صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
كارلو إنفرنيزي أكيتي
أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة مدينة نيويورك
أحدث مقالات كارلو إنفرنيزي أكيتي
12 فبراير 2021
دراجي.. هل ينقذ إيطاليا؟

كارلو إنفرنيزي أكيتي*

استقبل المراقبون الدوليون الأنباء التي تفيد بأن ماريو دراجي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي الذي حصل يوم الأربعاء على تفويض لتشكيل الحكومة الإيطالية المقبلة، بالارتياح والسرور. ويُنسب إلى دراجي الفضل  على نطاق واسع  في إنقاذ اليورو في أعقاب أزمة الديون السيادية 2011-2012 بخطابه الشهير «كل ما يتطلبه الأمر»، حيث يُنظر إليه على أنه يد أمينة لتوجيه بلاده المضطربة، من خلال الصحة العامة،والأزمات السياسية والاقتصادية التي تواجهها.

ومع ذلك، فإن ترشيح دراجي يبشر بضعف شديد بالنسبة لمستقبل إيطاليا. وتمثل قوته الحديثة هزيمة سياسية لكامل الطبقة السياسية في إيطاليا تقريباً، مع استثناء واحد ملحوظ وخطر.

الخاسر الأكثر وضوحاً هو أكبر حزب منفرد في البرلمان الإيطالي «حركة النجوم الخمس» (M5S). فقد قفز الحزب في الأصل إلى الصدارة الوطنية كرد فعل ضد الحكومة التكنوقراطية المدعومة من الاتحاد الأوروبي برئاسة رئيس الوزراء ماريو مونتي، بينما كان دراجي لا يزال يُدير سحره في البنك المركزي الأوروبي، ولكن الآن، وبعد ما يقرب من ثلاث سنوات في السلطة، يترك الحزب البلاد في أيدي تكنوقراطي آخر مدعوم من الاتحاد الأوروبي، وموظف سابق في مجموعة جولدمان ساكس (مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية متعددة الجنسيات، تعدّ من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة والعالم)، مع أساس ضعيف للغاية من الدعم.

في هذه العملية، فإن وعد الحزب بتحويل النظام السياسي الإيطالي بشكل جذري وبسيط، فقَد كل مصداقيته. لقد كان المبتدئون الذين جلبهم الحزب إلى مناصبهم يتفوقون باستمرار على المهنيين الأكثر خبرة، حتى أصبحوا لا يمكن تمييزهم تقريباً عن السياسيين البارزين الذين كان من المفترض أن يحلوا محلهم. 

ويبذل الحزب الآن، قصارى جهده للاحتفاظ بمقاعده البرلمانية، ومن المرجح أن ينقسم حول ما إذا كان سيدعم المدير التنفيذي المؤقت دراجي، وذلك أساساً لأن دعاة الحزب يعرفون أن العودة إلى صناديق الاقتراع ستقضي على حصتهم في السلطة الوطنية.

وأخيراً، فإن شخصيات مثل رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا، ودراجي نفسه، باتت ضعيفة والسبب هو أن حكومة دراجي ستكون مطالبة دستورياً بالحصول على دعم الأغلبية في البرلمان. وهذا يعني أنه لم يتم القضاء على أي من الخصومات الصغيرة والخلافات السياسية التي أدت إلى الأزمة الحالية؛ لذلك سيتعين على دراجي إنفاق كثير من الجهد السياسي للحفاظ على تحالف ضعيف ومنقسم داخلياً، مع البقاء تحت رحمة تهديدات «الفيتو» المتشابكة للأحزاب التي تتكون منها. وهذه ليست الوصفة الترياق للاستقرار المؤسسي والحكم الرشيد.

وقد تكون خنادق البرلمان الإيطالي أكثر صعوبة بالنسبة إلى دراجي في الإبحار، من الممرات المصقولة للبنك المركزي الأوروبي.

المستفيد الحقيقي الوحيد من الأزمة الحالية هو زعيم «ليجا» اليميني المتطرف المناهض للمؤسسة، ماتيو سالفيني. وفي الوقت الحالي، قدم دعماً مؤهلًا للمدير التنفيذي الناشئ دراجي، مما جعله ضرورياً لبقائه في المستقبل.

وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر احتمالاً، هو حكومة ضعيفة وقصيرة الأجل، مجبرة على البقاء ضمن الحدود الضيّقة لما يمكن أن تتفق عليه مجموعة كبيرة من الأحزاب.

ويُظهر هذا أن إيطاليا لا تزال عالقة في السرد الذي أوقع السياسة الأوروبية في الفخ منذ الأزمة الاقتصادية 20082011، وأن الشعبوية والتكنوقراطية هما الأسلوبان الوحيدان المتاحان للعمل السياسي المعاصر. وعلى الرغم من أن الشعبوية والتكنوقراطية عادة ما تكونان على خلاف مع بعضهما بعضاً، فقد أثبتا بالفعل أنهما يغذيان بعضهما البعض، في العديد من الدول المتقدمة الديمقراطيات الغربية الأخرى. 

* أستاذ مشارك في العلوم السياسية في جامعة مدينة نيويورك (سيتي كوليدج).