د. مصطفى الفقي
ما أكثر ما شهد التاريخ الإنساني من جرائم مروعة تجسدت جميعها تحت عنوان إبادة الجنس البشري، ونحن نسمع عن بعضها في مناطق العالم المختلفة، ولكن أكثرها تأثيراً، هي تلك المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط، بدءاً من مذبحة الأرمن عام 1915، والتي تتواتر حولها الروايات لما فيها من تهجير قسري، وملاحقة بشرية.
وقد عرفت شخصياً، منذ سنوات بعيدة، حلّاقاً أرمني الأصل وفد إلى مصر مع أسرته هرباً من المذابح ضد الأرمن، وكان يحكي دائماً أن جده كان هو الحلّاق الخصوصي للسلطان العثماني، وأن السلطان استدعاه، ذات مساء، وطلب منه الرحيل مع أسرته في أقرب وقت للنجاة بحياتهم من موت محقق. وقد ترددت قصص كثيرة في هذا السياق، ولكنها لا تخلو، أحياناً، من مبالغة درامية في تصوير ما جرى، حتى قيل إن الأتراك كانوا يضربون رؤوس العلماء المتميزين من الأرمن بكتلة حجر حتى تتهشم تلك الرؤوس الأرمنية الذكية.
ولا بدّ أن أعترف هنا، بأن التاريخ البشري حافل بمبالغات معروفة وإخراج درامي لا ننكر وجوده، وقد انتشر الأرمن بعد ذلك في دول المشرق العربي ومصر، حتى أصبح منهم وزراء ونواب برلمان في لبنان، وغيرها، من ذوي الأصول الأرمنية، في مجالات السياسة والأدب والفن والموسيقى والسينما والمسرح.
ثم أطلت الحرب العالمية الثانية، وتعقبت النازية العنصرية اليهود في ما يعرف ب(الهولوكوست)، ويقع كثير من المناصرين للقضية الفلسطينية في خطأ إنكار وجوده، وتلك سقطة لا مبرر لها، فنحن نعترف بأن ذلك قد حدث، وأن أفران الغاز النازية قد حصدت أرواح أعداداً من يهود أوروبا، خصوصاً الألمان، حيث كان أدولف هتلر، مقتنعاً بأن اليهود هم سبب هزيمة بلاده في الحرب العالمية الأولى، ولكن اعتراضنا يأتي من رفضنا أن يكون البديل للجريمة النازية ضد اليهود، هو جريمة أخرى ضد أرض فلسطين، في ظل سياسة عنصرية توسعية عدوانية تعيد منطق «الهولوكوست» الذي جرى ضدها، وتحيله إلى سياسة ممنهجة ضد الشعب الفلسطيني، على مدار ثلاثة أرباع قرن مضت، فيها دماء، وأشلاء، وقتل الأبرياء، تنفيساً عن جريمة جرت ضدهم خلال سنوات الحرب الع1المية الثانية.
وكان يمكن أن تتحول هذه الطاقة الناجمة عن جرائم النازية إلى طاقة إنسانية عكسية تدعو دولة إسرائيل إلى تجنب جرائمها الوحشية، حتى لا يجرع السم بشر يدافعون عن أرضهم ووطنهم. بل كان يجب أن يؤدي ذلك إلى تعاطف إنساني مع الحقوق الفلسطينية، والسعي الحثيث نحو العيش المشترك في ظل روح التسامح وأجواء السلم، والتوقف عن تكرار الجرائم ضد الإنسانية.
وقد عرفت البشرية أنماطاً من حروب الإبادة، ونحن نتذكر في هذه المنطقة من العالم، مذابح دير ياسين، وبحر البقر، وصبرا وشاتيلا، وغيرها من عشرات الجرائم المروعة التي ارتكبتها إسرائيل بدمٍ بارد، وجعلتها دائماً نمطاً متكرراً في تعاملها مع العرب، خصوصاً مع الشعب الفلسطيني، ثم نأتي للحرب الأخيرة على غزة، والتي فاقت فيها عدوانية إسرائيل كل الحدود، وأصبحت نموذجاً رهيباً لجريمة الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، وقتل أكبر عدد من الأطفال في تاريخ الصراع الدامي حول القضية الفلسطينية.
