صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
لوك شي
المؤسس المشارك لمنصة إعادة الاستثمار «سات لاير»
أحدث مقالات لوك شي
26 أكتوبر 2025
«البيتكوين».. العمود الفقري للاقتصاد

لوك شي*

دخلت عملة «البيتكوين» رسمياً إلى التيار المالي السائد. فما كان يوماً تجربةً تكنولوجية هامشية بات اليوم جزءاً من موازنات الشركات العامة، وركيزة لصناديق المؤشرات المتداولة الأسرع نمواً في الأسواق، وحتى أداة ضمن الاحتياطيات الاستراتيجية لبعض الحكومات. وأصبح كبار اللاعبين في القطاع المالي ينظرون إليها كأصل احتياطي جادّ لا يمكن تجاهله. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الاحتفاظ بالعملة الرقمية. فالمؤسسات التي تملك كميات ضخمة من «البيتكوين» بدأت تبحث عن سبلٍ لتحويل تلك الأصول الخاملة إلى رأس مالٍ منتج تجنباً لإضاعة الفرص. فيما تتقاطع الخصائص التقنية الفريدة للعملة مع مصالح تلك المؤسسات، لتضعها في موقعٍ يؤهلها لأن تصبح البنية التحتية الأساسية التي تُغذي الأسواق العالمية.
في عالم المال، لا يبقى أي أصل جامداً لفترة طويلة. لأنه بمجرد أن تدخل الأصول إلى ميزانيات المؤسسات، يبرز السؤال الحتمي، كيف يمكن استثمارها لتحقيق مزيدٍ من الأرباح؟ على اعتبار أن النقد يُقترض لتحقيق الفائدة، والسندات الحكومية تُستخدم كضمان في تريليونات الدولارات من المعاملات اليومية، وحتى الذهب الذي كان يُخزّن في الماضي، تبدّل مفهومه ليصبح قاعدةً لأسواق الإقراض والائتمان.
وها هي «بيتكوين» تسير على الدرب ذاته. فقد تطورت إلى أصلٍ احتياطي تحتفظ به الشركات وصناديق الاستثمار والحكومات، لكنه في الغالب أصلٌ راكد بلا توظيف فعلي. ومع تصاعد مطالب المستثمرين بالكفاءة في استخدام رأس المال، يزداد الضغط لتحويله إلى أداة تُولد العائدات.
قريباً، ستُستخدم «بيتكوين» للإقراض والاقتراض وتسوية المعاملات على نطاق واسع، مع عوائد سخيّة للمقرضين وسلاسة أكثر للمدفوعات العالمية. وتدرك المؤسسات اليوم أن بقاء احتياطياتها الرقمية دون استثمار يعني خسارة فرص ضخمة، لذا بدأت بتطوير عملياتها في مجال العملات المشفرة والتعامل المباشر مع «البيتكوين».
وحين تبدأ المؤسسات باستخدام البيتكوين، لا مجرد الاحتفاظ به، ستكتشف أن تصميمه الفريد يجعله قاعدة مثالية للسيولة العالمية. فأفضل الأصول الاحتياطية هي تلك التي يمكن الوثوق بها، وتقييمها ونقلها بثباتٍ عبر الحدود والزمن. ولطالما لعبت سندات الخزانة الأمريكية هذا الدور لأنها سائلة ومدعومة بثقة الحكومة الأمريكية ومقبولة عالمياً كضمان موثوق. لكن «البيتكوين»يقدم مزيجاً آخر لا يقل قوة.
تتميز عملة «البيتكوين» بطبيعة عالمية، وبمعروض ثابت لا يمكن تضخيمه، تنتقل بين الولايات القضائية دون الحاجة إلى بنوك أو غرف مقاصة. كما يمكن تدقيق كل وحدة منها علناً عبر سجل عام، ما يحد من الغموض الذي يكتنف النظام المالي التقليدي. وعلى عكس الأصول السيادية، لا تنطوي البيتكوين على مخاطر التخلف عن السداد، كما لا تخضع لقرارات مالية أو سياسية صادرة عن حكومة واحدة.
هذه المزايا، التي بدت يوماً غريبة، أصبحت مناسبة بشكل فريد لتجعل «البيتكوين» أساس السيولة في الاقتصاد الرقمي، ومنافساً محتملاً للأصول التي ترتكز عليها الأسواق العالمية حالياً. وتبني بعض المؤسسات بالفعل على هذا المستقبل، فهناك من يقترض مقابل احتياطياته من البيتكوين لتأمين السيولة، وأخرى تستخدمها كضمان في أسواق الائتمان، بينما تختبر شركات المدفوعات إمكانية التسوية الفورية عبر الحدود. لكن التحدي يبقى في كيفية تحويل هذه الخطوات الأولية إلى منظومةٍ مستدامة واسعة النطاق.
وتُعد «العملات المستقرة» إحدى أكثر الطرق الواعدة لجعل «البيتكوين» منتجاً بحق. فهي رموز رقمية مصممة لتتبع قيمة أصلٍ ثابت، عادةً الدولار الأمريكي، وغالباً ما تكون مدعومة بالنقد أو سندات حكومية قصيرة الأجل. وتكمن ميزتها في أمرين رئيسيين، الأول، إمكانية التحقق من الاحتياطيات في الوقت الفعلي، ما يزيل الغموض الذي يحيط بالبنوك التقليدية وبعض التجارب السابقة في عالم التشفير. والثاني، أن البيتكوين نفسها هي الضمان، وليس أموالاً مودعة في بنك. بالتالي، فإن هذه العملات ليست عرضة لمخاطر انهيار البنوك أو التقلبات التنظيمية أو الرافعة المالية الخفية. إنها توفر السيولة التي تحتاجها المؤسسات من دون التضحية بالشفافية والصلابة اللتين تميزان «البيتكوين» في الأساس.
يوحّد هذا النموذج التجارب الحالية، من الإقراض بضمان الأصول إلى تحسين الشفافية واختبار التسوية، ليبني نظاماً يمكن أن يدعم السيولة العالمية. وإذا وصلت العملات المستقرة المدعومة بالبيتكوين إلى مرحلة النضج، فإنها ستحوّل مليارات الدولارات من الاحتياطيات الخاملة إلى رأس مال عامل، لتصبح ركيزة خفية لأسواق الائتمان والتجارة.
غالباً ما تُروى قصة صعود أكبر عملة مشفرة في العالم من حيث القيمة السوقية من منظور الأسعار والمضاربات، لكن أهميتها الحقيقية تكمن في مكان آخر. فالبيتكوين لن تكون مجرد أصل آخر في ميزانيات الشركات، بل الأساس الذي ستُبنى عليه السيولة، والعمود الفقري الجديد للاقتصاد العالمي.
* المؤسس المشارك لمنصة إعادة الاستثمار «سات لاير»*نيوز ويك