العربية، حسب بعض التقديرات، ما يعني أن مفهوم العمل الحر والمؤقّت قد يكون هو المخرج الرئيسي في توظيف ملايين الشباب من الجنسين في مهام ووظائف ومشاريع محلية أو عبر الحدود من خلال العمل عن بُعد، تساعدهم على توفير دخل مناسب من جهة، وتؤدي إلى تحريك المشاريع القائمة أو المستقبلية بكُلَفٍ مناسبة دون أعباء مالية وإدارية كبيرة من جهة أخرى؛
بل إن مجتمع الشباب، الذي يُشكّل نحو 60% من سكان المنطقة العربية، يمكنه أن يكون الطاقة البشرية القادرة على العمل عن بُعد في شتى مشاريع ودول العالم، دون الحاجة إلى الانتقال الجسدي من مكان إلى آخر، فالعالم اليوم يتحوّل من مفهوم المواطن العالمي Global Citizen، إلى مفهوم العامل العالمي Global Employee، وهو ما يتطلّب من ذلك العامل مجموعة من المهارات التي يجب أن تساعده دوله للحصول عليها؛ لكي يتمكّن من اقتناص أكبر قدر ممكن من العمل الحر، والمشاريع تحت الطلب، ولعل من أهم تلك المهارات القدرات الرقمية، والتمكّن من لغة أجنبية، أهمها اللغة الإنجليزية، ومهارات الاتصال والتواصل، وما يعنيه ذلك من قدرات في مجال التحليل والإبداع.
ويشير أحدث تقرير لوظائف المستقبل للمنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أنه بحلول عام 2027 ستختفي نحو 85 مليون وظيفة، وتظهر نحو 69 مليون وظيفة جديدة جميعها تتطلب المهارات المشار إليها، ذلك أنها تدور في فضاء مجال البيانات الكبرى، والتكنولوجيا الخضراء، والأمن السيبراني، وتقنيات الزراعة، وتكنولوجيا التطبيقات الذكية، وتقنيات الاستدامة والبيئة الخضراء. وختاماً، فإن الجهات المسؤولة عن الموارد البشرية في المنطقة العربية مطالبة بأن تقوم بدروها المحوري نحو تمكين الشباب العربي بالمهارات المطلوبة؛ لأن العالم لم يعد يهمه الشهادات التي يحملها الشباب بقدر اهتمامه بالمهارات الثلاث المشار إليها سابقاً، وسيكون الفرق بين مهندس وآخر، أو طبيب وآخر، أو محامٍ وآخر، أو محلل مالي أو اقتصادي أو إداري وآخر في المهارات التي يمتلكها في مجالات الرقمنة واللغات، ومهارات الاتصال والإبداع والابتكار، وليس الشهادة العليا مهما كان مصدرها.
تمكين الشباب من تلك المهارات، من قِبَل المدارس والجامعات ومؤسسات التأهيل المختلفة، هو مفتاح إدماجهم الحقيقي قوةً منتجة وفاعلة في أي مجتمع، ولعل سوق العمل الحر هو أحد مسارات ذلك الإدماج، كما قد يتطلب ذلك مبادرات على المستوى الوطني لكل دولة تكون موجهة نحو توفير غطاء من التأمين الصحي، والتأمينات الاجتماعية، وحتى تأمين البطالة، وذلك عبر تشجيع شركات التأمين المحلية والعالمية على تقديم غطاء متكامل للموظفين في الوظائف الحرة والمؤقتة يساعد على توفير خدمات تأمين صحي، وتأمين الرواتب التقاعدية المستقبلية، ورواتب تأمين العجز الكلي أو الجزئي، وتأمين البطالة إن لزم.
* أستاذ السياسات العامة المشارك في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
د. خالد واصف الوزني *
يرزح الاقتصاد العالمي، خصوصاً في الدول المتقدمة، تحت وطأة حالة من الركود التضخمي امتدت بشكل واضح على مدى السنوات الثلاث الفائتة، متأثرة بداية بتبعات جائحة كورونا، ثمَّ بنشوء الحرب في أوكرانيا، ومعزّزة بسياسات نقدية انكماشية عبر قنوات رفع أسعار الفائدة اثنتي عشرة مرة. ويأتي ذلك في الوقت الذي بدأت فيه الثورة الصناعية الرابعة تتحوَّر في شكل جديد يحكمه فضاء التقنيات العالمية، التي يتوِّجها الذكاء الاصطناعي، ومتسلحة بممكِّنات من البيانات الكبرى، وفضاء إنترنت الأشياء، وعالم الميتافيرس.
في ظل ذلك كله، واجهت الدول التي تُعرَف بدول العالم المتقدم، حالةً من عدم الاستقرار الذي يتكون من التقلُّب السريع، وعدم اليقين، والتعقيد، أي ما بات يُعرَف عالمياً بحالة «الفوكا VUCA». بيد أنَّ الفرصة باتت مواتية اليوم أمام دول الاقتصادات الناشئة، الرشيقة وسريعة النمو والتأقلم، والدول الساعية للتطور على الساحة العالمية، أن تستغلَّ الفرصة وتنطلق عبر «هيبرلوب» الذكاء الاصطناعي لتتسنم مقدمة الاقتصاد العالمي؛ تجارة، وإنتاجية، وحضوراً عالمياً في مجال عالم الابتكار والإبداع والاستشراف المستقبلي. ذلك أنَّ ممكِّنات الوصول إلى ذلك متوافرة، بل وفي متناول الجميع.