إنني أكتب هذه السطور حول الجرائم البشعة التي اقترفتها الدولة العبرية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حتى ظهر رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو في صورة الجلاد المتعطش إلى الدماء، وحوله جوقة من رموز اليمين الإسرائيلي المتطرف ليزيّنوا له فعلته، ويمضوا معه على طريق لن يصل في النهاية إلا إلى حائط مسدود قد يكتب نهاية الحلم الصهيوني برمته.
وإذا كانت بعض الدول آثرت الاعتذار عن جرائمها، ومحاولة التكفير عن خطاياها، انطلاقاً من نظرية التطهر البشري والتكفير الإنساني عن الخطايا، خصوصاً أن سفك الدماء هو قمة الجرائم الموجهة ضد البشرية عبر تاريخها الطويل، إلا أننا نظن أن دولة، مثل إسرائيل، قد تنكرت دائماً للشرعية الدولية، واستخفت بأحكام القضاء الدولي، لن تفيق ذات يوم لتقول إنني أجرمت في حق غيري من أصحاب الأرض وشعوب المنطقة، ولكن ذلك بالطبع غريب على الأسلوب الإسرائيلي في التعامل مع الغير منذ عقود طويلة.
إنني أسجل هنا وقد أصابنا جميعاً اكتئاب حاد من مناظر الأشلاء والدماء، والأطفال اليتامى، والأمهات الثكالى، والدموع الحزينة في عيون الأطفال الذين ترسخت في ذاكرتهم صور الجرائم وعمليات الترحيل الحزين، والخروج البائس من بيوتهم المهدمة، وأرضهم المحتلة، ليدفعوا ثمن البغي والعدوان والظلم والطغيان، وهنا نتساءل هل يمكن النسيان؟ وهل نستطيع ذات يوم الغفران؟
د. مصطفى الفقي
ظل الأزهر الشريف قلعة منيعة للدفاع عن الحريات والانتصار لقضايا الإنسان، وتاريخه يشهد أنه انحاز دائماً للجانب العادل في كل قضية، ودافع عن الإنسان المقهور في كل مجال، وتعاطف مع المستضعفين من كافة الشعوب والديانات، ورفض دائماً منطق القهر والعدوان وظلم الإنسان لأخيه الإنسان. والأزهر بالنسبة للمصريين هو الملاذ عبر العصور، وهو الذي واجه مظالم العصر التركي والتسلط المملوكي، وظل ملاذاً لكل من يلجأ إليه.
وتاريخ العلاقة بين الأزهر الشريف والقضية الفلسطينية ناصع البياض، فقد وقفت تلك القلعة الإسلامية المصرية إلى جانب الأشقاء الفلسطينيين منذ البداية، ونجحت في تأكيد أن الصراع سياسي بشري وليس دينياً روحياً على الإطلاق، ولقد كان ذلك واضحاً في أطروحة الدكتوراه للإمام الراحل شيخ الأزهر السابق الدكتور محمد سيد طنطاوي، وكانت عن اليهود في القرآن الكريم، فقد نأى الأزهر بنفسه عن التورط في تعصب ديني أو الانغماس في هوس عقائدي حول تلك المشكلة المعقدة وهي الصراع العربي الإسرائيلي، وحتى عندما تجاوب الأزهر مع قضية القدس وقدسية المسجد الأقصى، فإنه فعل ذلك من منظور سياسي أيضاً، على اعتبار أن القدس جزء من الضفة الغربية المحتلة، وهي أرض فلسطينية لكل أهل الديانات على حد سواء، لذلك فإن تعامل الأزهر الشريف مع القضية الفلسطينية كان دائماً تعاملاً موضوعياً من منظور سياسي.
وفي الحرب الحالية على غزة ومأساة الشعب الفلسطيني الدامية المكللة بالأحزان والأوجاع والدموع، وقف الأزهر الشريف، خصوصاً إمامه الأكبر الدكتور أحمد الطيب، موقفاً شد الانتباه ولفت الأنظار، لأن الأزهر الشريف في ظل شيخه -أستاذ الفلسفة الإسلامية- وعى جيداً أبعاد المأساة من يومها الأول، ودافع بقوة عن الشعب الفلسطيني المقهور، رغم بسالة أبنائه التي لا نظير لها، وشجاعة مقاتليه التي تبدو كأنها أسطورة نضال من أعماق التاريخ السحيق، وملحمة جهاد من ضمير الإنسانية المعذبة في مواجهة القوى العنصرية العدوانية الاستيطانية.
