الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
نيكولاس سبيرو
شريك في مجموعة «لوريسا» الاستشارية المتخصصة في العقارات والاقتصاد الكلي
أحدث مقالات نيكولاس سبيرو
23 يونيو 2024
آسيا وقوة الدولار

نيكولاس سبيرو *

تضطر البنوك المركزية في بعض الدول الآسيوية إلى ضخ مليارات الدولارات لدعم عملاتها في ظل تبدد الآمال بتخفيف السياسة النقدية الأمريكية هذا العام، ما يسفر عن ارتفاع في قيمة الدولار مقابل تلك العملات.

وكانت أحدث خطوة على هذا الصعيد تخصيص بنك اليابان عشرات المليارات من الدولارات مؤخراً لدعم الين بعد انخفاضه إلى أدنى مستوى منذ 34 عاماً مقابل الدولار الأمريكي. إذ هوى بأكثر من 10% مقابل الدولار هذا العام، ما رفع خسائره خلال السنوات الثلاث الماضية إلى 43%.

إن استمرار تراجع العملة اليابانية، على الرغم من القرار بالغ الأهمية الذي اتخذه بنك البلاد المركزي في مارس/آذار برفع تكاليف الاقتراض للمرة الأولى منذ عام 2007، ينبئنا بالكثير عن القوى التي تحرك أسواق العملات.

ويبدو أن فروق أسعار الفائدة هي الأداة الأكثر استخداماً من قبل صناع القرار. وتتراوح أسعار الفائدة القياسية في الولايات المتحدة بين 5.25% إلى 5.5% مقابل 0% إلى 0.1% في اليابان، ما يزيد من جاذبية الاستثمار في الأصول ذات العائد المرتفع المقومة بالدولار الأمريكي.

وكان احتمال ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول، وبقاء الدولار الأمريكي أقوى لفترة أطول أيضاً، سببين في ضرب الأسواق الآسيوية بشدة بشكل خاص. وبهذا الصدد، يُعَد الين المثال الأكثر تطرفاً لنقاط الضعف على مستوى المنطقة. وباستثناء الهند، فإن أسعار الفائدة في الاقتصادات الرئيسية في آسيا أقل بكثير من نظيراتها في الولايات المتحدة، على عكس أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، حيث تظل تكاليف الاقتراض في الأسواق الرائدة أعلى على الرغم من بدء دورات التيسير النقدي.

وهذا يضع آسيا في وضع غير موات، خاصة بعد أن تلاشت الآمال في أن يخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة هذا العام. ويشير بنك «إتش إس بي سي» إلى أن العملات الآسيوية ذات العائد المنخفض تتحمل وطأة السياسة النقدية الأمريكية، حيث يركز المستثمرون «على المستوى النسبي لأسعار الفائدة».

ويتم استخدام العملات الآسيوية، بما في ذلك الرينغيت الماليزي، والبات التايلندي، كعملات تمويل في «تجارة المناقلة»، ما يضعها تحت ضغط عندما يتم بيعها لتنفيذ عمليات شراء العملات ذات العائد المرتفع مثل الدولار الأمريكي.

ولم تنج الأسواق الآسيوية ذات تكاليف الاقتراض المرتفعة من المتاعب. وانخفضت الروبية الهندية إلى مستوى قياسي مقابل الدولار الأمريكي، في حين رفع البنك المركزي الإندونيسي أسعار الفائدة بشكل غير متوقع الشهر الماضي للدفاع عن الروبية. وتعمل أسعار الصرف الضعيفة على تضخيم تأثير الارتفاع الأخير في أسعار النفط، وهو تهديد أكبر لآسيا نظراً لوضع المنطقة بوصفها مستورداً صافياً للطاقة، كما تعمل على تأجيج الضغوط التضخمية.

وقد أدى انخفاض قيمة الين إلى تركيز الاهتمام على اليوان، وهو العملة الإقليمية الرئيسية. وفي حين أن خفض قيمة العملة بشكل مفاجئ على غرار ما حدث في عام 2015 أمر غير مرجح، نظراً للذكريات المريرة لفقدان الثقة وهروب رأس المال الناتج عن هذه الخطوة السياسية المفاجئة، أدى ارتفاع الدولار الأمريكي إلى تفاقم أولويات بكين المتضاربة.

ولا شك في أن أجزاء من اقتصادات آسيا تستفيد من ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي. فالشركات التي تستمد حصة كبيرة من عائداتها من الصادرات إلى الولايات المتحدة من شأنها أن تستفيد من قوة العملة الأمريكية لفترة أطول. ويشير «غولدمان ساكس» إلى أنه في حين أن 10% من إيرادات الشركات في مؤشر الأسهم الآسيوية الذي يستثني الصين تأتي من البر الرئيسي، فإن 17% تأتي من الولايات المتحدة.

