صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ليونيد بيرشيدسكي
كاتب عمود في «بلومبيرج»
أحدث مقالات ليونيد بيرشيدسكي
23 يناير 2021
لعبة القوة بين بوتين ونافالني

ليونيد بيرشدسكي*

تبدو التطورات منذ صعود زعيم المعارضة الروسي أليكسي نافالني على متن طائرة في برلين متجهاً إلى موسكو في 17 يناير، أشبه بممارسة العبث العنيف.

فأنصار نافالني يتجمعون في مطار الوصول (فنوكوفو). بعد محاولة فاشلة لإبعادهم عن طريق إغراق المطار بمشجعين لمغني البوب ​​الذي طار أيضاً إلى فنوكوفو، ثم حولت السلطات طائرة نافالني إلى مطار شيريميتيفو. وتم توجيه طائرة المغني والعديد من الطائرات الأخرى إلى هناك أيضاً. في غضون ذلك، تم احتجاز أنصار نافالني في مطار فنوكوفو، والعشرات من الصحفيين الذين جاؤوا على متن رحلة نافالني يصورون كل خطواته.

ظل نافالني محتجزاً في زنزانة للشرطة. ثم يتم إخطار محاميه فجأة بأنه في غضون دقائق، سينظر القاضي في ما إذا كان يجب القبض على نافالني في ما يتعلق بقضية قديمة، حيث حُكم عليه فيها بالسجن ثلاث سنوات ونصف السنة، مع وقف التنفيذ في عام 2014.

ما جرى لنافالني له منطقه الذي لا يخفى، إنه منطق صراع الإرادات . الروس يقدرون ويحترمون ألعاب القوة. وهذا يعرفه بوتين ونافالني وكلاهما يؤديها على المحك.

حرص الكرملين لسنوات على التقليل من أهمية نافالني. حتى إن بوتين لم يستخدم اسمه عندما سُئل عنه؛ بل استخدم تعابير عامة مثل «هذا الشخص» ومؤخراً، «مريض برلين». ومع ذلك فإن شاغلي الكرملين وبوتين نفسه، يعرفون أن نافالني ليس مجرد مدوِّن ناشط في مكافحة الفساد.. إنه السياسي الروسي الوحيد الذي يجذب باستمرار قدراً من الاهتمام يضاهي شخصيات مثل رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين، أو عمدة موسكو سيرجي سوبيانين؛ لذا فإن محاولة تجاهل نافالني ستكون خطأ ينبغي تجنّبه.

لقد حاول بوتين إخراج نافالني من الحياة السياسية للروس من خلال إجباره على الهجرة.

وقد نجح هذا التكتيك معه من قبل في التعامل مع الأوليجارش السابق ميخائيل خودوركوفسكي الذي يموّل وسائل إعلام ثانوية مناهضة لبوتين في روسيا، لكنه رضي بأن يكون خارج الخلافات السياسية.

عندما تعافى نافالني مما قيل إنه محاولة تسمم في ألمانيا، تلقى وابلًا من الأخبار السيئة من موسكو. كانت تنتظره هناك قضية جنائية جديدة، تتهمه باختلاس الأموال التي جمعها، وكان مطلوباً، لانتهاكه قانون فرض المراقبة. وكان يعلم جيداً أنه من المحتمل أن يتم اعتقاله بمجرد عودته. 

هذه الشجاعة الهادئة، هي ما يتسلح به نافالني في معركته مع بوتين، الذي يتسلح بكل شيء يخطر ببالك. وإذا لم ينجح السلاح، فلديه ترسانة كاملة من الخطط، وجيش من الأشخاص الذين سيفعلون ما يريد.

لقد بعثت التحركات ضد نافالني التي شهدها العالم في الأشهر القليلة الماضية، برسالة إلى كل شخص مغرم بتقليده، بأنهم لن يقابلوا بالورود؛ بل سيواجهون السلطة الكاملة للدولة.

