مارتن فلاديميروف
تكشف صدمة أسعار الغاز التي تواجهها أوروبا نتيجة الحرب مع إيران عن تحوّل محتمل في خريطة الطاقة، وقد تؤدي إلى تسريع فك ارتباط القارة بالغاز الروسي، في وقت تجد فيه نفسها أكثر انجذاباً إلى الإمدادات الأمريكية.
الهجوم الإيراني الذي أجبر شركة «قطر للطاقة»، ثاني أكبر مُصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، على وقف الإنتاج، دفع أسعار الغاز المرجعية في أوروبا إلى الارتفاع بنحو 50%. وقد أظهر هذا التطور مدى تعرض القارة لصدمات جيوسياسية تقع خارج حدودها، وأعاد التأكيد على أن أمن الطاقة أصبح أولوية لا يمكن تأجيلها.
ورغم أن قطر لم تمثل سوى نحو 4% من واردات الغاز في الاتحاد الأوروبي عام 2025، فإن توقف هذه الإمدادات يعني أن الكميات الإضافية المطلوبة ستأتي بشكل متزايد من الولايات المتحدة، أكبر منتج ومُصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. وهذا بدوره قد يمنحها مزيداً من النفوذ للضغط على أوروبا لتسريع فك ارتباطها الكامل بالغاز الروسي.
وحتى إذا جرى تخفيف مؤقت للعقوبات الأمريكية على النفط الروسي خلال الحرب، فمن غير المرجح أن يغير ذلك المسار بالنسبة للغاز. بل إن تهديد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأسبوع الماضي بوقف ما تبقى من صادرات الغاز إلى أوروبا قد يمنح زخماً إضافياً لجهود تقليص الاعتماد على موسكو.
ورغم تراجع الواردات الروسية بشكل كبير منذ عام 2022، لا يزال الغاز الروسي يمثل نحو 10% من واردات الاتحاد الأوروبي. وقد ألزم الاتحاد دوله الأعضاء بإنهاء جميع واردات الغاز الروسي بحلول سبتمبر 2027، إلا أن ثغرات قانونية وغموضاً تنظيمياً قد يسمحان باستمرار بعض التدفقات إلى ما بعد عام 2028.
بينما أصبحت الولايات المتحدة المورد الأكبر للغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، لا تزال شركة «غازبروم» الروسية، المملوكة للدولة، اللاعب الأبرز في أسواق أوروبا الوسطى والشرقية وجنوب شرق القارة.
كما تمثل هذه المناطق الوجهة الرئيسية لمعظم الغاز الروسي الذي يصل إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، بينما تدخل الكميات المتبقية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي عبر خط «تورك ستريم» الذي يربط روسيا بتركيا.
وعلى عكس دول شمال أوروبا، التي نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنويع مصادر الطاقة عبر إنشاء محطات جديدة لاستقبال الغاز المسال وتوسيع شبكات الربط بين خطوط الأنابيب، لا تزال دول أوروبا الوسطى والجنوبية أكثر تعرضاً للإمدادات الروسية. ويرجع ذلك إلى محدودية قدرات التخزين، وارتفاع رسوم نقل الغاز عبر الحدود، وضعف تكامل الأسواق الإقليمية، وهي عوامل تجعل الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب أكثر جاذبية من الناحية التجارية.
في هذا السياق، يركز المسؤولون الأمريكيون ووزراء الطاقة الأوروبيون على مشروع محوري جديد يُعرف باسم «ممر الغاز العمودي»، وهو مشروع يربط محطات الغاز المسال في اليونان بكل من بلغاريا ورومانيا ومولدوفا وأوكرانيا.
وقد يعيد هذا المشروع توجيه تدفقات تجارة الغاز في أوروبا الوسطى والجنوبية نحو سلاسل الإمداد القادمة عبر الأطلسي، ما يرسخ واردات الغاز المسال طويلة الأجل، ويجعل منطقة البلقان سوقاً جديدة للمصدرين.
وضمن هذا التوجه، وافق كبار المصدرين الأمريكيين، ومن بينهم شركتا «تشينير» و«فنتشر غلوبال»، على توريد نحو 8 مليارات متر مكعب سنوياً بموجب عقود تمتد لعشرين عاماً مع تجار وحكومات في أوروبا الوسطى والشرقية، وهو ما يعادل نحو 10% من صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2025.
