صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
مايك بيكوك
مدير الاتصالات السابق في بنك إنجلترا، ومحرر سابق في «رويترز»
أحدث مقالات مايك بيكوك
19 مارس 2026
مرشح غير تقليدي لـ «المركزي» الأوروبي

مايك بيكوك*

من المرجّح على نطاق واسع أن يُبقي البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه هذا الأسبوع. لكن، وبينما تستمر تداعيات صدمة الطاقة في الشرق الأوسط، قد يتحوّل الاهتمام سريعاً إلى سؤال أكثر عمقاً: من سيقود المؤسسة النقدية الأهم في أوروبا خلال المرحلة المقبلة؟
إذا كان الاتحاد الأوروبي جاداً بالفعل في تعزيز قدرته التنافسية، فإن الإجابة قد تبدو غير تقليدية، وهي اختيار ألماني لرئاسة البنك المركزي الأوروبي.
العام الماضي، انشغل الاهتمام العالمي بمسألة خلافة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول. لكن مع تهدئة الأسواق عقب ترشيح الرئيس دونالد ترامب لمرشح تقليدي هو كيفن وورش، بدأ التركيز يتحول تدريجياً إلى أوروبا، وتحديداً إلى من سيخلف كريستين لاغارد في قيادة البنك المركزي الأوروبي.
صحيح أن ولاية لاغارد تمتد رسمياً حتى عام 2027، غير أن تقارير إعلامية ألمحت إلى احتمال تنحيها المبكر لإتاحة المجال أمام اختيار خليفة قبل الانتخابات الفرنسية، التي قد تُفضي إلى قيادة يمينية متطرفة أكثر تشككاً في الاتحاد الأوروبي. ورغم نفي لاغارد لهذه التكهنات، فإن التوقيت، مهما كان، لن يغير من حقيقة أن التعيين المقبل سيأتي في لحظة مفصلية لاقتصاد التكتل المكون من 27 دولة.
يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم مزيجاً معقداً من التحديات، من تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة، إلى المتطلبات الدفاعية المتزايدة، مروراً بالضغوط المتسارعة لمواكبة ثورة التكنولوجية العالمية. وفي هذا السياق، تتنافس الدول الأوروبية على شغل هذا المنصب لضمان نفوذ لها داخل قمة هرم صنع القرار النقدي.
إسبانيا، على سبيل المثال، سعت جاهدةً للحصول على هذا المنصب، إذ تنتهي ولاية نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، لويس دي غيندوس، في يونيو، ما يترك الاقتصاد الأسرع نمواً في منطقة اليورو بدون ممثل على أعلى مستوى. ويبدو أن بابلو هيرنانديز دي كوس، الرئيس السابق لبنك إسبانيا، من بين المرشحين أيضاً. فيما يبرز الهولندي كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، كأحد الأسماء القوية. لكن المرشح الأنسب لإحداث التغيير، وربما بشكل مفاجئ، قد يكون رئيس البنك المركزي الألماني يواكيم ناغل.
قد يشكل تعيين ناغل نقطة تحول حقيقية. فوجوده على رأس المركزي الأوروبي قد يربط ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، بشكل أوثق بإصلاحات اقتصادية طال انتظارها، سبق أن طرحها رئيس المركزي السابق ماريو دراجي، مثل إنشاء اتحاد لأسواق رأس المال وتوسيع الاقتراض المشترك بين الدول الأعضاء.
وعلى عكس أسلافه المعروفين بتشددهم، أظهر ناغل مرونة لافتة. فقد دعم أدوات استثنائية للمركزي، بل وذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى إصدار ديون أوروبية مشتركة، وهو موقف طالما قاومته برلين خشية تحمل العبء المالي الأكبر داخل الاتحاد.
مع ذلك، فإن العقبات السياسية لا تزال قائمة. فهناك تقليد غير مكتوب يقضي بعدم تولي ألماني رئاسة البنك، نظراً لأن المؤسسة مستوحاة أساساً من نموذج البنك المركزي الألماني ومقرها في فرانكفورت. كما أن قاعدة أخرى غير رسمية تمنع احتكار دولة واحدة لأكثر من منصب قيادي، في وقت تتولى فيه أورسولا فون دير لاين رئاسة المفوضية الأوروبية حتى عام 2029. لكن ربما حان الوقت لتجاوز هذه الأعراف.
تعيين ناغل سيكون خطوة جريئة، لكنه أيضاً قد يكون الخيار الأكثر واقعية.
*مدير الاتصالات السابق في بنك إنجلترا «رويترز»