 إنها رسالة قوية. حصل نافالني على مثلها من قبل، وقرر تجاهلها منذ فترة طويلة. تمتلئ المواقع الإخبارية وموجات الأثير الغربية، بتعبيرات الدعم لنافالني من مختلف قادة العالم، من الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. ولكن في معركته الملحمية مع بوتين، يقف نافالني وحيداً. في روسيا اليوم، تستخدم دعاية النظام الأصوات الغربية بشكل روتيني لتغذية الدعم لسياسات بوتين، وتصوير أعدائه على أنهم «عملاء أجانب». وتعليقاً على مطالب الزعماء الغربيين بالإفراج عن نافالني، قال وزير الخارجية سيرجي لافروف، إنهم يحاولون «صرف الانتباه عن الأزمة العميقة لنموذج التنمية الليبرالي».

* كاتب في «بلومبيرج» متخصص في الشؤون الروسية

17 يناير 2021
وجهان لمواقع التواصل

ليونيد بيرشدسكي  *

أعرب أليكسي نافالني، زعيم المعارضة الذي تعرض للتسميم داخل روسيا حسب الحكومة الألمانية، عن قلقه بشأن قرار شركة «تويتر» إغلاق حساب دونالد ترامب. ونافالني ليس من المعجبين بترامب وهو أبعد ما يكون عن الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته. أما سبب قلقه فهو أن الطريقة التي تحتشد بها شركات التقنية الأمريكية ضد ترامب وأنصاره الأكثر تطرفاً، يمكن أن تؤدي إلى أضرار في روسيا، حيث تحصر الدولة الوصول إلى وسائل الإعلام التي تسيطر عليها، ويعتمد منتقدوها على الشبكات الاجتماعية التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، للتعبير عن مواقفهم وآرائهم.

ويقول نافالني: «تويتر شركة خاصة، لكننا رأينا العديد من الأمثلة في روسيا والصين على أن مثل هذه الشركات الخاصة أصبحت أفضل أصدقاء الدولة وعوامل تمكينها عندما يتعلق الأمر بالرقابة».

 وهذه السابقة سيتم استغلالها من قبل أعداء حرية التعبير في جميع أنحاء العالم. ففي كل مرة يحتاجون فيها إلى إسكات شخص ما، سيقولون: «قرار الحظر أمر عادي، حتى ترامب نفسه تم حظره على تويتر».

 وحجج الشركات الخاصة حاضرة دوماً. لقد تسامَح موقع تويتر وفيسبوك مع ترامب ومعجبيه أيام مجدهم - نشروا دعوات لقتل الصحفيين، وطرحوا أفكاراً عنصرية، وتهديدات مباشرة - طوال فترة رئاسة ترامب. وقد سمحت كل من «أبل» و«فيسبوك» و«أمازون» و«جوجل» رغم إنكارهم، لليمين المتطرف بالنمو والانتشار عبر خدماتهم إلى أن تطورت الأمور وحدث أمران خطيران أولهما شغب الكابيتول، والثاني نتيجة انتخابات مجلس الشيوخ التكميلية في جورجيا التي منحت الديمقراطيين السيطرة السياسية الكاملة على الولايات المتحدة.

 لا أعرف أياً من الحدثين كان العامل الحاسم الفعلي في قرار شركات التقنية معاداة ترامب. لكنني أنظر إليها من وجهة نظر شخص يقاتل نظاماً في روسيا أو تركيا أو بيلاروسيا أو أي مكان آخر. أنت هنا تشاهد تسمية الرئيس الأمريكي المنتخب المتظاهرين الذين اقتحموا مبنى حكومياً «إرهابيين محليين» – ثم يأتي رد فوري من شركات التقنية، التي تحاول إثبات أنها لا تزود «الإرهابيين» بمنصة. هل هم غاضبون فجأة لأن الإدارة الديمقراطية، المسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، يمكن أن تعيد تنظيم عمل منصات التواصل بسرعة وبكل الأدوات المؤلمة؟

إذا نظرنا إليها من وجهة نظر روسيا أو تركيا أو الصين، حيث تكون مخاوف حكومات الحزب الواحد بشأن التحركات التنظيمية ذات الدوافع السياسية، على رأس أولويات أصحاب الشركات، تصبح هذه الصورة مألوفة.

