صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ديفيد فيكلنج
محرر مختص في قضايا السلع الاستراتيجية
أحدث مقالات ديفيد فيكلنج
26 مايو 2024
متى تفطم اليابان نفسها عن الفحم؟

ديفيد فيكلينغ *

أظهرت بيانات حكومية أن استهلاك الفحم في المملكة المتحدة، مهد الثورة الصناعية، انخفض العام الماضي إلى أقل من 10% من مستوياته قبل عقد من الزمن، متراجعاً بنحو الثلث أيضاً على أساس سنوي في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط. وفي إبريل/نيسان الماضي، انخفضت الطاقة الأحفورية ككل إلى 2.4% من توليد الكهرباء في البلاد، حسبما ذكر موقع «كاربون بريف» الإخباري.

وفي الولايات المتحدة، تراجع استخدام الفحم بنسبة 17% في 2023، مع توقعات بمزيد من الانخفاض يصل إلى 12% بحلول العام المقبل. أما في الاتحاد الأوروبي، فقد بلغ الانخفاض في توليد الطاقة من الفحم 26% العام الماضي.

ووسط كل هذه الصورة المشرقة للدول والاقتصادات المتقدمة، هناك استثناء واحد ملحوظ، وهو اليابان. ففي اجتماعهم الأخير في تورينو، وعد وزراء مجموعة السبع بالتخلص التدريجي من توليد الطاقة بالفحم بحلول عام 2035، وهو الهدف الذي ربما كان خيالياً قبل عقد من الزمن، ويبدو الآن بمتناول الجميع تقريباً. لكن اليابان لم تتمكن من التوقيع على البيان إلا من خلال تقديم الأعذار غير المبررة والمراوغة للتغطية على غياب أي استراتيجية جادة لفطم نفسها عن الوقود الأحفوري.

في السابق، لم تتضمن بيانات مجموعة السبع سوى إشارات غامضة نحو «قطاع طاقة خالٍ من الكربون بحلول عام 2035»، دون تحديد مواعيد نهائية صارمة للتخلص التدريجي من الفحم. ومع تسبب مصادر الطاقة المتجددة الرخيصة، وخصوصاً الغاز في الولايات المتحدة، في إزالة المزيد والمزيد من الكربون من مزيج الطاقة، ارتفعت الطموحات.

ومن المقرر أن توقف المملكة المتحدة تشغيل آخر محطات التوليد بالفحم في أكتوبر/تشرين الأول، ومن المقرر أيضاً أن يتم إيقاف تشغيل المحطتين الأخيرتين في فرنسا في نفس الوقت تقريباً، على أن تحذو إيطاليا حذوهما العام المقبل.

وبينما حددت كندا هدفها في 2030، يتعين على ألمانيا إغلاق محطات الفحم لديها بحلول عام 2038، وهي تأمل في تقديم ذلك الموعد إلى عام 2030. في المقابل، حددت وكالة حماية البيئة الأمريكية مؤخراً قواعد جديدة تُلزم من خلالها أي محطات كهرباء عاملة بالفحم تخطط لاستمرار أعمالها بعد عام 2039 بالتقاط 90% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2032.

ومع ذلك، يبدو أن اليابان تعيش في كوكب مختلف تماماً، إذ لا تزال تبارك افتتاح محطات جديدة. ففي يوكوسوكا، جنوب طوكيو، افتتحت شركة «جيرا»، أكبر منتج للطاقة في البلاد، وحدتين بقدرة 650 ميغاوات في يونيو/حزيران من العام الماضي. وفي ماتسوشيما، بالقرب من ناغازاكي، من المقرر أن تبدأ شركة تطوير الطاقة الكهربائية في وقت لاحق من هذا العام تجديد أحد مصانعها للعمل باستخدام الفحم المتحول إلى غاز، وهي تكنولوجيا لا تُبشر إلا بتخفيضات هامشية في الانبعاثات.

وبموجب خطة الطاقة الاستراتيجية للبلاد، سيظل الفحم يمثل نحو 19% من قدرات توليد الطاقة في عام 2030، ما ينتج عنه انبعاثات تعادل تلك الصادرة عن الأرجنتين أو الفلبين أو غرب إفريقيا بأكملها. ومع ذلك، قد تكون النسبة أقل من الرقم الفعلي إلى حد كبير، في ظل افتراضات تدور حول قدرة طوكيو على إعادة تشغيل المولدات النووية التي أغلقت بعد تسونامي توهوكو عام 2011، فضلاً عن النمو السريع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية والمائية والطاقة الحرارية الأرضية.

إذن، عندما تكون اليابان جادة بشأن سياستها في مجال الطاقة، فعليها وضع خطط حازمة، كما حدث في سعيها الأخير لحمل مستوردي الغاز الطبيعي المسال على التوقيع على اتفاقيات توريد تستمر لعقود من الزمن. ومع غياب مثل هذه العقود التي تناسب احتياجات البلاد المزعومة لتخزين الكربون وشراء الهيدروجين، تتكشف ورقة التوت الخاصة بسياسة التخلص التدريجي من الفحم.

وهذا فشل ليس فقط من حيث المناخ، بل أيضاً من حيث الأمن والاقتصاد الأساسيين. ففي وقت حيث يؤدي ضعف الين إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وإثارة التكهنات بأن الحكومة تتدخل في أسواق العملة، فإن الوقود الأحفوري لا يزال يمثل ما بين ربع إلى ثلث إجمالي فاتورة الواردات.