1 يوليو 2025
المالية البريطانية تختبر التغيير

مايك بيكوك*

تُصرّ وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، على أن تحقيق نمو اقتصادي أعلى يُمثل أولوية قصوى بالنسبة لها، إلا أن خطة الحكومة الحالية لمعالجة انخفاض الاستثمار المزمن في البلاد غير مشجعة وليست طموحة بالقدر الكافي، وقد يكون المطلوب إعادة النظر في هيكلية الوزارة نفسها.
وعدّلت ريفز قواعدها المالية للسماح باستثمارات إضافية بقيمة 113 مليار جنيه إسترليني، على مدى خمس سنوات، مع الحفاظ على التزامها بضمان انخفاض الدين كنسبة من الدخل القومي، خلال الفترة نفسها. وفي أحدث خطة إنفاق حكومية بريطانية كُشف عنها الأسبوع الماضي، بدأت الوزيرة بتخصيص رأس المال الإضافي لمجالات تشمل الدفاع والإسكان والبنية التحتية للنقل ومحطة طاقة نووية جديدة.
مع ذلك، ووفقاً للمكتب المسؤول عن الميزانية، وهو هيئة رقابية مالية مستقلة، سيرتفع إنفاق رأس المال في المملكة المتحدة إلى ذروة قدرها 3.9% من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2027 و2028، ثم سيتراجع في العامين التاليين، مُواصلاً بذلك سجلاً ضعيفاً للاستثمار العام، يعود إلى الأزمة المالية العالمية.
وهناك دوافع نمو أخرى تبحث عنها ريفز، بما في ذلك تحرير الاقتصاد وزيادة استثمارات صناديق التقاعد البريطانية. إضافةً إلى ذلك، تسعى الحكومة إلى تبسيط قوانين التخطيط واتخاذ خطوات، وإن كانت محدودة، لإعادة بناء العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
لكن الحكومة مُقيدة أساساً بقواعدها المالية، فالوزارات مطالبة اليوم بالتوجه إلى وزارة المالية مباشرةً لمعرفة حجم إنفاقها، والخضوع لعمليات مراجعة دورية لتقدير حجم تدهور الوضع المالي، ما قد يؤدي إلى خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب. وهذا الأمر لا يُفرز استراتيجية نمو طويلة الأجل قابلة للتطبيق.
الشهر الماضي، أعلن صندوق النقد الدولي، المعروف بتأييده للإنفاق الحكومي غير المُقيد، بأن على المملكة المتحدة النظر في اتباع نهج أكثر براغماتية، لتجنب الاضطرار إلى تغيير السياسات بشكل مُتكرر، واقترح ألا تتطلب المخالفات البسيطة إجراءات تصحيحية فورية، وأن تقييم القواعد يجب أن يتم مرة واحدة سنوياً.
ولكن بريطانيا على ما يبدو، تحتاج إلى حل أكثر جذرية لتخرج من حلقة النمو المنخفض والإنتاجية التي لازمتها لعقدين من الزمن. وخلال هذه الفترة، تضاعف الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ثلاث مرات تقريباً، في حين استقرت حصيلة الضرائب الوطنية، ما يشير إلى أن جزءاً من المشكلة، يكمن في طريقة عمل وزارة المالية.
اليوم، تحتاج آلية الحكومة إلى إعادة ضبط للتركيز بشكل أكثر منهجية على الاستثمار الإنتاجي، الذي يمكن أن يساعد في نهاية المطاف على خفض الدين بمرور الوقت. وفي هذا الصدد، طلبت ريفز من المكتب المسؤول عن الميزانية تقييم الأثر طويل المدى لقرارات الإنفاق الرأسمالي، لتحديد ما إذا كان بإمكانها تحسين المالية العامة. كما تعمل على تغيير قواعد «الكتاب الأخضر» لوزارة الخزانة، التي تُملي الموافقة على المشاريع الرأسمالية، واستبدال التحليل الضيق للكلفة والعائد بتقييم الأثر في الأهداف الاستراتيجية الأوسع، مثل النهوض بالمناطق الأكثر فقراً في المملكة المتحدة. ومع ذلك، لا تزال المشكلة الأساسية، تتمثل بالنفوذ الكبير الذي تتمتع به وزارة الخزانة داخل حكومة المملكة المتحدة، وتضييقها الخناق المالي أكثر، ما يؤدي إلى تدهور آفاق النمو. وجادل باحثون حكوميون، بأن الثقل الاقتصادي لفريق رئيس الوزراء البريطاني بحاجة إلى تعزيز أكثر كقوة موازنة. إضافة إلى أن لدى بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وإسبانيا وهولندا وغيرها، وزارة مالية، وأخرى منفصلة تُركز على النمو الاقتصادي في قلب الحكومة.
في غضون ذلك، تتزايد الدعوات لتغيير جذري في وزارة المالية. ودعا موريس غلاسمان، عضو في مجلس اللوردات البريطاني، إلى إلغاء وزارة الخزانة والقواعد المالية الناظمة، والسعي إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية.
* مدير الاتصالات السابق في بنك إنجلترا، ومحرر في «رويترز»

