صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
كيون لي
أستاذ الاقتصاد في جامعة سيؤول، والنائب السابق لرئيس المجلس الاستشاري الاقتصادي الوطني في كوريا الجنوبية
أحدث مقالات كيون لي
31 ديسمبر 2024
الهرب من فخ الدخل المتوسط

كيون لي *

يشير مصطلح «فخ الدخل المتوسط» إلى ميل الاقتصادات النامية ذات النمو السريع إلى فقدان زخمها قبل تحقيق وضع الدخل المرتفع. وظهر هذا المصطلح لأول مرة في عام 2007 على يد الاقتصادي في البنك الدولي إندرميدت جيل والخبير في معهد بروكينجز، هوومي كهرس، وأصبح منذ ذلك الحين موضع نقاش حاد بين الاقتصاديين.
بينما يشكك بعض الخبراء في وجود هذا الفخ، لا يمكن إنكار أن الكثير من البلدان ذات الدخل المتوسط كافحت للوصول إلى صفوف الاقتصادات المتقدمة. ووفقاً لدراسة أجراها البنك الدولي عام 2013، تمكنت فقط 13 دولة من أصل 101 ذات دخل متوسط من تحقيق القفزة بين عامي 1960 و2008. ومن بين هذه الدول اليابان، والنمور الآسيوية الأربعة (هونغ كونغ، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وتايوان)، بالإضافة إلى بعض الاقتصادات الأوروبية المحيطية مثل إسبانيا واليونان والبرتغال.
وفي أغسطس الماضي، أعاد تقرير التنمية العالمية السنوي للبنك الدولي إشعال هذا الجدل. وأشار التقرير إلى أن 34 اقتصاداً تمكنت من الهرب من فخ الدخل المتوسط وتحقيق وضع الدخل المرتفع بين عامي 1990 و2022. وشملت هذه المجموعة الموسعة دولاً من أمريكا اللاتينية مثل تشيلي وأوروغواي، ودولاً من وسط وشرق أوروبا مثل بولندا ورومانيا، ودول البلطيق الثلاث.
ويثير هذا التحديث سؤالًا جوهرياً: هل أصبح الهرب من فخ الدخل المتوسط أكثر سهولة، أم أنه كان دائماً كذلك وربما لم يكن موجوداً أساساً؟ الإجابة ليست بسيطة، حيث تغيرت معايير تحديد وضع الدول على مدار العقود الماضية، مع خفض عتبة الدخل المرتفع تدريجيًا.
في عام 2023، على سبيل المثال، حدد البنك الدولي الدخل المرتفع عند إجمالي دخل قومي يتجاوز 13845 دولاراً للفرد، أي ما يعادل حوالي 20% من دخل الولايات المتحدة. ويعد هذا انخفاضاً مقارنة بعتبة عام 2012، التي بلغت 24% من دخل الولايات المتحدة، أو عتبة عام 1990 التي كانت 30%.
ومن الانتقادات الموجهة لهذا النظام أن تصنيف دولة على أنها ذات دخل مرتفع بناءً على دخل يعادل خمس دخل الولايات المتحدة يتجاهل مؤشرات أكثر دقة مثل الأسعار والقوة الشرائية، التي تعكس مستوى المعيشة الفعلي بشكل أفضل.
وعلى سبيل المثال، بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في ماليزيا في عام 2023 حوالي 12570 دولاراً، ما يجعلها دون عتبة الدخل المرتفع. ولكن عند تعديل هذا الرقم بالقوة الشرائية، يصل إلى 45.5% من دخل الولايات المتحدة، ما يعكس مستويات معيشة أعلى بشكل ملحوظ. بالمقارنة، تُصنف تشيلي كدولة ذات دخل مرتفع رغم أن نصيبها من الناتج المحلي الإجمالي المعدل بالقوة الشرائية يمثل فقط 36% من دخل الولايات المتحدة.
وتُظهر البيانات أن الاقتصادات الآسيوية تتفوق عموماً على نظيراتها في أمريكا اللاتينية. وعلى سبيل المثال، ارتفع نصيب كوريا الجنوبية من الناتج المحلي الإجمالي المعدل بالقوة الشرائية من 30% من مستويات الولايات المتحدة في منتصف الثمانينات إلى 73% في عام 2023. وفي الوقت نفسه، زادت إندونيسيا دخلها النسبي مقارنة بالولايات المتحدة من حوالي 10% في عام 2000 إلى حوالي 20% في عام 2023 دون انتكاسات كبيرة.
لكن على الرغم من التقدم، لا تزال العديد من الدول ذات الدخل المتوسط تكافح للحاق بالاقتصادات المتقدمة. غالباً ما يُخفي هذا الواقع من خلال خفض عتبة الدخل المرتفع. ينبغي على البنك الدولي إعادة النظر في نهجه، خاصة من خلال الانتقال من أرقام الناتج المحلي الإجمالي الاسمية إلى الأرقام المعدلة بالقوة الشرائية، ما يوفر قياساً أكثر عدلاً وموثوقية للتنمية الاقتصادية.
* أستاذ الاقتصاد في جامعة سيؤول الوطنية