لطالما كان اعتماد اليابان على النفط والغاز والفحم المستورد مبعث قلق وطني لأكثر من قرن من الزمان، ولا تزال الحكومة تتعقبه من خلال تحليل نسبة الاكتفاء الذاتي الضئيلة من الطاقة في البلاد. ومع ترنح الدول الآسيوية على حافة الاضطرابات البحرية في المياه التي يمر عبرها ما يقرب من 85% من إمدادات الطاقة في اليابان، فقد أصبح الأمر أكثر خطورة من أي وقت مضى.

وحتى أستراليا تتجه نحو التخلص التدريجي من الفحم بحلول عام 2038. وعندما يحدث ذلك فإن اليابان ستجد نفسها، جنباً إلى جنب مع جارتيها تايوان وكوريا الجنوبية، بوصفها واحدة من الدول الغنية الوحيدة التي لا تزال تحرق الوقود الأكثر قذارة. وهذا ما سيؤدي إلى إفقار شعبها، ويخاطر بأمنها ويضر بالمناخ. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعد لتغيير المسار.

* كاتب عمود متخصص بتغير المناخ والطاقة «تايبيه تايمز»

22 يناير 2021
مسؤوليات الصين البيئية

ديفيد فيكلنج *

على الرغم من كل النشوة التي استقبل العالم بها إعلان الرئيس الصيني شي جين بينج في سبتمبر/أيلول حول بلوغ الصين ذروة انبعاثات الكربون بحلول عام 2030، ثم خفضها إلى الصفر عام 2060، فإن الوعود المحيطة بتنفيذ هذا الإعلان محفوفة بالمخاطر.

ويمكن ببساطة معرفة الأسباب من خلال تحليل الخطاب الذي ألقاه شي بينج أمام القمة العالمية حول طموحات المناخ في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي. فبينما كرر الرئيس وعوده السابقة وعززها ببعض التعهدات الإضافية، اختزل النقطة الأكثر أهمية وهي مدى استعداد الصين للتخلص من نفث الكربون في نظام الطاقة.

 لا شك أن ما تقوم به بكين للحد من تلوث الكربون في عام 2021 وعلى مدى العقد المقبل مهم أكثر من أي دولة أخرى. فهي مسؤولة عن نسبة 29% من انبعاثات الاحتباس الحراري في العالم، أي ضعف حصة الولايات المتحدة وثلاثة أضعاف حصة الاتحاد الأوروبي. وكان يُنظر إليها في السابق على أنها دولة نامية منخفضة التلوث نسبياً، لكنها الآن تتفوق على أوروبا في نصيب الفرد من الانبعاثات أيضاً.

 وفي حين تتراجع نسب تلوث الكربون في الولايات المتحدة وأوروبا ​​بنحو 16% و 22% على التوالي، قياساً على الذروة المسجلة في علم 2005، أي ما يعادل نحو 1.55 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، ارتفعت حصيلة التلوث في الصين بنسبة 36%، إلى 2.45 مليار طن، أي ما يعادل تقريباً إجمالي انبعاثات الكربون في الهند.

 ويكمن الخطر في أن الإجراءات التي يتم اتخاذها اليوم لتعزيز النمو الاقتصادي الصيني ستكون لها تداعيات بعيدة في المستقبل.

 ويوحي خطاب شي بينج الأخير بأن تلك المصالح تعمل بالفعل على إعادة ترتيب الأولويات. فقد قال إن القدرة المركبة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح سترتفع إلى ما لا يقل عن 1200 جيجاوات بحلول عام 2030، مقارنة ب 440 جيجاوات في الوقت الحالي.

والصين أكبر مطور للطاقة المتجددة في العالم. ومع ذلك، فإن الوتيرة المخطط لها أقل بكثير من التوقعات بنحو 115 جيجاوات سنوياً مما هو مطلوب من هيئات صناعة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في الصين. وإذا حققت الصين أهدافها الاقتصادية، فإن وتيرة الانتشار البطيئة هذه ستعني أن الانبعاثات من محطات الطاقة الأحفورية ستستمر في النمو.

وحتى إذا انتهى الأمر بالصين إلى تجاوز رقم 1200 جيجاوات، فإن رسالة الرئيس شي بينج، مفادها بأن بلاده مستعدة لكل الاحتمالات حتى تلك التي تتعلق بالأضرار المالية والإنتاجية، ناهيك عن أضرار تلوث البيئة ومنعكساتها على صحة مواطنيها، في حال تباطؤ وتيرة مشاريع الطاقة المتجددة ودعم محطات التوليد التقليدية لضمان تجنب العجز.

وسيكون التأثير على الكوكب مدمراً. فقد تسببت الزيادة في إنتاج المعادن لانتشال الصين من الركود الناجم عن فيروس كورونا، في أن تصل الانبعاثات إلى مستوى قياسي في الربع الثالث من هذا العام وألغيت الخطط طويلة الأمد لخفض طاقة إنتاج الفولاذ. وربما يكون عام 2021 مختلفاً، لكن بشرط التزام الحكومة الصينية بتنفيذ وعودها.

وقد شملت الوعود الأربعة إنتاج 1200 جيجاوات من طاقة الرياح والطاقة الشمسية بحلول عام 2030؛ وزيادة حجم غابات الصين، وهو هدف تم تحقيقه بنسبة 85%؛ والحد من كثافة الكربون الناتج عن دعم النمو الاقتصادي بنسبة 65%؛ ورفع حصة الوقود غير الأحفوري إلى 25% من مصادر الطاقة. فهل تلتزم بتحقيقها؟

* محرر مختص في قضايا السلع الاستراتيجية. «بلومبيرج»