هارولد جيمس*
نعيش اليوم في عالم مربك ومحير للغاية، حيث الاقتصاد الدولي يعمل بشكل جيد، لكن النظرة السلبية للأسواق، والإحباط من العولمة، والتشكيك في النمو، مستفحل في الاقتصاد السياسي. وكل هذه المعتقدات تتفاعل مع بعضها البعض لتعزز إخفاقاتها المشتركة. فمن أين جاء كل هذا العداء تجاه الأسواق؟
تعتمد الأسواق على الأسعار، التي أصبحت بدورها مصدر قلق وحيرة لكثير من الناس. ولم يقتصر الأمر فقط على ارتفاعها، بل على عدم وجود ضوابط واضحة لها في العديد من منتجات القرن الحادي والعشرين.
لقد اعتاد المستهلكون على الاتصال العالمي بالإنترنت وخدماته المتاحة مجاناً، مثل محركات البحث. وبات بإمكانهم تحميل أو بث مواد لا حصر لها من الترفيه، كما انغمسوا في وسائل الإعلام التي لا يدفعون مقابل معظمها. وفي العديد من البلدان، يتلقى الناس أيضاً خدمات طبية مجانية، حتى داخل نظام الرعاية الصحية الأمريكي باهظ الثمن.
في الوقت نفسه، أدت السياسات المالية والنقدية التوسعية، إلى جانب اضطرابات سلاسل التوريد الناجمة عن الوباء، والحرب الروسية الأوكرانية، إلى تغذية التضخم الذي رفع بدوره تكاليف أساسيات الحياة اليومية (من طاقة وغذاء وإسكان) أكثر. نعم، نأمل برؤية مستقبل يكون فيه كل شيء مجانياً، لكن واقعنا الحالي لا يمكنه تحمل ذلك. ومع مطالبة الشعوب حكوماتها بالتدخل لتخفيف أو عكس ارتفاع الأسعار، يواجه السياسيون ضغوطاً هائلة وتحديات لا يمكن صدها.
لكن الحلول غالباً ما تجعل الأمور أسوأ، فعندما تحاول الحكومات خفض الأسعار، يستمر الطلب في الارتفاع ويستمر النقص في السلع الأساسية. ثم يغذي هذا النقص المخاوف بشأن اعتماد الاقتصاد على الموارد البعيدة، سواء كانت الغاز الروسي، أو أشباه الموصلات التايوانية، أو الإلكترونيات الصينية، أو حتى المضادات الحيوية الهندية.
لقد أدى الوباء والحرب الروسية إلى تكثيف التباطؤ الواضح في العولمة، والذي بدأ مع الأزمة المالية عام 2008. واستُبدلت الثقة في الترابط العالمي بمفهوم الاكتفاء الذاتي الوطني، وهي المغالطة الخطيرة التي تقول إنه سيكون من الأفضل فك الروابط الدولية مع العالم والاستجابة على المستوى الوطني فقط للاحتياجات المحلية.
يقودنا هذا إلى تعزيز الشكوك الجديدة بشأن النمو، وهنا يتساءل البعض، ألا يجب أن نتوقف عن التفكير بشكل أساسي بالنمو الاقتصادي، والبدء في التركيز على الاستدامة التي يمكننا تحقيقها من خلال أساليب حياة أبسط؟
في اليابان، يجادل الفيلسوف كوهي سايتو بأن الرأسمالية قد وصلت إلى حدودها البيئية وتحتاج إلى استبدالها بالشيوعية. وفي ألمانيا، انتهجت الصحفية أولريك هيرمان نفس المنطق للتنبؤ ب «نهاية الرأسمالية».
تعتبر اليابان وألمانيا، ومؤخراً الصين، حالات متطرفة لظاهرة ديموغرافية انتشرت عبر الاقتصادات المتقدمة، حيث تنخفض معدلات المواليد، ويعيش الناس لفترة أطول، مما يؤدي إلى شيخوخة المجتمع وتقلص عدد السكان. وهكذا اختلطت المخاوف القديمة بشأن الاستدامة الاقتصادية مع أخرى جديدة بخصوص تضارب مصالح الأنظمة السياسية. ولكن، وكما أكد الاقتصاديان تشارلز غودهارت ومانوج برادن في كتابهما «الانعكاس الديموغرافي الكبير»، فإن هذه الاتجاهات الديموغرافية ورد الفعل العنيف ضد العولمة لن يفيدا بشيء، بل على العكس، يُعرضان أساس استقرار الأسعار للخطر.