4 يناير 2024
كوريا الجنوبية وصراع العمالقة

كيون لي*

أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين مشحونة بالتوتر أكثر من أي وقت مضى، ولا ندري إلى أين ستؤول الأمور في العام الجديد. فماذا تعني التجاذبات الحاصلة اليوم بين القوى العظمى في العالم بالنسبة للجهات الأصغر؟ ربما تعتمد الإجابة على حال البلد أوالقطاع أوحتى الشركة.

وبهذا الصدد، يبدو أن الشركات الكورية الجنوبية تجني أكبر الفوائد من صراع العمالقة، والقيود التجارية والتكنولوجية التي تفرضها الولايات المتحدة على الصين، والتي أدت على الأقل إلى تباطؤ بل وربما عكس عملية «إضفاء الطابع الصيني» على التصنيع وسلاسل القيمة العالمية.

وبما أن كوريا الجنوبية والصين تُنتجان الكثير من السلع المتشابهة، مثل الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، والبطاريات، والسيارات، والسفن وغيرها، فإنه كلما تضاءلت حصة الصين في السوق الأمريكية والغربية، ازدادت حصة كوريا الجنوبية.

وبالفعل، عززت العقوبات الغربية المفروضة على شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة «هواوي»، مبيعات الأنظمة والمعدات اللاسلكية لمنافستها الكورية «سامسونغ». وعلى نحو مماثل، كلما تضاءلت قدرة الصناعات الصينية على الوصول إلى التكنولوجيا الغربية، اتجهت هذه التقنيات حتماً للحضن الكوري.

في العام الماضي، وبعد أن سنّت الولايات المتحدة قانون خفض التضخم، وهو حزمة سياسية تهدف إلى تعزيز الصناعات المحلية الرئيسية، ارتفعت أسهم شركات صناعة البطاريات الكورية الجنوبية، مدفوعة بتوقعات أن مصانعها في بلاد العم سام ستتلقى إعانات ضخمة. فصعدت أسهم «إل جي» بنحو 30%، ونمت «سامسونغ» 20%. وفي المقابل، تراجع سهم شركة «CATL» الصينية المتخصصة بتصنيع البطاريات الكهربائية بواقع 20%.

واليوم، تُجري الشركات الكورية الجنوبية تعديلات عاجلة على استراتيجياتها لتحقيق أقصى فائدة ممكنة من إعانات القانون الأمريكي وخفض التكاليف. فقد أعلنت «هانوا سوليوشنز» الكورية عن خطط لاستثمار 2.5 مليار دولار في بناء سلسلة قيمة لتصنيع الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة. واستثمرت شركة «أو سي آي» المصنعة لخلايا الطاقة الشمسية، ومقرها سيؤول، نحو 40 مليون دولار لتطوير مصنعها في تكساس. ومن المقرر أن تستكمل شركة صناعة السيارات الكورية الجنوبية «هيونداي موتورز»، غير المؤهلة بعد للاستفادة من مخرجات قانون خفض التضخم، بناء مصنع للسيارات الكهربائية في الولايات المتحدة العام المقبل.