ولقد حرص الأزهر الشريف في ظل شيوخه العظام على أن يكون ركيزة للشعب الفلسطيني وظهيراً له ليس دينياً فقط، ولكن ثقافياً وتعليمياً أيضاً، فالجامعة الأزهرية في غزة كانت وما زالت وسوف تظل منارة للهدى وحسماً للحق.
ولحسن الحظ، فإن الأزهر الشريف قد وسع دائرة انتشاره عالمياً، وامتدت مظلته في أركان الدنيا تدافع عن الحقوق وتحمي الحريات وترفض الضيم، بل إن للأزهر الشريف -لمن لا يعرفون- مكانة فريدة وقيمة كبيرة لا في العالم الإسلامي وحده، بل على الساحة الواسعة لأصحاب الديانات الكبرى سماوية أو أرضية.
ولا عجب، فهو الأزهر السبّاق في كل معارك الحق، وهو المدافع عن كل قضايا الضمير الإنساني في عمومه، بل هو أيضاً الرائد في ميدان العلم والمعرفة.
إن معارك غزة قد كشفت عن الجوانب المضيئة في حياتنا، وأوضحت أيضاً الجوانب المظلمة لدى خصومنا، وسوف يبقى الأزهر الشريف -جامعاً وجامعة وشيخاً- مصدر ضياء يقود إلى الحق، ويدعو إلى الخير، ويرفض الظلم، ويلفظ العدوان.
د. مصطفى الفقي
مع الأيام الأولي للعام الميلادي الجديد، يحسُن بنا أن نراجع بعض التعريفات التي نستخدمها بلا وعي وبلا تركيز أحياناً، ومن أمثلتها تلك العلاقة بين ما هو مرحلي، وما هو دائم، بين ما هو تكتيكي، وما هو استراتيجي، إذ نلاحظ غالباً أن العقل الشرقي يستغرق في الإجراءات، وقد تغيب عنه السياسات، كما تذوب المؤسسة أحياناً في شخصية الفرد الذي يقودها. ولكي أكون واضحاً فإنني أقرر ما لاحظته في تكوين العقل العربي عندما يكون فاعلاً، أو رد فعل، فهو في الحالين يلجأ إلى إجراء جديد، ولا يغوص أعمق من ذلك في سياسة مختلفة، ومرجع ذلك يعود إلي اهتمامه بالشكل من دون المضمون، والتعلق بالتفاصيل من دون الإمساك بتلابيب الظاهرة، والخروج منها بسياسة عامة تسمح بعد ذلك باستدعاء التفاصيل المطلوبة، وليس ذلك جديداً على العقل العربي المعني غالباً بالنظرة الصغرى من دون الرؤية الكبرى أي بال(Micro) قبل (Macro) كما أنه يستغرق في لغة المونولوج متحاشياً أسلوب الديالوج، لأنه لا يستطيع التسامح مع الرأي الآخر، وقد تسيطر عليه، أحياناً، فلسفة القطيع، فيجري وراء إجراءات يتخذها من دون التفكير في سياسات معقولة، والسبب في ذلك يعود إلى عدد من العوامل، أهمها أسلوب التربية، ثم نوعية التعليم، ثم المناخ العام السائد، ثم البيئة الاجتماعية الحاضنة، وهذه العوامل الأربعة هي المحددات المعتادة عند تقويم فكر معين، أو التفتيش في رؤية بذاتها، فأسلوب التربية التي تبدأ من الأسرة وتتأثر بدرجة تماسكها، هي المتغير المستقل الذي تتبعه متغيرات أخرى تسهم في تكوين الشخصية.