من المؤكد أن البيانات الجديدة المناهضة للنمو تحاول على الأقل تقديم مخطط لاقتصاد بديل غير قائم على الأسعار وغير «معولم»، لكن التشابهات التاريخية التي يرسمونها معيبة للغاية. فقد أخذوا من بريطانيا، زمن الحرب العالمية الثانية، مثالاً، حيث كان التقنين الصارم يفرض على الأثرياء عدم استهلاك الكثير. لكن في الواقع، كانت بريطانيا في أربعينات القرن الماضي تعتمد بشكل غير عادي على الولايات المتحدة، أي على ثورة الإمدادات والإنتاجية الخارجية.
وكما هي الحال في كل اقتصاد خاضع للرقابة، عانت بريطانيا نقصاً، وظهر اقتصاد السوق السوداء الذي يديره تجار مشبوهون ورجال أعمال. وهذه الأنواع من الأسواق الغامضة السرية هي التي تعزز الفساد وانعدام الثقة والانحلال الاجتماعي. فبات البديل عن اقتصاد السوق الشفاف شكلاً أسوأ من أشكال الرأسمالية، بدلاً من اقتصاد مُدار بشكل عقلاني.
يتطلب التعامل مع التحديات العالمية اليوم أسعاراً نزيهة وصادقة تنقل معلومات موثوقة حول التكاليف، لكن هذا بدوره سيتطلب قدراً كبيراً من الابتكار والإبداع. فعلى سبيل المثال، قد نحتاج إلى أسعار «سلبية» لكي نوضح للمستهلكين أن الخدمات الرقمية «المجانية» تبيع في الواقع معلوماتهم الشخصية؛ بعبارة أخرى، يجب أن يكون لبيانات الفرد سعر إيجابي.
والحجة البيئية للتسعير الدقيق أكثر وضوحاً. إذ يجب عدم السماح لملوثي البيئة بالهروب من دفع الثمن الحقيقي لأنشطتهم. وهناك حاجة إلى تحديد أسعار الطاقة في السوق لتحفيز المستهلكين على تقليل بصمتهم الكربونية وإعطاء المستثمرين إشارة لتوجيه الموارد إلى مصادر طاقة نظيفة وأرخص.
تستمد آلية السوق قوتها من الطريقة التي ينشأ منها الكثير من الاستجابات الديناميكية والمتفاعلة، وهي ظاهرة ناشئة لا يمكن تكرارها من قبل أي خبير في «اقتصاد الندرة». كما أن تحويل الاقتصاد إلى الأفضل يتطلب الجرأة والخيال، ويتطلب كذلك نوعاً من المعرفة الملموسة التي تُولدها آلية السعر فقط. وعليه، يمكن القول إن النمو يُوفر الموارد التي نحتاج إليها لمعالجة المشاكل الكبيرة، ولكن لتحقيق ذلك، نحتاج في المقابل إلى أسواق واسعة وترابط دولي أكبر.
*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون (بروجيكت سينديكيت)
هارولد جيمس *
أعطت استقالة ليز تراس، صاحبة أقصر فترة رئاسة وزراء في تاريخ المملكة المتحدة، انطباعاً قوياً وواضحاً عن وضع السياسة المالية في البلاد. لكن الدرس كان أعمق من مجرد فكرة أن السياسة البريطانية يمزقها صراع ثلاثي مؤلم بين الحكومة ووزارة الخزانة وبنك إنجلترا المركزي، فالفشل الحقيقي كان في التغاضي عن المخاطر الكبرى التي وُجدت منذ فترة طويلة، منذ تأسس النظام المالي البريطاني تقريباً.
كان الخطأ ظاهرياً بإعلان الحكومة عن «الميزانية المصغرة» الكارثية، وتخفيض ضريبي غير ممول بقيمة 45 مليار جنيه إسترليني (50 مليار دولار)، أي ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي. واعتقد صناع القرار السياسي حينها أن ذلك سيحفز المبادرة والاستثمار، وبالتالي النمو. وكانت هناك أيضاً حزمة أكثر تكلفة لدعم مستهلكي الطاقة، والتي اعتُبرت في ذلك الوقت أكثر البرامج سخاءً في أوروبا، إذ بلغت حوالي 200 مليار جنيه إسترليني، أو 9% في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه أرقام كبيرة بالطبع، لكن مستوى الدين العام في المملكة المتحدة كان أقل بكثير من مستوى الدين العام للولايات المتحدة، ناهيك عن إيطاليا أو حتى حالة اليابان الأكثر تطرفاً. ومع ذلك، لا ينبغي للنقص في النفقات والدخل الجديد، في حد ذاته، أن يحول المملكة المتحدة إلى يونان أو أرجنتين جديدتين.
