الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
هال براندز
أستاذ التاريخ في جامعة هوبكنز
أحدث مقالات هال براندز
28 يناير 2021
أدوات الهيمنة الصينية

هال براندز *

تجمع حملة الصين للهيمنة على العالم بين الطموحات التقليدية وأساليب القرن الحادي والعشرين. ويتجلى ذلك في سعيها المستمر لتوسيع دائرة نفوذها عالمياً؛ بحيث ترسم محيطاً مناسباً لها تسيطر عليه بقوة مثل كل الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة. إنها تطمح لخلق نطاقات جيوسياسية تحمي مصالحها، وتراعي صلاحياتها.
والمتابع للأنشطة الصينية يجد أن بكين تحاول بلوغ أهدافها جزئياً؛ من خلال نهج العصر الرقمي للتنافس الاستراتيجي، وهو نهج يجبر منافسيها على إعادة التفكير في ماهية مجالات النفوذ، وأفضل طريقة لمنافستها على ذلك النفوذ.
 ويشير مصطلح «نطاق النفوذ» إلى منطقة يمكن فيها لدولة كبيرة ممارسة سلطتها على الجهات الفاعلة الأصغر، وإبعاد منافسيها من القوى العظمى. وقديماً سعت القوى الطموحة إلى رسم مناطق نفوذ لأربعة أسباب أساسية؛ هي: الحماية، أي أنها تضمنت حاجزاً استراتيجياً ضد المنافسين؛ والتمترس، أي إنشاء قاعدة آمنة يمكن من خلالها ممارسة التأثير العالمي؛ والربحية، أو تأمين طريقة لاستخراج الموارد، والوصول إلى الأسواق وتسخير الاقتصادات الأصغر لمصلحتها؛ والهيبة، بحيث تكون منطقة النفوذ رمزاً للمكانة في مواجهة القوى الصغرى والقوى الكبرى على حد سواء.
 إلا أن الخصائص المميزة لمناطق النفوذ تغيرت مع الزمن. ففي القرن التاسع عشر، تمتعت بريطانيا بما يمكن اعتباره إمبراطورية غير رسمية في أمريكا الجنوبية؛ حيث كانت تمارس نفوذها في المقام الأول من خلال تفوقها المالي والتهديد الذي تفرضه البحرية الملكية. بعد الحرب العالمية الثانية، سيطر الاتحاد السوفييتي على أوروبا الشرقية بيد أثقل، أعادت تشكيل الحكومات في صورتها الشيوعية، بينما تستخدم أساليب الجيش الأحمر لفرض الانضباط الجيوسياسي على البلدان الواقعة في قبضتها.
بعد الحرب الباردة، بدا أن مجالات النفوذ قد اختفت، لأنه لم يكن هناك سوى قوة عظمى واحدة - الولايات المتحدة - وكانت مصممة على حرمان أي منافس من مثل هذه الامتيازات.
 وقد أعلن جو بايدن في عام 2009 وكان نائباً للرئيس أوباما، صراحة أن واشنطن: «لن تعترف بأي دولة لديها نطاق نفوذ»؛ لكن بدا من الواضح أن الصين تمتلك أفكاراً أخرى. فمشروعها الجيوسياسي يمتاز ببعض الأساليب التي قد يجدها محللو المنافسات السابقة مألوفة، والبعض الآخر يجدها أكثر حداثة.
 وتهدف الصين إلى خلق مجال نفوذ تقليدي في شرق آسيا وأماكن أخرى حول محيطها المباشر. لقد أنشأت علاقات تجارية واستثمارية تهدف إلى جعل اقتصادات المنطقة أكثر تمحوراً حول بكين. إنها تستخدم قوتها العسكرية المتنامية للضغط على تايوان، بشأن تحقيق مطالب موسعة في بحر الصين الجنوبي، ولإجبار الدول في جميع أنحاء المحيطين الهندي والهادئ على التفكير ملياً قبل إثارة غضب بكين.
 وتحاول الصين دق أسفين بين الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها؛ بحيث يمكن إخراج واشنطن من المنطقة تماماً، كما فعلت واشنطن عندما قامت بطرد منافسيها الأوروبيين من منطقة البحر الكاريبي. وتستخدم الصين حملات التأثير السياسي، والمساعدات الموجهة إلى المسؤولين، وغيرها من التدخلات الهادئة لتحريف سياسات المنطقة لمصلحتها.
في الوقت نفسه تنقل الصين لعبة نطاقات النفوذ إلى القرن الحادي والعشرين، من خلال البحث عن مجال أوسع لا يعترف بالجغرافيا أكثر من التكنولوجيا.
 ومن متابعة الطرق التي تبني بها بكين العلاقات التكنولوجية؛ نجد أن تلك الاستراتيجية من شأنها أن تربط البلدان عبر أوراسيا وخارجها. فالشركات الصينية التي تمد كابلات الألياف الضوئية وتنشئ مراكز البيانات التي تشكل العمود الفقري المادي للإنترنت؛ ومشروع طريق الحرير الرقمي يضع الشركات الصينية في قلب شبكات الاتصالات المتقدمة في جميع أنحاء العالم النامي. وكذلك الانتشار العالمي لتقنيات المراقبة الصينية؛ وظهور عملة رقمية صينية؛ تهدف إلى أن تكون وسيلة للتبادل على طول مبادرة الحزام والطريق، كلها تؤكد إصرار الصين على بلوغ الأهداف بأي ثمن.
 وهذا المجال الناشئ للتأثير التكنولوجي في الصين؛ يهدف إلى توفير نفوذ جيوسياسي؛ عبر المركزية التكنولوجية بدلاً من الهيمنة المادية.
 وإذا كانت حدود هذا المجال فضفاضة نسبياً ومتطورة، فإن الآثار الاستراتيجية ستكون بالغة الأهمية. فإنشاء البنية التحتية الرقمية - من قبل شركات مثل «هاواوي»و«زد تي إي» الملزمة قانوناً بالتعاون مع الحزب الشيوعي الصيني - ينتج عنه حدوث تأثير اقتصادي كبير ناهيك عن عمليات التجسس. وسيؤدي توفير معدات المراقبة عالية التقنية إلى ربط بكين بشكل أوثق بالحكام المستبدين الذين تساعدهم في المحافظة على السلطة.
 وسوف يساعد إنشاء أسواق جديدة للتكنولوجيا الصينية، ومصادر جديدة للبيانات لخوارزمياتها، في تعزيز الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي ومجالات أخرى. كما يساعد التأثير التكنولوجي المتنامي للصين على اصطفاف الدول الصديقة وراءها في قضايا عالمية حساسة بدءاً من حوكمة الإنترنت وحتى قيادة المنظمات الدولية الرئيسية.
* أستاذ في كلية الدراسات الدولية بجامعة جونز هوبكنز