إن المناخ الذي يسود أركان المجتمع في مرحلة معينة يكون مؤثراً في مكونات العقل الجمعي والإرادة الطوعية. فمناخ العصر الناصري اختلف تماماً عن المناخ الذي كان سائداً في العصر الملكي، بحيث سادت ثقافة لم تكن مطروقة من قبل، كما يسود نظام جديد ينعكس على الفرد وعلاقته بالمؤسسة. حتى أن المفكرين الكبار اختلفت أساليبهم بعد ثورة يوليو، عما قبلها، وأصبحنا أمام مشاهد لم تكن معتادة من قبل، خصوصاً ما يتصل بالتوجيه الإعلامي، والخطاب السياسي، وانصراف الناس عن مفهوم السياسات العريضة إلى التفاصيل الصغيرة والإجراءات الجديدة.
قد يقول قائل: إن مسارات الصعود الطبقي قد غيرت ذلك المفهوم السائد عن الارتباط بين المستوى الاجتماعي والعمق الفكري، وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن تبقى في النهاية ظلال لا تزول كأثر للواقع الاجتماعي الذي خرج منه صاحب الشخصية، وهنا تلعب نوعية التعليم، مرة أخرى، دوراً مهما في هذا الشأن..
إنني أكتب هذه السطور لكي ألقي الضوء على العلاقة بين الفرد والمؤسسة، بين المواطن والدولة، بين من يخضعون للإجراءات ومن يضعون السياسات، وأدعو بحماس شديد إلى التفكير الشامل الصادر عن الرؤية المتكاملة، بعيداً عن النظرة الجزئية التي لا تُلمّ بالأطراف المختلفة للقضية الواحدة، وأطالب بإعادة منهجة العقل العربي من خلال العوامل التي سُقناها لكي يصبح معنياً بالسياسات العامة قبل المضي وراء الإجراءات الفرعية.
إنها سطور تطرق أبواب المستقبل بعد أن اكتشفنا أن الاختلاف بين العقل العربي والعقل الغربي هو عامل مؤثر في طبيعة الوجود المشترك على أرضية وطنية واحدة، بين كل أصحاب الرؤى والأفكار والمواقف، إذ إن توظيف العقل في خدمة الإنسان لا يتحقق إلا بالانتقال من الدائرة الأوسع إلى الأضيق، وليس العكس، فالسياسات هي قاطرة الحياة، بينما الإجراءات هي العربات التي تجرها تلك القاطرة المشتركة، إنها قضية العلاقة بين ما هو كلي، وما هو تفصيلي، من الناحية الموضوعية، وبين ما هو مرحلي وما هو دائم من الناحية الزمنية، وبين ما هو تكتيكي مؤقت واستراتيجي دائم، من منظور الرؤية الشاملة التي تحدد المسار وتستشرف المستقبل، وترى الضوء في آخر النفق مهما كانت المصاعب والتحديات، بل والعقبات والمشكلات.
د.مصطفى الفقي
لعلنا نذكر – خصوصاً في هذه الأيام – ما قام به شاب عراقي هو الكاتب الصحفي منتظر الزيدي الذي قذف بحذائه الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش وهو يقف في مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء العراق حينذاك نوري المالكي، ورأينا على شاشات التلفزة الموقف كله وكيف تفادى الرئيس الأمريكي القذيفة الأولى من فردة الحذاء اليمنى ثم القذيفة الثانية من فردة الحذاء اليسرى. لقد وقف الخلق ينظرون جميعاً لذلك الحادث الفريد الذي لم نشهد له مثيلاً من قبل، وأتذكر أن رجال الأمن تكالبوا على منتظر الزيدي وطرحوه أرضاً كما لو كانوا يتعمدون الفتك به، وقلت وقتها: «إنه شهيد الكرامة يمضي في مواكب من يسجلون مواقف تاريخية لخدمة أوطانهم».
وقد جرى حبس منتظر الزيدي لفترة جرى فيها تعذيبه ووضعه في زنزانة انفرادية كما تعرضت أسنانه وأصابع يديه للتكسير بسبب حملات الضرب والتعذيب التي خضع لها، وكنا نشعر بتعاطف مع ذلك الشاب العراقي الذي دفعته شهامته وكرامته إلى القيام بما فعله متحدياً سطوة أمريكا في العراق حينذاك وإمكانية قتله في أية لحظة داخل السجن أو خارجه.