مع ذلك، فإن نجاح هذا المشروع ليس مضموناً. فالتعرفة المرتفعة لعبور الغاز بين دول أوروبا الوسطى والجنوبية لا تزال تشكل عقبة كبيرة، رغم مقترحات لتبنّي اتفاقية تسمح للموردين بحجز كامل الممر عبر عقد واحد. كما تواجه البنية التحتية قيوداً إضافية، إذ تفتقر محطات الغاز المسال إلى قدرات تخزين كافية، ما يتطلب توسيع مرافق التخزين تحت الأرض في بلغاريا وأوكرانيا لتمكين تدفقات أكبر.
إلى جانب ذلك، سيظل الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب القائمة أقل كلفة ما لم يقدم الاتحاد الأوروبي دعماً مالياً لتحديث شبكات النقل.
ويعتمد نجاح الممر أيضاً على تدفق الغاز المسال من تركيا شمالاً، إذ تمتلك أنقرة طاقة كبيرة غير مستغلة لإعادة تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية، تصل إلى نحو 58 مليار متر مكعب سنوياً. غير أن جزءاً مهماً من هذه القدرة لا يزال مستخدماً لنقل الغاز الروسي عبر خط «تورك ستريم».
في نهاية المطاف، قد يثير تعميق اعتماد أوروبا على الغاز الأمريكي تساؤلات حول مدى الحكمة في ذلك، خصوصاً بعد قرار واشنطن خوض الحرب مع إيران رغم إدراكها لما قد يسببه ذلك من اضطراب في نظام الطاقة العالمي. لكن بالنسبة لأوروبا، التي تسعى إلى تقليص نفوذ موسكو على اقتصاداتها الأكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية، قد يكون هذا الخيار، رغم مخاطره، أقل كلفة من البدائل المتاحة.
*مدير برنامج الطاقة والمناخ والجغرافيا الاقتصادية في مركز دراسات الديمقراطية (رويترز)
مارتن فلاديميروف *
بعد نحو أربع سنوات على اندلاع أزمة الطاقة في أوروبا أواخر عام 2021، انتقلت القارة من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى إعادة تصميم منظومتها بالكامل. غير أنّ الاتحاد الأوروبي لم يخرج بعد من دائرة الخطر، فالهشاشة لا تزال قائمة، والتقدم نحو تحقيق إمدادات نظيفة وآمنة وبأسعار معقولة يسير بوتيرة غير متوازنة بين دولة وأخرى.
يقيس مؤشر «مخاطر الطاقة والمناخ» الذي طوّره «مركز دراسة الديمقراطية» أمن الطاقة وفق أربع ركائز: الجغرافيا السياسية، القدرة على تحمّل الكلفة، الموثوقية، والاستدامة. وتشير نتائجه إلى اتساع الفجوة بين دول رائدة مثل فرنسا والسويد والدنمارك، وأخرى متعثرة مثل المجر وإيطاليا وبلغاريا.
ويتمثل أبرز إنجاز حققته أوروبا في تقليص اعتمادها على الوقود الأحفوري الروسي. فبحسب بيانات «يوروستات»، انخفضت واردات الغاز الروسي من نحو 40% من إمدادات الاتحاد الأوروبي عام 2021 إلى قرابة 10% فقط في عام 2025. وقد تحقق ذلك عبر تنويع مصادر الاستيراد، لاسيما من الولايات المتحدة والنرويج وقطر. وبخصوص دول كإيطاليا وألمانيا، اللتين كانتا من أكبر المستهلكين للطاقة الروسية، فقد أوقفتا تقريباً استيراد الغاز من موسكو. لكن دولاً أخرى في وسط أوروبا، مثل المجر وسلوفاكيا، ما زالت مرتبطة بعقود طويلة الأمد مع «غازبروم»، إذ تستورد بودابست أكثر من ثلاثة أرباع غازها من روسيا.
لكن هذا الانفكاك لم يأتِ دون أثمان. فقد برزت تبعيات جديدة، أولاها اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، ما قد يضع الاتحاد تحت رحمة المفاوضات التجارية أو السياسية المقبلة مع واشنطن. وثانيهما اعتماد متزايد على سلاسل التوريد الصينية في مجالات حيوية للطاقة النظيفة، فبكين تهيمن على تكرير معظم المعادن النادرة والضرورية لتصنيع البطاريات والطاقة الشمسية والرياح. فهي تكرّر أكثر من 60% من الليثيوم العالمي، و80% من الكوبالت، و70% من العناصر الأرضية النادرة. وهكذا تخاطر أوروبا باستبدال تبعية بأخرى.