 يمكن للمرء أن يقول بأنه حتى لو سارعت منصات التقنية في الولايات المتحدة للانضمام إلى الفائزين السياسيين في بلادها لتجنب مواجهة مكلفة، فإنهم لن يفعلوا الشيء نفسه مع الرئيس الروسي بوتين أو نظيره التركي أردوغان. فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك. فقوانين الإرهاب والعصيان التي تفرضها هذه الأنظمة مماثلة لتلك المطبقة في الولايات المتحدة حالياً من الناحية النظرية. وإذا رفضت المنصات، فسيتم اتهامها بازدواجية المعايير، وستتعرض أدوات الحكومة الأمريكية المعلنة للمضايقة وربما الحظر. 

مثل هذا الخلط لم يكن ممكناً سابقاً، لأنه حتى المستبدين في هذه الأيام يضطرون للتشدق بحرية التعبير؛ وما فعلته المنصات يخرج هذا القلق من المعادلة. ولطالما انتظر دهاقنة الدعاية الروسية، من أمثال مارجريتا سيمونيان، رئيسة قناة «آر تي»، مثل هذه الفرصة الذهبية للتحريض على الانتقام من المنصات الأمريكية منذ أن بدأت تلك المنصات الإبلاغ عن محتوى من وسائل الإعلام التي تمولها الحكومة الروسية.

 لم يتم إنشاء منصات التقنية الأمريكية، بالطبع، لتمكين المعارضة السياسية للأنظمة الاستبدادية. إنها مؤسسات تجارية موجودة لكسب المال عن طريق بيع الإعلانات. ربما يكون من الخطأ الاستراتيجي لأي شخصية معارضة في أي دولة أن تراهن على تلك المنصات دون غيرها من وسائل التعبير الأخرى. ولكن نظراً لاحتكار المنصات من قبل فئة محددة، فإن خيارات المعارضين ليست كثيرة.

 وفي عالم اليوم، إذا كان لأية منصة أن توفر حرية التعبير، فيجب أن تكون خارج الحدود الإقليمية من الناحية التكنولوجية – متحررة من الاعتماد على أي مزود يواجه ضغوط الدولة القومية. أما من الناحية القانونية والمالية، فيعد إنشاء مثل هذه المنصة تحدياً هائلاً. لكن رغم كل ذلك لن ينجح المستبدون في وقف مسار الحياة. وسوف تستمر المعارضة السياسية للأنظمة غير الحرة تحت أي ظرف من الظروف، بمساعدة وادي السيليكون أو بدونها ؛ لكن حركات المعارضة السياسية في العالم تعرضت لانتكاسة هذه المرة على الأرجح.

* مدير مكتب «بلومبيرج» في برلين

27 ديسمبر 2020
وسائل إعلام روسية ناشئة ومختلفة

ليونيد بيرشيدسكي *

 ظهرت بعض التحقيقات الجريئة بشكل ملحوظ باللغة الروسية حول الرئيس فلاديمير بوتين وأقاربه على الإنترنت في الأيام الأخيرة. مثل هذه المواد الصحفية كانت في الماضي غير البعيد تكلف المحررين وظائفهم وربما حرياتهم.

 يعتبر الكرملين هذه التحقيقات جزءًا من حملة منظمة. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن بوتين نفسه هو المنظم الأول عن غير قصد، وبات عليه الآن أن يتعامل مع مجموعة ناشئة من المنافذ الإعلامية المستقلة الأكثر ذكاءً وأقل عرضة للضغط المؤسسي.