ومرت الأيام وقمت شخصياً بزيارة لمدينة بيروت بعد ذلك بعدة سنوات مدعواً من نجيب ميقاتي رئيس وزراء لبنان الحالي للمشاركة في ندوة حول الوسطية في الفكر السياسي المعاصر. وفي مساء يوم زيارتي لبيروت كانت المفاجأة أن ألتقي في الفندق الذي أقيم فيه بالشاب الفدائي منتظر الزيدي الذي حكى لي تفصيلاً الواقعة وكان يبدو منشرحاً راضياً مؤمناً بأن ما فعل هو أقل ما يجب أن يكون رداً على من غزا العراق ودمر بلاد النهرين صاحب الحضارة البابلية والآشورية ثم العربية والإسلامية.
ولقد حكى لي يومها أمراً لم أكن قد التفت إليه وهو أن الجنود والحرس الأمريكي للرئيس عندما أمسكوا بالزيدي كان همهم الأول هو الحصول على فردتي الحذاء والجري بهما إلى مكان غير معروف، وتفسيره لذلك أنهم كانوا يتوقعون أن يتحول الحذاء إلى رمز يجري الاحتفال به من الجانب العراقي والعربي في المناسبات المختلفة بوضعه في فاترينة زجاجية داخل موقع يصبح مزاراً لكل من يريد أن يكتب عن تلك الواقعة الفريدة في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة. أكتب الآن حول هذا الموضوع متذكراً أن منتظر الزيدي حكى لي يومها أيضاً أنه اشترى ذلك الحذاء من محل في شارع جانبي متفرع من شارع الهرم بمصر أثناء زيارته لها قبيل الحادث، وكأنما كانت الأقدار ترتب لما جرى بحيث يكون الحذاء قذيفة عربية موجهة إلى وجه الرئيس الأمريكي حاملة كل معاني الأحزان التي عاشها العرب في فلسطين والعراق وغيرهما من مناطق العدوان الأمريكي عليهم في العقود الأخيرة.
الزمن يمر ولكن خمسة عشر عاماً لم تمسح ما جرى ولم تؤدّ إلى غياب ذلك الحدث الفريد عن الذاكرة العربية في ظل أحداث غزة المأساوية والدعم الأمريكي المطلق لدولة إسرائيل بعدوانها الدامي الذي قتلت فيه آلاف الأطفال الفلسطينيين وألقت بالرضع منهم في المستشفيات حتى جرى دفنهم تحت أرضها.
ثم يتساءل الأمريكيون بعد ذلك: لماذا يكرهوننا؟ والإجابة ببساطة أنه لا توجد لدينا مشكلة مع الشعب الأمريكي بل العكس هو الصحيح، ولكن المشكلة الحقيقية هي مع توجهات بعض القيادات الأمريكية خصوصاً في ظل أحداث غزة الأخيرة والانحياز الكامل والفاضح من جانب واشنطن ضد الشعب الفلسطيني بحجة القضاء على المقاومة، متناسين أن السبب في كل ذلك يبدأ من استمرار الاحتلال وعمليات القهر المستمر والسياسات العنصرية الاستيطانية.
د. مصطفى الفقي
يبدو مسرح الأحداث دامياً، والحديث عن تسوية القضية الفلسطينية يلوح من بعيد كنوع من الترف الذي لا يمكن تحقيقه في المستقبل القريب. فالدماء، والأشلاء، والأحزان والدموع، هي كلها، سيدة الموقف، بسبب ما ارتكبته إسرائيل من جرائم وفظائع لم نر لها مثيلاً في التاريخ المعاصر، ومع ذلك فإنني أجازف بطرح رؤية سياسية تفتح الأبواب نحو أفكار يمكن أن تؤدي إلى حقن الدماء، إذ يكفي ما جرى ليثبت أن إسرائيل لا تتصرف كدولة احتلال، ولكن تتعامل مع الفلسطينيين بجبروت القوة الأمريكية، والدعم أللا محدود من جانب واشنطن في ظل حكم رئيس أمريكي ضعيف، لا يعنيه من مستقبل المنطقة شيئاً، مع عمره المتقدم، ورؤيته المحدودة التي سمحت له بأن يحضر مجلس الحرب الإسرائيلي أثناء زيارته للدولة العبرية، وتشجيعه للمشاعر الانتقامية لدى أصحاب شهوة الدم، والمضي في التدمير والتخريب وإزهاق أرواح الأبرياء، في ظل تدفق الدعم السياسي الغربي لإسرائيل.
