صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد عبدالله العوا
أستاذ جامعي
أحدث مقالات محمد عبدالله العوا
18 ديسمبر 2020
افتراض العلم بالقانون الجنائي

د. محمد عبدالله العوا *
تتولى الدولة وضع قواعد التأثيم الجنائي، حيث إن جوهر الجريمة هو الإخلال بشرطٍ يعتبره المجتمع – ممثلاً في مُشرّعه – من الشروط الأساسية اللازمة لكيان الحياة ووجودها، والقانون الجنائي يتخذ من العقوبة سبيلاً إلى حماية كيان المجتمع ونظامه وآدابه العامة.
ويأتي مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات على رأس الأصول القانونية الجنائية، فيما قررته المادة 27 من الدستور الإماراتي أنه «يحدد القانون الجرائم والعقوبات»، وهو المبدأ الذي يعبر عنه البعض بعبارة أنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، أي أنه لا يجوز الاتهام ولا العقاب إلا حيث يوجد نص قرره المشرع بتجريم قول أو فعل أو امتناع عن فعل.
إلا أن جوهر مبدأ الشرعية هو إحاطة المخاطبين بأحكام القانون، وكل من يوجد على إقليم الدولة علماً بنصوص التجريم والعقاب، وسواء كانوا من المواطنين أو الأجانب المقيمين أو الزائرين طواعية لقواعد سيادة الدولة على إقليمها، والأصل أن تحقق العلم اليقيني بالقوانين لاسيما الجنائية هو أمر عسير، لذلك غدا اللجوء إلى سبيلٍ آخر وهو «افتراض العلم بالقانون» وذلك بمجرد نشره في الجريدة الرسمية للدولة، وهي قرينة قانونية غير قابلة لإثبات العكس، والأصل أن يبدأ العمل به بعد شهر من تاريخ نشره ما لم ينص على تاريخ آخر في القانون ذاته وفق ما نصت عليه المادة 111 من الدستور الإماراتي.
ومن ثم لا يقبل من أحد – لتفادي العقاب – الادعاء بجهله بالقانون، حيث إن اعتبارات المصلحة العامة تتطلب من المشرع أن يضع العلم «اليقيني» على قدم المساواة مع العلم «المفترض»، والقول بغير ذلك يلحق أبلغ الضرر بتعطيل القانون الذي يهدف إلى حفظ النظام العام في المجتمع، وعلى ذلك لا يقع على عاتق النيابة العامة – باعتبارها سلطة الاتهام – عبء إثبات علم المتهم بتجريم الفعل محل الاتهام، بينما يقع على عاتقها عبء إثبات قيامه بالفعل المؤثم قانوناً فيما يعبر عنه بالركن المادي للجريمة، وذلك عن علمٍ وإرادة فيما يعبر عنه بالركن المعنوي للجريمة إذا كانت من الجرائم العمدية التي يتطلب لها المشرع قصداً جنائياً عاماً أو خاصاً.
وتوكيداً لذلك نصت المادة 42 من قانون العقوبات الاتحادي الإماراتي على أنه «لا يُعتبر الجهل بأحكام هذا القانون عذراً»، بيد أن «الجهل» يختلف عن «الغلط»، فالأول هو تلك الحالة الذهنية السلبية التي تجعل العقل خالياً تماماً من إدراك القاعدة القانونية المجرمة، وهو ما يختلف عن الغلط الذي يمثل الحالة الذهنية الإيجابية الذي يقوم معه في العقل إدراكاً لنص التجريم، ولكنها غير صحيحة ولا مطابقة للصورة الواقعية التي أرادها المشرع، فعلى سبيل المثال من يُسنِد إلى غيره علانية واقعة رشوة أو اختلاس أو سرقة، فهي بلا شك تجعل المُسنَد إليه – لو صحت الواقعة - محلاً للعقاب والازدراء، إلا أن القانون يعاقب على ذلك الإسناد بجريمة القذف العلني المؤثمة بالمادة 372 من قانون العقوبات الاتحادي التي تصل بالعقوبة إلى الحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بالغرامة التي لا تجاوز عشرين ألف درهم، ورغم غلط المتهم باعتقاده أن هذا الإسناد مباحاً في القانون لصحة الواقعة محل الإسناد، إلا أنه لا يُعتدّ بهذا الغلط لأنه يتعلق بحكم من أحكام قانون العقوبات، ولا يعصمه من ذلك التجريم إلا إثبات صحة الواقعة المتصلة بالوظيفة أو الخدمة متى كان إسنادها موجهاً إلى موظف عام أو مكلف بخدمة عامة، أو كان هذا الإسناد ضمن الدفاع الشفوي أو الكتابي للخصوم أمام المحاكم أو جهات التحقيق في حدود حق الدفاع، أو كان الإسناد بحسن نية محلاً لبلاغ إلى السلطات القضائية أو الإدارية بأمر يستوجب مسؤولية فاعله وفق نصوص المواد 375 و 376 و 377 من قانون العقوبات.
ولا ينال مما سبق إذا استقر عرف بين الناس يُتسامح معه في شأن الفعل الذي جرمه القانون، بحيث أصبح يُنظر إليه باعتباره فعلاً مباحاً، فرغم ذلك يظل نص التجريم هو الواجب التطبيق، وعلى ذلك إذا تسامحت السلطات العامة في شأن من يخالفون بعض نصوص التجريم في بعض الأوقات أو الظروف مما جعل الناس يعتقدون بشرعية هذه الأفعال، فإن ذلك لا يدعم موقف المتهم إذا ادعى جهله بتجريم هذه الأفعال.
وحيث إن دولة الإمارات العربية المتحدة لغتها الرسمية هي اللغة العربية وفق نص المادة 7 من الدستور، وهي أيضاً لغة المحاكم وفق نص المادة 4 من قانون الإجراءات المدنية، وتجرى تحقيقاتها الجنائية من النيابة العامة باللغة العربية وفق نص المادة 70 من قانون الإجراءات الجزائية، فقد حرص المشرع - كفالة للحق في الدفاع - على وجوب الاستعانة بمترجم في جميع مراحل جمع الأدلة وتحقيق النيابة العامة والمحاكمة الجنائية عند جهل المتهم للغة العربية وفق نصوص المواد 36 فقرة 2 و 70 فقرة 2 من قانون الإجراءات الجزائية، فضلاً عن نص المادة 4 من قانون الإجراءات المدنية. 
بيد أن طبيعة الاقتصاد في الدولة ومن يعيش على أرضيها من جنسيات عديدة يدعو كاتب هذه السطور – استعداداً للخمسين - إلى النظر بعين الاعتبار إلى السعي لترجمة قانون العقوبات والقوانين العقابية الملحقة به والتشريعات الجنائية الخاصة إلى اللغات الأجنبية الرسمية الخمس الأُخر للأمم المتحدة – على الأقل – وهي الصينية والإنجليزية والفرنسية والروسية والإسبانية، تحقيقاً لريادة الإمارات في السوابق القانونية، وكفالتها لحسن تطبيق مبدأ افتراض العلم بالقانون الجنائي، وإتاحة هذه الترجمات على المواقع الإلكترونية الرسمية المختلفة، حتى لا يكون الجهل بأحكام اللغة العربية عذراً يؤدي إلى الادعاء بالجهل بأحكام القانون.
وللحديث بقية ما دام في العمر بقية
* أستاذ القانون الجنائي المساعد - كلية القانون – جامعة أبوظبي