لقد أسرت النظرية النقدية الحديثة، التي استخدمت نهج الميزانية العمومية لإظهار أن الدين الحكومي كان أصلاً للمواطنين، الأسواق. ولكن بعد ذلك، أدى ارتفاع التضخم، مدفوعاً بالحزم المالية الوبائية، واضطرابات سلسلة التوريد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، إلى إلزام البنك المركزي البريطاني بتشديد السياسة النقدية، وبالتالي زيادة تكلفة التمويل الحكومي، تكلفةٌ أدت إلى إسقاط تراس.
تاريخياً، وفي فترة ما بين الحربين العالميتين، ضغطت البنوك المركزية في بريطانيا وفرنسا على الحكومات اليسارية التي كانت تدير عجزاً صغيراً نسبياً، ما أدى إلى ظهور قصة ما يسمى ب «الممولين والأزمة السياسية البريطانية» في أغسطس/آب عام 1931، والتي أطلق عليها الفرنسيون «جدار المال». والقصة المماثلة يتم تداولها اليوم بالفعل، ويمكن اختصارها ب «الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي ونصيحة المؤسسات المالية الدولية التي دمرت حكومة المحافظين». وبدأ العد التنازلي للكارثة بالنسبة لحكومة تراس، التي وعدت بإحياء النمو من خلال التحفيز المالي، عندما أعلن بنك إنجلترا أنه سينهي خطة دعم الديون الحكومية (السندات الذهبية) في 14 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. وكان من المتوقع تماماً أن يكون هذا هو اليوم الذي يتعين على الحكومة أن تعد فيه بإعادة التفكير في موقفها المالي، وهو ما فعلته تراس من خلال إقالة مستشاريها.
أثارت محاولة المملكة المتحدة إعطاء الأولوية للإجراءات الشعبوية بلبلة في سوق السندات. وتدخل بنك إنجلترا لتجنب الكارثة، وقد عكست حكومة رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس جميع سياساتها تقريباً وتعهدت بخفض الإنفاق العام. لكنها استقالت الخميس، دون أن تتعافى الحكومة سياسياً من الاضطرابات.
وهكذا يبدو أن سقوط تراس نتج عن صدام بين ما يسميه الاقتصاديون الهيمنة المالية (وعود الإنفاق الحكومية) والهيمنة النقدية (جهود بنك إنجلترا لاستقرار الأسعار). وهذه المرة انتصرت الهيمنة النقدية، لأن رواية جديدة عن إسراف الحكومة والمسؤولية السياسية استحوذت على الأسواق المالية، لتحل محل الرواية المغمورة بالمعالجة النقدية الحديثة حول فائدة الإنفاق العام والعجز.
لكن التفكير فيما حدث لتراس من حيث تضارب السياسات المالية والنقدية يُغفل جانباً مهماً ومدهشاً من القصة، وهو ضعف جزء رئيسي من القطاع المالي في المملكة المتحدة أمام ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض أسعار السندات. فقد استفادت صناديق التقاعد، الملتزمة بالسداد وفق سياسات المزايا المحددة، من حيازاتها من الديون الحكومية من أجل السعي وراء عوائد أعلى. وإذا انخفض سعر الدين العام بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، تواجه الأموال طلبات ضمان. والآن، تواجه صناديق التقاعد في المملكة المتحدة، التي تمتلك حوالي 1.5 تريليون جنيه إسترليني في هذا النوع من المخططات، نقصاً في السندات التي يمكن بيعها بسهولة.
يُفسر تدخل بنك إنجلترا التحول الغريب في أسعار الدين الحكومي، حيث انخفضت أسعار الأوراق المالية المرتبطة بالمؤشر أو المقاومة للتضخم أكثر من تلك الخاصة بالأوراق المالية العادية، لمجرد أن صناديق التقاعد تحتفظ بالعديد من المؤشرات، فأدت التزامات المعاشات التقاعدية إلى شل خيارات السياسة.
وبهذا السياق، فإن فشل تراس يعني أن الشعبوية المالية، التي يشاركها سلفها بوريس جونسون، مستبعدة الآن في بريطانيا. لكنها أصبحت أكثر خطورة في أماكن أخرى، ولم يعد السياسيون أحراراً في إجراء رهانات كبيرة على المستقبل.
* أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون، (بروجيكت سينديكيت)