 وحتى وقت قريب، كانت الحياة الخاصة للزعيم الروسي وأقاربه المقربين في الغالب منطقة محظورة على وسائل الإعلام الروسية يعرف المحررون أن دخولها ستكون له عواقب. في عام 2008، أغلق ألكسندر ليبيديف صاحب صحيفة «مويكوفيسكي كريسبندنت» الصحيفة على عجل، بعد أن نشرت مزاعم بأن بوتين كان على وشك الزواج من بطلة الجمباز السابقة ألينا كابيفا، وندد بوتين نفسه بغضب بالمقالة ووصفها بأنها «خيال مثير». وفي عام 2016، تسببت سلسلة من القصص عن كاترينا تيخونوفا، التي تناولتها صحيفة «أر بي سي ديلي» على أنها ابنة بوتين الصغرى على الرغم من أن الكرملين لم يؤكد هويتها، والمواد المتعلقة بروسيا في قضية أوراق بنما في إقالة كبار المحررين في الصحيفة التي يملكها الملياردير ميخائيل بروخوروف، كما خضعت للتفتيش من قبل هيئات إنفاذ القانون.

 لكن هذه المحرمات تتعرض حالياً لاختراقات متتالية على مواقع الكترونية منها «بوكيت ميديا» و«أي ستوريز» الذي يديره واحد من كبار المحررين الذين أقيلوا من صحيفة «أر بي سي» هو رومان بادانين الحاصل ورفاقه على جائزة «بوليستر» للصحافة الاستقصائية عام 2017.

 ونشر موقع «بوكيت» أول تقرير عن امرأة تدعى سفيتلانا كريفونوجيخ، انتقلت من العمل كعاملة تنظيف إلى منصب فيه ثروة وسلطة. ويزعم التقرير أن كريفونوجيخ، التي لم ترد على أسئلة المراسلين، لديها ابنة ولدت في عام 2003 تبدو ملامحها شبيهة بالرئيس.

 وعرض موقع «أي ستوريز» معلومات خاصة تستند إلى تحقيق استمر لمدة عام في رسائل البريد الإلكتروني الخاص بكيريل شامالوف تم اختراقها، كشفت عن زواجه من كاترينا تيكونوفا بين عامي 2013 و2017. وضم الأرشيف صوراً عن حفل زفاف باذخ وفواتير تأثيث منزلين فخمين أحدهما في فرنسا، فضلاً عن تفاصيل صفقة دسمة ضمت أسهماً في شركة الكيماويات الروسية «سيبور» وضعت شامالوف في مصاف المليارديرات على الفور. لكن مع فسخ الزواج عام 2018 خسر معظم حصته في سيبور.

قدم كلا المنشورين تحقيقات شاملة ومهنية للغاية. ولم ينكر أي طرف الادعاءات المحددة في التحقيقات رسميًا أو يؤكدها. ورفض السكرتير الصحفي لبوتين، ديمتري بيسكوف، التعليق على مضمون التحقيقات.

 ومشكلة الكرملين مع هذه المواقع أنه لا يطالها ولا يعرف من يملكها حيث لم يتم تسجيل أي منها رسميًا كمنفذ إعلامي روسي. ويعتمد موقعا «أي ستوريز» و«بوكيت ميديا» استراتيجية «اضرب واهرب» ولدى كل واحد منهما عدد محدود من الموظفين خارج روسيا. وقد وجه كل منهما نداءات للتمويل الجماعي، لكن يبدو أن كلاً منهما يتلقى دعمًا من المؤسسات الغربية التي تروج للصحافة المستقلة في الاتحاد السوفييتي السابق أو الصحافة الاستقصائية بشكل عام.

 ويتمتع الصحفيون الذين يعملون في هذه المنافذ الصغيرة والمرنة بالذكاء الفني ويمكنهم العمل من أي مكان، كما يمكنهم التعامل مع البيانات التي تم تكديسها باحترافية عالية. إنهم مخلوقات من عالم غريب للغاية عن بوتين.

 ويقوم عناصر هذه المنافذ بعملهم على الرغم من أنها تنطوي على مخاطر كبيرة. لكن التمسك بمهنة الصحافة في روسيا حمل منذ فترة طويلة هذا النوع من المتاعب في وسائل الإعلام التقليدية أيضًا، من خلال إخضاع الصحف القديمة والمواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام الأخرى لسيطرة الكرملين المباشرة أو غير المباشرة.

* كاتب عمود في «بلومبيرج»