وهنا أطرح بعض الأفكار على استحياء، فالظرف صعب، والوضع معقد، والنفوس معبّأة بشحنات قوية من الألم البشع، والحزن الدفين:
{ أولاً: إنّ أحداث غزة الأخيرة يمكن أن تكون الكابوس الأعظم في تاريخ الشعب الفلسطيني، ولكنها يمكن أن تتحول أيضاً، إلى طاقة إيجابية تحول دون تكرار هذه المآسي، وأنا أرى رغم المناخ المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون، أنه يجب التقدم بطرح سياسي يبدو في مظهره ومخبره عادلاً شاملاً لكل الأطراف، وعلى الصعد كافة، إلا أنني أُطالب الأشقاء الفلسطينيين بأن يلملموا جراحهم في أسرع وقت، وأن يرتفعوا فوق الأحزان والآلام والدموع والدماء، حيث تُعيد حركة حماس النظر في برنامجها، الفكري والسياسي، واتجاهها الوطني الخالص، بحيث تستوعب الرأي العام العالمي في أكثر الظروف الدولية تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني المناضل، صانع المعجزات، الذي دفع أغلى فاتورة للدم عبر تاريخه المعاصر.
وسوف يقول قائل: إن حركة حماس قد عدلّت من برنامجها السياسي عام 2017، وأوحت في إشارة واضحة إلى اعترافها بدولة إسرائيل، ولكن لم يشفع ذلك التطور المعتدل، فكانت المذابح والمجازر وحمامات الدم، هي كلها، الرد الإسرائيلي.
{ ثانياً: إن جرائم إسرائيل وأساليبها أصبحت مكشوفة أمام المجتمع الدولي، بعد أن مارست كل وسائل العنف، وأصبحت بحق النموذج الأول لمفهوم (إرهاب الدولة)، وبذلك فنحن أمام نمط جديد من أنماط الاستعمار الاستيطاني في أبشع صوره، وهنا أطالب، بشدة، بتوثيق جرائم إسرائيل الأخيرة المحددة بشخصيات معروفة، بدءاً من نتنياهو، رئيس الوزراء، مروراً بوزير دفاعه، وصولاً إلى قيادات اليمين المتطرف في الحكومة الحالية، وذلك لتقديم الحقائق الموثقة للمحكمة الجنائية الدولية، حتى يكون هناك رصيد تاريخي لجرائم إسرائيل التي لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.
إن ما أريد قوله، هو أن القضية الفلسطينية لا تعالج بالإجراءات، ولكنها تحتاج إلى إرادة قوية وشجاعة باسلة وحكمة، رفيعة وسياسات واقعية، تدرك كيف يتصرف الطرف الآخر في هذه الظروف، وما هي وسائلنا المتعلقة بالإرادة السياسية التي تدعم النضال الحقيقي والكفاح المسلح المعتمدين على قوة المقاومة الفلسطينية التي تمثل قضية العرب الأولى، بل ومأساة العالم المعاصر.
د. مصطفي الفقي
ليس المهم أن نعرف صورتنا، ولكن الأكثر أهمية هو أن نعرف صورتنا لدى الآخر، ولست أشك في أن صورة العرب لدى الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول المنضوية تحت لوائها، هي صورة مهترئة، لا تشكل رسالة قوية أمام الطرف الآخر. وقد أثبتت حرب غزة الأخيرة، بحمامات الدم وأكوام الأشلاء والحجم الضخم من الأكاذيب التي يطلقها الغير ضدنا، ضرورة مراجعة كل ما يجري حولنا.