ومع ذلك، ليست الصورة قاتمة بالكامل. ففرنسا عززت قدرتها على تكرير السيليكون لتصنيع الألواح الشمسية، والسويد وفرت 90% من إنتاج خام الحديد داخل الاتحاد وتوسع إنتاجها من النحاس والزنك. كما تطور البرتغال احتياطياتها الضخمة من الليثيوم، فيما تستضيف فنلندا مصافي رئيسية للنيكل والزنك. أما في الجوار الأوروبي، فيمكن لمنجم «جادار» في صربيا تلبية نحو 90% من احتياجات أوروبا الحالية من الليثيوم إذا دخل الخدمة، ومن المرجح امتلاك أوكرانيا رواسب كبيرة من التيتانيوم والمعادن النادرة، ولكن يبقى مدى إمكانية استخراجها ومعالجتها بشكل مربح سؤالاً مفتوحاً.
وإذا كانت الجغرافيا السياسية قد سيطرت على النقاش في 2022، فإن التحدي الأبرز اليوم هو القدرة على تحمّل تكاليف الطاقة، إذ ارتفعت المخاطر المرتبطة بذلك خمسة أضعاف منذ 2020، نتيجة صدمات الأسعار عقب حرب روسيا وأوكرانيا.
وتشير بيانات «يوروستات» إلى أن فواتير الكهرباء والغاز في دول جنوب وشرق أوروبا ما زالت أعلى بنحو 40% إلى 70% مقارنة بما قبل الأزمة، مع هشاشة خاصة في دول تعتمد بشدة على الفحم مثل بولندا وبلغاريا وتشيكيا. في المقابل، تبدو المخاطر أقل بكثير في فرنسا والشمال، بفضل أنظمة طاقة أقل كثافة كربونية.
لكن الأثر الأعمق يتجلى في الصناعة الأوروبية، فقد فقدت القارة أكثر من مليون وظيفة صناعية بين 2021 و2024 بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. ومن دون عقود طويلة الأمد للطاقة النظيفة وإجراءات أكثر حزماً في كفاءة الاستهلاك، تخاطر أوروبا بفقدان قدرتها التنافسية عالمياً.
في غضون ذلك، شهدت طبيعة مخاطر الموثوقية في أوروبا تحولات أيضاً. ففي ظل هيمنة الوقود الأحفوري، كان التحدي الأكبر ضمان استمرار الإمدادات. أما اليوم، ومع التوسع السريع في إدماج مصادر الطاقة المتجددة، تكمن المشكلة في غياب البنية التحتية القادرة على استيعابها. وأحد الأمثلة الصارخة كان الانقطاع الكبير للكهرباء في شبه الجزيرة الإيبيرية في إبريل الماضي، حين تسبب فقدان مفاجئ ل15 غيغاواط من الطاقة الشمسية في انهيار الشبكة، لعدم توافر احتياطات كافية تدعم الأنظمة المعتمدة على المحولات.
ورغم استثمار دول ثرية مثل ألمانيا وهولندا في شبكات رقمية وتخزين متطور وربط إقليمي، إلا أن وسط وشرق أوروبا ما زال يعاني شبكات قديمة واستثمارات محدودة، ما يجعله عرضة لانقطاعات مستقبلية واسعة.
وعلى صعيد الاستدامة، وضع الاتحاد الأوروبي أهدافاً طموحة عبر صفقات ومبادرات خضراء، لكن التنفيذ غير متوازن. السويد والدنمارك وفنلندا، على سبيل المثال، نجحت في الجمع بين الطاقة المتجددة وإزالة الكربون الصناعي والحكم الرشيد لتقليص المخاطر. في حين استفادت فرنسا من الطاقة النووية التي حدّت من الانبعاثات وضبطت التكاليف.
لقد أثبتت السنوات الأربع الماضية أن أوروبا قادرة على التحرك في أوقات الأزمات. لكن المرحلة المقبلة من التحول تتطلب ما هو أبعد من ردود الفعل المؤقتة، إنها تحتاج إلى استراتيجية طويلة المدى وتنسيق أوثق بين الدول الأعضاء. ومن دون ردم فجوة سياسات الطاقة، ستبقى سيادة أوروبا وازدهارها في خطر.
*مدير برنامج الطاقة والمناخ في «مركز دراسة الديمقراطية» (رويترز)