وتتمتع الشركات التايوانية والكورية الجنوبية واليابانية بأعلى نسبة انكشاف على المبيعات في الولايات المتحدة، بما يصل إلى 30% في حالة تايوان. وهذا يفسر جزئياً سبب ارتفاع أسهم شركة «تايوان لتصنيع أشباه الموصلات»، أكبر شركة لتصنيع الرقائق في العالم، بأكثر من 40% هذا العام.

ومع ذلك، فإن الدولار الأمريكي المفرط يمثل قطعة قماش حمراء بالنسبة للثور الحمائي، وخاصة في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية ذات الأهمية الكبيرة. وعلى النقيض من الرئيس الأمريكي جو بايدن، يتحدث دونالد ترامب بصوت عالٍ للغاية بشأن قيمة الدولار، التي ينظر إليها عبر منظور العجز التجاري الأمريكي المستمر.

ووفقاً لصحيفة «بوليتيكو»، فإن مستشاري ترامب بقيادة روبرت لايتهايزر، مهندس الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس السابق ضد الصين، يناقشون سبل إضعاف الدولار الأمريكي. لكن القول أسهل من الفعل. ومن المرجح أن تؤدي تهديدات الأخير بفرض تعريفات جديدة، إلى تعزيز الدولار، جزئياً عن طريق تغذية التضخم، وهو ما من شأنه أن يزيد من احتمالات استئناف بنك الاحتياطي الفيدرالي حملته التشددية.

ومن الواضح أن آسيا لا ينبغي لها أن تعتمد على الدولار الأمريكي الأضعف إذا عاد ترامب إلى البيت الأبيض. والطريقة الوحيدة التي قد تهبط بها العملة بشكل ملموس تكمن في تباطئ الاقتصاد الأمريكي بشكل حاد وفي خفض الفيدرالي أسعار الفائدة في وقت أقرب وبسرعة أكبر مما تتوقعه الأسواق. وقد لا تتخذ خطوات خفض الفائدة هذا العام، لذا سيظل «الدولار الملك» مصدر قلق لصناع السياسة الآسيويين لبعض الوقت.

* شريك في مجموعة «لوريسا» الاستشارية «شبكة آسيا مورنينغ بوست»

20 يونيو 2024
أستراليا بين الهجرة والإسكان

نيكولاس سبيرو *

في عام 2018، تجاوز عدد سكان أستراليا 25 مليون نسمة، في أسرع وتيرة بين الدول المتقدمة. وذلك خلافاً للتوقعات الحكومية التي تنبأت الوصول لهذا الرقم في 2028.

وكانت معدلات الهجرة المرتفعة، مع قدوم شخص واحد للعيش فيها كل دقيقة، بمثابة نعمة للاقتصاد الأسترالي، أنعشته، وعززت مكانة البلاد كواحدة من أنجح المجتمعات متعددة الثقافات في العالم.

ولا تزال أعداد المتدفقين تزداد، فوفقاً لبيانات المكتب الأسترالي للإحصاء، نما عدد السكان بنسبة 2.5%، أو 660 ألفاً منذ 2018 وحتى سبتمبر/أيلول 2023، وشكلت الهجرة الخارجية الصافية 83% من النمو، حيث تجاوز الانتعاش الحاد في عدد الوافدين، وخاصة أولئك الذين يحملون تأشيرات مؤقتة للعمل أو الدراسة.

ورغم التكهنات بانخفاض صافي معدلات الهجرة، من المتوقع أن ينمو عدد سكان أستراليا بمعدل سنوي قدره 1.4% في عامي 2025 و2026. وسيتجاوز العدد 30.9 مليون شخص في عشر سنوات، وفقاً لبيانات الحكومة.

لطالما كان النمو السكاني محل نقاش خاص وجوهري بالنسبة للاقتصاد الأسترالي، واتجاهاً ضخماً يجذب المستثمرين العالميين. لما يقدمه من طلبات إضافية على السلع والخدمات، ورافعة تستخدمها الحكومة لمعالجة نقص المهارات، كما يميز أستراليا عن الاقتصادات الأخرى التي تواجه تحديات ديمغرافية شديدة، وخاصة اليابان.

ويعتبر النمو السكاني السريع في أستراليا، محركاً حاسماً أيضاً لصناعة العقارات في البلاد. وهو ما عبر عنه مايك زورباس، الرئيس التنفيذي لمجلس العقارات في أستراليا، بالقول: «إنه بلا شك جزء من النجاح الاقتصادي لأستراليا».