في غضون ذلك، خلّفت حزمة السياسة الصناعية الرئيسية الأخرى في أمريكا، والمتمثلة بقانون الرقائق والعلوم، تأثيراً مماثلاً. وسعياً منها للاستفادة من إعانات الدعم الواردة في التشريع، بما في ذلك 3.9 مليار دولار لمنشآت إنتاج الرقائق، و1.1 مليار دولار لأبحاث وتطوير أشباه الموصلات، بنت «سامسونغ» مصنعاً ضخماً للرقائق بقيمة 17 مليار دولار في تكساس. واعتباراً من أغسطس/آب الماضي، أعلنت عديد الشركات الكورية عن 20 مشروعاً استثمارياً جديداً في الولايات المتحدة. في مقابل 19 مشروعاً للشركات الأوروبية، كما تسعى الشركات اليابانية لتنفيذ تسعة مشاريع إضافية.

وفي السياق، من المتوقع أن تنخفض مشاركة الشركات الكورية الجنوبية في السوق الصينية. لأنه ووفقاً للسياسة الأمريكية، توافق الشركات المطالبة بإعانات الدعم الأمريكية ضمناً على فرض قيود على تصنيعها للتكنولوجيا الفائقة داخل الصين.

في الوقت الحالي، يبدو أن الولايات المتحدة تحقق أهدافها، ليس فقط في إعادة المزيد من التصنيع إلى الحضن الأمريكي، بل أيضاً في التقريب بين حلفائها وعرقلة النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي للصين. ويساعد هذا في تفسير سبب انتعاش الاقتصاد الأمريكي بقوة من الركود الناجم عن الوباء، مع نمو أسرع مصحوباً بانخفاض معدلات البطالة وبيانات إيجابية.

ولكن تدابير الحماية التي تتضمنها السياسات الصناعية الأمريكية الجديدة، والتي تنتهك إلى حد كبير قواعد منظمة التجارة العالمية، أحدثت قدراً كبيراً من المعاناة في أماكن أخرى، حيث الاقتصادات غير قادرة ببساطة على مضاهاة حزم الإعانات المالية الأمريكية المقدمة للشركات. حتى إنه من بين الشركات الكورية الجنوبية نفسها، هناك خاسرون وسط هذه المكاسب الغربية.

ومع ذلك فإن العواقب المترتبة على تشريعات مثل قانون خفض التضخم، تمتد إلى ما هو أبعد من التكاليف والفوائد المباشرة التي تعود على الشركات الفردية. فمثل الكثير من الاقتصادات العالمية، بنت كوريا الجنوبية ازدهارها ورخاءها على التكامل الاقتصادي العالمي، بما في ذلك نظام تجاري حر ومفتوح نسبياً. لكن خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2023، انكمشت الصادرات الكورية على أساس سنوي، ومن المتوقع أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.5%، من 2.6% في عام 2022، و4.1% في عام 2021.

ومن المرجح أن ينطبق الأمر ذاته على المستوى العالمي. فعلى الرغم من خلق فرص جديدة لبعض الشركات والقطاعات الأخرى، إلا أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين، والسياسات الحمائية المصاحبة، ستشكل عبئاً على الاقتصاد العالمي، مع تحمل التكاليف بشكل غير متناسب من قبل أطراف ثالثة، والتي تواجه تكاليف إنتاج أعلى، ووصولاً أقل إلى الأسواق، وقيوداً مفروضة على تدفقات التكنولوجيا والمعرفة. وكما أظهر تقرير صندوق النقد الدولي، كلما فرضت المزيد من القيود التجارية، كانت العواقب أعظم.

فإذا أراد العالم أن يتجنب الوقوع ضحية لتكاليف السلع الباهظة على نحو متزايد نتيجة للتشرذم، فيتعين على الولايات المتحدة والصين أن تتعلما كيفية التعايش الثنائي، والانخراط في منافسة عادلة ضمن نظام تجاري دولي قائم على القواعد. فكونهما قوتين عظميين، لا يعني أن يدمرا العالم اقتصادياً.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة سيؤول، والنائب السابق لرئيس المجلس الاستشاري الاقتصادي الوطني في كوريا الجنوبية «إنترست دوت كوم»