19 ديسمبر 2024
«فتنة الربض».. رواية تمدّ شرايينها إلى قلوبنا
انتهيتُ للتوّ من قراءتي الثالثة لرواية «فتنة الربض» للروائي الموريتاني محمد ولد محمد سالم، والتي تناول فيها حدثاً تاريخياً، لم يكن يسكن ذاكرتنا الجمعية بفعل ازدحامها بانطباعاتٍ مفعمة بمشاعر الدهشة والتَوق والحنين لقرون الحكم العربي الإسلامي في الأندلس.
وقد أخذتني الرواية في رحلة، اختلط فيها القديم بالحديث، والبساطة بالتعقيد وازدحمت فيها الأسماء والوقائع وصارت بوابات الدخول إلى عوالمها توصد أحياناً وتنفتح أحياناً أخرى، أمام إحالات تقنية ومفاهيمية متشابكة.
لقد كانت ذاكرتي الأندلسية مسكونة بعشق التاريخ العربي الإسلامي وتجليات آدابه فصار «مدخل الحمراء» مدخلًا لفيض الماء النازل من تلال غرناطة، قبل أن ينبهر واشنطن إيرفنغ بالمدينة وقصرها الأموي الشامخ، لتتحول روايته «الحمراء» إلى دَفَقٍ يشكّل لنا، نحن الذين درسنا الآداب الغربية، نهراً آخر يوازي نهر نزار قباني المنساب على أكتاف دليلته الأندلسية.
لقد بدأ محمد ولد محمد سالم، مثلما فعل جون ستاينبيك في رواية «اللؤلؤة»، بمقدمةٍ قصيرة تنقل القارئ من لحظته الراهنة إلى سرديات القصة، لتتلاشى الحدود بين الواقع والمتخيل، وصار ينتقل بنا من زمنٍ من أزمنة السرد الآخر متمترساً بومضات جيمس جويس الشاردة من هنا والعائدة من هناك.
إن «فتنة الربض» روايةٌ تحمل التاريخ على متنها، وتقدم لنا مفردات تتشابك مع انتسابها للحظات الزمن الذي مضى، لكنها تمدّ شرايينها إلى قلوبنا التي الْتاعَتْ حينما صارت بغداد قرطبةً أخرى، ودعوني أقول إن هذه الرواية عصيةٌ على التصنيف، هل هي رواية تاريخية، تدوّن وتسجّل، أم إبداعٌ من إبداعات المتخيّل؟.
وزاد من حيرتي أنني لم أستطع التخلص من أسْر الإهداء الذي دوّنه المؤلف قبل مدخل الرواية: «إلى كل من يحلم بغدٍ أفضل للإنسان، ويسعى قدر جهده، ليكون ذلك الحلم حقيقة»، لأجد ذلك الحلم يتوارى في صفحة الرواية الأخيرة حينما تسمّر الراوي خارج الأرباض يرنو ببصره إلى قرطبة التي كانت «باهتةً هامدة،...، لم تكن قرطبة الضاجة بالحياة..لم تكن قرطبة الناعمة الجميلة كأنها عروس تتهادي بين الحرير والديباج... لم تكن قرطبة التي عرفتها مضيئة حية فرحة، يسري فيها لحن الحياة كما كانت تسري اللحون في عروقي وتنزل إلى يديّ.. إنها جثة هامدة دنستها أقدام الصقالبة، والأنذال وأراذل الرجال الذين استجلبوا من كل مكان ليُستعاض بهم عن أهلها الذين ألِفوها وألِفَتْهم...» ثم يطلق الراوي رصاصة الرحمة على الأمل المعقود في إهدائه، وعلى ذاكرتنا:
«ماتت قرطبة.. انتهى أمرها.. ماتت في نفسي، في تلك الساعة.. نزلت من عيني دمعة واحدة غسّلتها بها وكفّنتها وصليت عليها ودفنتها، ثم لوّحت لها بيدي مودعاً إلى غير رجعة».