ونحن كعرب، ندرك جيداً الاستخفاف التاريخي من جانب الغرب تجاهنا، وتآمره علينا، وعبثه بثرواتنا، وعدوانه على أرضنا، وسفك دماء أبنائنا، لأنه لم يجد رادعاً، أو حائط صدّ يحول دون جرائمه، ويجب أن نعترف بأننا، على الجانب الآخر، نعطيه ذريعة لما يفعل، ونقدّم له على طبق من فضة أسباب البطش بنا، والعدوان علينا، نتيجة تصرفات غير مدروسة، ومواقف يدفعنا إليها من يكتشفون ضعفنا، وهوان أمرنا، رغم البسالة منقطعة النظير التي يبادر بها أبناء الشعب الفلسطيني المناضل، الذي لم يدخر وسعاً للسعي لتحرير وطنه، وإقامة دولته المستقلة.
لقد اكتشف الغرب - وحليفته إسرائيل - أننا لا نملك من أمرنا شيئاً، وأننا نقول ما لا نفعل، ونفعل ما لا نقول، وأننا للأسف، ظاهرة صوتية، فتكالبت علينا الأطماع وتزاحمت فوق رؤوسنا الخبطات من (سايكس بيكو)، إلى وعد بلفور، إلى هزيمة 1948، ونكسة 1967، ورغم إشعاع الضوء الذي انطلق من بلادنا عام 1973 في حرب العبور، إلا أن هناك ملاحظات تدور حول الحرب، ونتائجها الدامية، ونتساءل هنا: هل المطلوب هو إثبات الوجود، أم تحقيق أهداف تتصل بتحرير الأرض وإقامة الدولة الفلسطينية؟
وأنا كعربي مصري، أتابع نظرة الغير لبلادي، وأرى أنها لا تخلو من التحامل علينا، والإساءة إلينا، والطمع فينا، فهم يحاولون ضرب المنطقة من كل اتجاه، وأنا أشعر - أرجو أن أكون مخطئاً - بأن هناك مخططاً خاصاً يستهدف الدولة المصرية في إطار حرب غزة الفلسطينية بمشروعات خبيثة، وأفكار لا تستند إلى شرعية دولية، كما أنها لا تحترم إرادة الشعوب، بل ولا تستمع لصوت العقل.
إن السعار الذي أصاب إسرائيل ورئيس وزرائها، نتنياهو، قد جعلهم يشرعون في سفك الدماء، وهدم المدن، وترويع الآمنين، في حدود تتجاوز مئات المرات مفهوم الدفاع الشرعي عن النفس، وهو أمر أصبح واضحاً لكل ذي عينين، ولكن الولايات المتحدة تغضّ الطرف عن كل ذلك إلى الحد الذي جعل رئيس دولتها يحضر مجلس الحرب الإسرائيلي، ويشارك في التخطيط الدائم للمعركة، كما ظهر وزير خارجيته لكي يشعل مزيداً من النيران، ويطالب بالتوقف عن النداءات، الدولية والإقليمية، لوقف إطلاق النار التي قد تمتد آثارها إلى حرب كونية، ولو بعد حين، ثم خرج علينا وزير إسرائيلي بدعوة جنونية لاستخدام قنبلة نووية من الترسانة الإسرائيلية لمحو غزة من الوجود.
إن صورتنا لدى الآخر لا بد أن تتغير، ولا يحدث ذلك إلا بتحول حقيقي في العقل العربي، لكي يتواكب مع خطورة الأحداث، وصعوبة المواقف، لأن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، وقد حان الوقت لكي نفيق من الممارسات البالية وعصور الظلام التي لاحقت تاريخنا، وأغرت الغير بانتهاك سيادتنا، والعدوان على أرضنا..
إن الوفد العربي الإسلامي المقترح لبدء تحرك فوري لوقف المجزرة الإسرائيلية في غزة، يجب أن يحمل لغة جديدة واقعية وحاسمة، ويطلب الوفد الرفيع لقاء الرئيس الأمريكي وأركان الإدارة المختلفة في واشنطن، وليت ذلك يكون تحت مظلة مجلس الأمن. ولا شك في أن ترشيد القرار العربي، والقدرة على التخاطب مع الآخر بلغة يسمعها لأول مرة، سوف يخرج بالجميع من هذا المأزق ويسمح ببداية التفكير في تسوية شاملة وعادلة إذا صدقت النوايا، وخلصت النفوس، وإن كان ذلك يبدو أمراً بعيد المنال.