إنَّ تقدُّم الدول خلال العقدين المقبلين، سيكون بشكل واضح في يد الدول التي تتبنّى ممكِّنات الذكاء الاصطناعي، عبر غزو الفضاء، وتكوين والتمكّن من السحابات الفضائية للمعلومات، والعمل في مجال هندسة البيانات، واحتضان المبدعين والمبتكرين.
بات عالم الذكاء الاصطناعي أحدَ أهمِّ محدّدات تحقيق أهداف علم الاقتصاد، بما يعنيه ذلك من الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة لتحقيق أعظم قدر ممكن من المنافع والعوائد للفاعلين الاقتصاديين، منتجين ومستهلكين وحكومات. فاليوم تشير الدراسات إلى أنَّه سبيل لتحقيق منافع اقتصادية عدة لمكوِّنات الاقتصاد الثلاثة، بيد أنَّ أهم المنافع والعوائد تتمثَّل في دور هذا الذكاء وقدرته على تحسين مستوى إنتاجية وتطوير كفاءة عناصر الإنتاج، من تنظيم، وعمل، ورأس مال مادي، وأرض بمكوناتها المعدنية، والزراعية والعضوية. وما يعنيه ذلك من رفع لمستوى مهارات الإنتاج السلعي والخدمي، وتسهيل مهمة صنّاع القرار، وتطوير قدراتها في ترشيد القرار وتحسين حاكميته.
ولعلَّ ما يعزِّز ذلك كله، بعض الإحصاءات الحديثة التي تقول مثلاً إنَّ مساهمة مكوِّنات الذكاء الاصطناعي سوف تتجاوز 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 2030، أي إنَّ استخداماته في مجالات العمل والإنتاج المختلفة، ستسهم بما يزيد على 15 تريليون دولار بحلول 2030.
كما تشير بعض الدراسات إلى أنَّ الذكاء الاصطناعي سيساعد على رفع كفاءة وإنتاجية نحو 40% من القوى العاملة خلال السنوات العشر المقبلة. أمّا في القطاع الصناعي، فإنَّ المتوقع أن يؤدي إلى زيادة الإنتاجية الكلية 30%، ما يعني تحسُّن مستوى القيمة المضافة المحلية بهذه النسبة أيضاً. وسيساهم الذكاء الاصطناعي بنمو حقيقي في بعض الدول المتقدمة، بما يزيد على 1.2%، وهي نسبة تكاد تساوي أو تزيد على ما تحققه تلك الدول حالياً.
وأخيراً وليس آخراً، فمن المتوقَّع أن يوفِّر الذكاء الاصطناعي زيادة تتجاوز 34% في إيرادات القطاع المالي، ويؤدي إلى فتح وظائف جديدة في القطاع تصل نسبتها نحو 14% عمَّا هو الوضع الحالي. وهكذا، فإنَّ التنافسية العالمية في المستقبل ستتمحور حول قدرات الدول على تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي في المحاور الاثني عشر لتلك التنافسية، خصوصاً ما يتعلَّق بالمكوّنات الرئيسية لمحاور المؤسَّسية، وتقنيات المعلومات والاتصالات، والتعليم والمهارات، والصحة، وكفاءة سوق العمل، وديناميكية الأعمال، وسعة الابتكار، وهذا أيضاً ينطبق، بدرجة أقل، على محاور البنية التحتية، والاستقرار الاقتصادي، والنظام المالي، وحجم السوق. بل يمكن القول إنَّ محور الاستقرار الاقتصادي وتنافسيته، سيعتمد بشكل أساسي على قدرة الدول على تبنّي متطلبات الذكاء الاصطناعي في قطاعات الاقتصاد كافَّة. وفي هذا السياق، تعدُّ الإمارات، التي باتت تُنافس ضمن المراكز العشرة الأوائل في تقارير التنافسية العالمية، من أكثر دول العالم ريادة في مجال استخدامات الذكاء الاصطناعي، حيث أطلقت، عام 2017، استراتيجية خاصة به وباستخداماته في القطاعات الاقتصادية المختلفة، مستهدفة أن تتبوَّأ المركز الأول عالمياً في استثمار مجالات وسبل هذا الذكاء في القطاعات الحيوية، وأطلقت أيضاً العديد من المبادرات لاحتضان المبدعين والمفكرين والرياديين في مجالاته المختلفة، على مستوى العالم، وسعت إلى إيجاد مئة تطبيق واستخدام عالمي في مجالات خدمة لروّاد الأعمال، والمبدعين، والقادمين الجدَّد إلى سوق العمل، والطلبة والخريّجين، ما يعني تأهيل شريحة كبيرة من مستخدمي ومطورِّي برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي للانطلاق من منصات الدولة، ولتكون بذلك صاحبة السبق والريادة العالمية في مجالات تطوير هذه الاستخدامات، وتسعى الحكومة إلى أن يكون هذا الذكاء ضمن ممكِّنات تنويع القاعدة الاقتصادية لدولة الإمارات، وبحيث تكون الاستخدامات بما يوازي خُمس الناتج المحلي الإجمالي للدولة بحلول عام 2025، أي ما يقرب من 118 مليار دولار، وهو ما يجعلها الدولة الأولى في العالم في مجال دور الذكاء الاصطناعي في الناتج المحلي الإجمالي، حيث يتوقع أن يصل ذلك على مستوى العالم الى 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين من المتوقَّع أن يتجاوز 20% في الإمارات، وهي بذلك ستكون الدولة الأكثر تطوُّراً، والعاصمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
* أستاذ السياسات العامة المشارك - كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية