23 يناير 2021
دعاة الهوية والتضليل السياسي
ليبتون ماثيوز*
في محاولة للتعبير عن تضامنهم مع الطبقة العاملة، استبدل اليساريون الأثرياء سياسات الهوية بالصراع الطبقي، وحاولوا إعادة صياغة المشكلات الاقتصادية باعتبارها مشكلات عنصرية أو تعصباً أعمى. لذلك، بدلاً من أن يهاجم السود والأقليات في المجتمع الأمريكي، التلاعب بالاقتصاد من قبل الدولة والرأسماليين المحسوبين عليها، سيهاجمون عنصرية القوانين أو قد يصفون الرأسمالية بأنها عنصرية في جوهرها.
والحقيقة أنه نادراً ما يعلق دعاة الهوية على العوائق الهيكلية التي تعوق تقدم الطبقة العاملة والأقليات، مثل التراخيص المهنية وتقسيم مناطق المدن حسب أعراق ساكنيها. ومع ذلك، فإن توقعاتهم تنم عن السذاجة، لأن سياسة الهوية تتعلق في المقام الأول بتأكيد أهداف الليبراليين من تسمين الشريحة العليا من الطبقة الوسطى.
فعلى سبيل المثال، يعد تحديد «كوتا» الوظائف على أساس الجنس لخلق فرص عمل للنساء المتزوجات، هدفاً جديراً بالثناء للمدافعين عن الهوية، في مقابل تزويد الأولاد الفقراء من البيض بالأدوات اللازمة للنجاح في الاقتصاد الحديث.
وتهدف سياسة الهوية في جوهرها إلى تعبئة مفاهيم الحضارة الغربية بمعتقدات النخب. على الرغم من أن الأدلة على عنصرية القوانين قد تكون غير موجودة، فإن هذا لا يمنع دعاة الهوية من تذكير الأفراد المناضلين بأن معاناتهم تنبع من خلل في العنصرية المؤسسية والامتيازات الممنوحة للبيض. إن معالجة قضايا مثل إخراج الشركات من ولاية كاليفورنيا بنصوص القانون، وبالتالي إفقار الأقليات، ليس على رأس جدول أعمال دعاة الهوية لأسباب واضحة. فهذه القوانين الكارثية قد تثري الرأسماليين الذين يتربحون من تلك القضايا.
وقد كشف تحليل بيانات تقرير الاحتياطي الفيدرالي لعام 2019 أن الدرجة القصوى من التفاوت الطبقي معششة ضمن مجموعات الأقليات العرقية. فمن بين الأمريكيين من أصل إفريقي ولاتيني، يمتلك ما يقرب من 65 في المائة صفراً في المئة من إجمالي الثروة المملوكة لمجموعاتهم العرقية. ويملك أغنى 10 في المئة من الأمريكيين الأفارقة 75.3 في المئة من إجمالي الثروة التي يملكها الأمريكيون من نفس الأصول. كما يملك أغنى 10 في المئة من اللاتينيين 77.9 في المئة من الثروة التي تملكها الجالية من أصول لاتينية؛ و تعود ملكية 74.6 في المئة من الثروة التي يملكها البيض لأغنى 10 في المئة منهم.
وتتزايد ظاهرة الاستقطاب في المجتمع الأمريكي، ليس بين الأعراق؛ بل بين الطبقات. وفي هذا السياق، يصبح الأساس الطبقي لهوس الشريحة العليا من الطبقة الوسطى بالسياسات العرقية والهوية أكثر وضوحاً. لقد أصبحت سياسة الهوية آلية رئيسية يمكن من خلالها أن تحتج نسبة 9 في المئة التالية من العشرة في المئة الأغنى ضمن كل جالية، على مظالمها داخل المؤسسة السياسية، أي النضال من أجل «فسحة» في الجامعات والنقابات والأحزاب السياسية وأجهزة الدولة ووسائل الإعلام المؤسسية.
وكشف التعمق في تحليل البيانات، عن أن التعليم يمنح مزايا كبيرة للطبقة الوسطى من حيث المردود، ما يؤدي إلى تفاقم فجوة الدخل. وبناء على ذلك، يشير مسح التمويل الاستهلاكي لعام 2019 إلى أن الأسر الحاصلة على درجة البكالوريوس تملك متوسط ثروة تزيد على خمسة أضعاف قيم ثروة الأسر الأقل تعليماً. إضافة إلى ذلك، ينتشر هذا التوجه عبر المجموعات العرقية؛ حيث يبلغ صافي ثروة الأسرة السوداء المتوسطة الحاصلة على تعليم جامعي ما يقرب من ستة أضعاف ثروة عائلة سوداء متوسطة حصلت على تعليم أقل، وأربعة أضعاف في الأسر من أصل لاتيني.
وغالباً ما يتم تجاهل التفاوت في الثروات بين أغنياء السود وفقرائهم. هؤلاء الفقراء يتعرضون لغبن مزدوج في هضم الحقوق لدى مقارنتهم مع أغنياء الشريحة السوداء ومع فقراء شريحة البيض. فثروة الطبقة العليا من السود تزيد وسطياً بمقدار 19 ضعفاً عن متوسط الثروة التي أقرها المقياس. أما إذا قارنا بين الحدين الأعلى والأدنى، فنجد أن الطبقة العليا من السود لديها 1382 ضعف ثروة الفقراء السود.
من هذا التحليل يمكننا أن نستنتج أنه خلافاً للرأي العام، فإن دعاة الهوية ليسوا ماركسيين، ويفشلون حتى في تبني وجهة نظر واسعة بما يكفي للحكم على الأقل، في ديناميات سلطات الدولة.
ونخلص إلى أن نظرية دعاة الهوية هي محاولة للبحث في الاضطهاد مطروحاً منه مناقشة القضايا المادية وسلطة الدولة والاستغلال والحركات الثورية الجماهيرية.
* باحث في معهد مايسيز.(يوراسيا ريفيو)