وبحسب شركة العقارات «سي بي آر إي»، فإن الزيادة المتوقعة في عدد سكان أستراليا بين العام الماضي وعام 2025 ستترجم إلى زيادة في الطلب تُقدر ب 5.2 مليون متر مربع من المساحات الصناعية واللوجستية، و1.1 مليون متر مربع من مساحات البيع بالتجزئة، و13500 غرفة فندقية، و475 ألف منزل.

وفي سوق الاستثمار العقاري التجاري، حققت القطاعات التي تستفيد أكثر من الهجرة أداءً قوياً على الرغم من الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة. وفي العام الماضي، ارتفعت أحجام المعاملات في قطاع الإسكان متعدد العائلات الناشئ، وقطاع الأبنية المعدة للإيجار، وقطاع السكن الطلابي المخصص، إلى أقوى مستوى سنوي على الإطلاق بنسبة 86%، وفقاً لبيانات «إم إس سي آي».

ولعل التباين الصارخ بين الأزمة الديمغرافية في اليابان والنمو السكاني في أستراليا هو أحد الأسباب التي دفعت المستثمرين اليابانيين إلى نشر المزيد من رأس المال العقاري، وغيره، في بلاد الكنغر العام الماضي، مقارنة بما فعلوه خلال السنوات العشرين الأخيرة مجتمعة.

أضف إلى ذلك، ما تتمتع به مراكز التسوق الأسترالية من جاذبية للمستثمرين، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع عائدات الإيجار والطلب المرتفع. ووفقاً لشركة «كوليرز»، فإن أستراليا تخاطر بنفاد مساحة مراكز التسوق على مدى العقد المقبل بسبب ندرة مواقع التطوير المتاحة والقيود اللوجستية الأخرى.

ومع ذلك، فإن اختلال التوازن بين العرض والطلب هو جوهر المشاكل التي تفاقمت بسبب الهجرة المرتفعة. إذ يتجاوز النمو السكاني الناتج الاقتصادي بشكل كبير، ما يؤدي إلى انكماش صريح في الناتج لكل فرد. وفي بعض مناطق ملبورن وسيدني، شكلت الهجرة الصافية الداخلية والخارجية العام الماضي ما بين 10% و25% من السكان المحليين.

وعلى الرغم من أن زيادة المهاجرين الناجمة عن الوباء مؤقتة، إلا أن تأثيرها كان أكثر وضوحاً في قيم العقارات السكنية بعد ذلك. ولأن أكثر من 60% من الوافدين، في السنوات الخمس التي سبقت عام 2021، كانوا مستأجرين، فإن صدمة الطلب تفاقمت، في الوقت الذي أدت فيه تكاليف الاقتراض المرتفعة ونقص العمالة وارتفاع تكاليف البناء إلى تنامي قيود العرض.

وأجبر ارتفاع الإيجارات بنحو الثلث منذ اندلاع الجائحة، الحكومة الأسترالية على فرض قيود صارمة على الهجرة، بما فيها تشديد نظام تأشيرات الطلاب، والتعهد بخفض صافي الهجرة إلى مستويات ما قبل «كوفيد».

ولكن السؤال الكبير هو ما إذا كانت أستراليا ستتعلم الدرس من التحديات المزدوجة التي يفرضها ارتفاع معدلات الهجرة وأزمة الإسكان. والواقع أن الارتباط بين ارتفاع معدلات الهجرة الصافية والتغيرات في قيم الإيجار ضعيف. ففي مناطق داخل سيدني وملبورن، والتي شهدت أشد ارتفاع في معدلات الهجرة الصافية، شكلت الهجرة الداخلية وليس الخارجية السواد الأعظم من الوافدين، حسبما أشارت شركة «كورلوجيك».

وحتى في المناطق التي كانت فيها الهجرة الصافية الخارجية أكثر انتشاراً، لم يكن هناك سوى ارتباط ضعيف إيجابي بينها وبين قيمة الإيجار، وهو ما يعني أن عوامل أخرى، مثل قيود العرض والقدرة على تحمل التكاليف، كانت أكثر أهمية. وقد أشار زورباس إلى هذه العوامل قائلاً: «لدينا مشكلة إسكان، وليس مشكلة هجرة».

لا شك أن بناء مساكن جديدة يستغرق وقتاً، وهو ما يجعل إصلاحات جانب الطلب، وخاصة النظام الضريبي الذي يوفر الحوافز للمستثمرين العقاريين، على نفس القدر من الأهمية. ومع ذلك فإن إلقاء اللوم على الهجرة وحدها في أزمة الإسكان أمر مضلل، فأستراليا تستطيع الاستعانة بعمال أكثر مهارة للمساعدة في بناء مئات الألوف من المساكن الجديدة التي تشتد الحاجة إليها.

* شريك في مجموعة «لوريسا» الاستشارية المتخصصة في العقارات والاقتصاد الكلي «ذا أتلانتيك»