صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
لووك كوفي
مدير
أحدث مقالات لووك كوفي
20 ديسمبر 2020
البحر الأسود والأمن الأوروبي

لووك كوفي *

 يكتسب البحر الأسود مزيداً من الأهمية الاستراتيجية في عالم اليوم؛ لوقوعه عند تقاطع مهم بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط؛ حيث تتقاطع طرق إمدادات الطاقة وعبور السفن التجارية العالمية. وتنتشر في قاع البحر الأسود خطوط أنابيب النفط والغاز، وكابلات الألياف الضوئية.

على نفس المستوى من الأهمية تتقاطع في منطقة البحر الأسود خطوط الصدع الجيوسياسية في المنافسة بين القوى العظمى؛ المتمثلة في روسيا والولايات المتحدة والأوروبيين. ولكل منها مصالح اقتصادية وأمنية متشابكة، تهدد بحدوث الاحتكاك من شدة المنافسة في أي وقت.

 وتلتزم الولايات المتحدة، بمقتضى اتفاقيات حلف شمال الأطلسي، بحماية حلفائها في المنطقة؛ ومنهم تركيا ورومانيا وبلغاريا. وتعتمد روسيا على المنطقة في مجالات الطاقة والتجارة والأمن والاقتصاد. وتعد هيمنة روسيا على المنطقة مسألة سيادة وطنية ومسألة وجود.

 وبالنسبة لأوروبا، يعد البحر الأسود منطقة مهمة لأسباب متنوعة، من الاقتصاد والأمن إلى الطاقة والنقل. فهناك مئات الكيلومترات من خطوط الأنابيب وكابلات الألياف الضوئية تتقاطع مع قاع البحر الأسود. والموانئ الأوروبية الرئيسية هي مصدر مهم للنشاط الاقتصادي في المنطقة. ويقع أكبر ميناء في البحر الأسود، وهو ميناء كونستانتا، في رومانيا؛ الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي.

 إلا أن القضية الأكثر سخونة حالياً هي قضية تزويد القارة الأوروبية بالطاقة وما يترتب عليها من استغلال سياسي. وقد جاء في مقدمة تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي: «تستخدم الدول الغنية بالطاقة صادراتها من الطاقة؛ لتحقيق مكاسب اقتصادية، وكأداة للضغط على السياسة الخارجية». واعتبر التقرير شركة «ترك ستريم»، التي تدعمها شركة «جازبروم» الروسية مثالاً صارخاً على محاولة نشر خطوط الأنابيب؛ لتحقيق أهداف جيوسياسية. وطالب التقرير الاتحاد الأوروبي بالعمل على وقف هذا المشروع، أو على الأقل، طلب امتثال جميع الأطراف للوائح الاتحاد الأوروبي الأساسية والمعروفة باسم حزمة الطاقة الثالثة.

 وتستثمر شركة «جازبروم» بحماس في بناء خطوط الأنابيب في جميع أنحاء أوروبا فضلاً عن مشاريع البنية التحتية للغواصات في بحر البلطيق والبحر الأسود أو خطوط الأنابيب البرية في بلغاريا وصربيا. ويخشى الأوروبيون من أن تتحول عقود الشركة الحصرية وغير الشفافة إلى أداة ضغط على دول القارة التي لا يمكنها الاستغناء عن هذا الشريان الحيوي.

 وقد تحولت بعض دول القارة ومنها بلغاريا إلى شركة «ترك ستريم» بينما تستكمل صربيا مد خط أنابيب بطول 400 كيلومتر لنفس الغرض. وتخطط المجر، التي تتمتع بإمكانية الوصول المباشر إلى شبكة النقل الأوكرانية الضخمة، للبدء في استلام شحنات الغاز الروسي على الحدود الصربية.

 ويعد المحللون في المفوضية الأوروبية قبول الاتحاد الأوروبي الضمني لشركة «ترك ستريم» سوء تقدير للمخاطر التي يمثلها خط الأنابيب. ومع تحول دول جنوب شرق أوروبا إلى واردات الغاز عبر «ترك ستريم»، رضوخاً لضغوط «جازبروم»، سيتم التخلص التدريجي من الممر العابر للبلقان، وستجد أوروبا نفسها رهينة في وضع جيوسياسي لا تحمد عقباه.

 ودعا هؤلاء إلى عدم التقليل من مخاطر التقلبات في منطقة البحر الأسود والمزالق الملازمة للبنية التحتية لنقل الغاز في الخارج. فقد أظهرت روسيا مراراً استعدادها لاستخدام الطاقة كسلاح. وستزداد هذه المخاطر تعقيداً؛ نتيجة المنافسة مع «ترك ستريم»؛ نظراً للعلاقات المضطربة بين موسكو وأنقرة أو التصاعد الأخير للتوترات بين اليونان وتركيا.

 ومن المخاطر الأخرى التي تشغل بروكسل زيادة عسكرة البحر الأسود؛ ذلك أن التجربة التاريخية تقول: إن وجود البنية التحتية الاستراتيجية يعد ذريعة لزيادة الوجود العسكري الروسي. وسوف يؤثر ذلك في الشحن البحري التجاري، والأسوأ من ذلك، قد يزيد من توتر العلاقات بين الناتو وروسيا المتوترة بالفعل.

 سيظل البحر الأسود منطقة مهمة لمنافسة القوى العظمى في المستقبل المنظور. بينما تسعى إدارة بايدن القادمة إلى صياغة سياساتها تجاه أوروبا وروسيا وحلف شمال الأطلسي، وسيلعب البحر الأسود دوراً مركزياً. ونظراً لأهمية المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، فمن المحتمل أن تعمل روسيا على استمرار الغليان هناك على المدى القريب.

* مدير مركز «دوغلاس وسارة أليسون» للسياسة الخارجية