22 أبريل 2025
«بوندسبنك».. وإصلاح أوروبا

مايك بيكوك *

وُصفت خطة ألمانيا للإنفاق الباذخ بأنها «مُغيرة لقواعد اللعبة»، ولكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن البنك المركزي الألماني «بوندسبنك» يبدو مؤيداً لها. وهذا التغيير الجذري في موقفه يزيد من فرص نجاح الاتحاد الأوروبي في تنفيذ خطته التي طال انتظارها لإنعاش الاقتصاد، لا سيما في ظل احتدام الحرب التجارية العالمية.
ونجح المستشار الألماني المُنتظر، فريدريش ميرز، مؤخراً في تسريع إصلاح نظام كبح الديون في البلاد، والذي يحد حالياً من عجز الموازنة إلى 0.35% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك لتمكين أكبر اقتصاد في أوروبا من زيادة الإنفاق الدفاعي بشكل كبير، وإنشاء صندوق بقيمة 500 مليار يورو لإصلاح البنية التحتية المتهالكة.
وفي الشهر الماضي، اقترح البنك المركزي إصلاحاً خاصاً، يسمح بزيادة اقتراض الحكومة الألمانية إلى حد أقصى قدره 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، إذا كان الدين أقل من 60% من ذلك الناتج، مع تخصيص النصيب الأكبر للاستثمار. وفي الوقت الذي كان فيه تدخل البنك المركزي الألماني أقل طموحاً مما قدمه ميرز، إلا أنه ربما كان أكثر إثارة للدهشة؛ إذ لطالما عارض المركزي الألماني بشراسة زيادة الديون.
في غضون ذلك، ورد في بيان للمنتدى الرسمي للمؤسسات النقدية والمالية «OMFIF» أنه «بالنسبة لمؤسسة مصرفية أسست على مدى العقود الماضية سمعة راسخة في رفض السياسات التي تُعدّ تضخمية أو مزعزعة للاستقرار، بدأ المركزي الألماني يكتسب خبرة واسعة في قول «نعم» بدلاً من «لا».
وهذا تغيير مرحّب به، فألمانيا بحاجة ماسة إلى الاستثمار في البنية التحتية. وبالنظر إلى قوتها التاريخية في الهندسة، فإن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تمكنها من أن تُصبح لاعباً رئيسياً في هذا القطاع، مع تعزيز البحث والتطوير على نطاق أوسع. وعلى الرغم من أن مراقبي التضخم سيشعرون بالقلق من العواقب، فإن ألمانيا لديها مجال واسع للاقتراض مقارنة بنظرائها. فبعد سنوات من الخمول، لم يحقق الاقتصاد أي نمو يُذكر، بل انخفض تضخم مؤشر أسعار المستهلك بشكل حاد من ذروته في عام 2022 إلى 2.2% فقط في مارس/آذار.
علاوة على ذلك، يقدّر جيل مويك، كبير الاقتصاديين في مجموعة «أكسا»، أن التحول المالي في ألمانيا قد يكون ذاتي التمويل في نهاية المطاف؛ حيث ستعوض عوائد النمو الاقتصادي الأقوى ارتفاع تكلفة الاقتراض التي يتطلبها سوق السندات.
وهذه أخبارٌ رحّب بها المستثمرون بشغف، ورفعت المعنويات بشكل كبير في مارس. حيث صعد مؤشر ثقة الاقتصاد لمعهد ZEW للأبحاث الاقتصادية إلى 51.6 نقطة، من 26.0 نقطة في فبراير/شباط، وطالت التأثيرات جميع أنحاء الاتحاد، مع نمو أسهم شركات الطيران والدفاع والبنوك الأوروبية في الربع الأول.
وبالطبع، قد يعيق قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية متبادلة على شركائه التجاريين العمل؛ إذ سيُعطل سلاسل التوريد، ما يسبّب ارتفاعاً حاداً في الأسعار، ويُلحق الضرر بالنمو العالمي. وقد أثر «يوم التحرير» الذي أعلنه ترامب بالفعل سلباً في الأسهم العالمية.
ولكن، على أي حال، فإن صدمة الرسوم الجمركية تجعل تغيير البنك المركزي الألماني لموقفه أكثر ترحيباً.
ويحتل «بوندسبنك» مكانة مرموقة في المجتمع الألماني. فقد تأسس البنك عام 1957، وكان حصناً منيعاً ضد التضخم، الذي تفشى بشكل ملحوظ في عشرينيات القرن الماضي. كما لعب دوراً محورياً في إعادة توحيد ألمانيا بعد نهاية الحرب الباردة، وشارك بشكل وثيق في إنشاء العملة الأوروبية الموحدة.
ولم يتردد المركزي الألماني في معارضة سياسات الحكومة. فخلال أزمة منطقة اليورو، قاوم العديد من الإجراءات الاستثنائية التي أثبتت في النهاية أنها حاسمة في منع انهيار الكتلة. لكن هذا الموقف تغير بقيادة يواكيم ناجل، الذي قال إن الأوقات الاستثنائية تبرر اتخاذ إجراءات مالية استثنائية.
ويُعدّ هذا التحول في المؤشرات مهماً. فمع تقارب البنك المركزي الألماني والحكومة الألمانية في السياسة المالية، من الممكن أن تخفف برلين أيضاً من معارضتها لإجراءات أخرى على مستوى الكتلة، مثل الاقتراض المشترك. كل هذا أمرٌ بالغ الأهمية، لأن الاتحاد الأوروبي يمتلك الآن خطة للإنعاش الاقتصادي وضعها رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراجي، ومفوضية أوروبية عازمة على تنفيذها.
ولم تكتفِ المفوضية بقبول دعوة دراجي للاتحاد الأوروبي لإنفاق ما يصل إلى 800 مليار يورو سنوياً لإنعاش النمو، بل إنها تتبع أيضاً توصيات حاسمة أخرى، مثل خفض لوائح الاتحاد الأوروبي ومتطلبات الإبلاغ عن الشركات، وإنشاء اتحادات للادخار والاستثمار والطاقة.
ورغم أن هذه القائمة من المهام شاقة بطبيعة الحال، فإن عقبة رئيسية أزيلت من طريق الاتحاد الأوروبي في سباقه للتكيف مع المشهد الاقتصادي العالمي سريع التغير، وهي تعنّت البنك المركزي الألماني. وكما هو الحال اليوم، يعود الفضل في ذلك، إلى حدٍ كبير، إلى دونالد ترامب. ففي الأوقات الاستثنائية، يصبح المستحيل ممكناً.

*مدير الاتصالات السابق في بنك إنجلترا، ومحرر سابق في «رويترز»