4 يناير 2021
عام 2020 في نظر المؤرخين

هال براندز  *

كان عام 2020 عاماً فظيعاً وفقاً لمعظم المعايير، سواء من حيث انتشار الموت أو من حيث الاضطرابات الاجتماعية في جميع أنحاء العالم. ولكن إذا كان الأمر يمثل تحدياً لا يمكن إنكاره للذين عاصروه، فكيف يمكن أن يبدو للمؤرخين إذا نظروا إلى الوراء بعد نصف قرن من الآن؟

 لا يمكن تحديد ذلك بدقة؛ لأن الطريقة التي ننظر بها إلى أي حدث تاريخي تعتمد بشكل كبير على الخيارات التي اتخذها الناس بعده. كنا سنتذكر الحرب العالمية الثانية بشكل مختلف تماماً، على سبيل المثال، لو تخلت أمريكا ببساطة عن العالم، بدلاً من الانخراط بلا كلل في تشكيل النظام العالمي بعد الحرب. ومع ذلك، من المؤكد أن عام 2020 سوف يفرض نفسه على الجهود المستقبلية الخاصة بتتبع منحنى الأحداث في القرن الحادي والعشرين، وربما يكون العام الذي بدأ فيه النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة في الانهيار، أو ربما العام الذي منح ذلك النظام الحياة من جديد.

 قد يرى المؤرخون يوماً ما عام 2020 بداية لعصر مظلم جديد. ففي غضون بضعة أشهر، ترنح العالم تحت صدمات استراتيجية تحدث مرة كل قرن: ففي البداية قتلت الجائحة العالمية فيه الملايين وجمّدت المجتمعات. ثم شهد العالم انكماش العولمة مع إغلاق الحدود وتوقف السفر. وعجزت الهيئات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية ومجموعة السبع، عن توفير الحد الأدنى من الكفاءة التكنوقراطية والتعاون الدولي.

 وعلى الجبهة الجيوسياسية، شنت الصين، الدولة الأوتوقراطية الأولى في العالم، هجوماً متعدد الجبهات، مما يدل على أنها لم تعد مقتنعة بما تسيطر عليه وتطلب المزيد.

وعانت الديمقراطية الرائدة في العالم من اضطرابات داخلية شديدة، وشهدت محاولة رئيسها أخذ البلاد إلى ما يشبه الحكم المطلق بعد انتخابات مختلف عليها.

 ومما زاد من وحشية عام 2020 تراجع الديمقراطية مقارنة مع ذروة انتشارها في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وهدد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وارتفاع المد الشعبوي، مشروع التكامل الأوروبي كأهم أشكال التضامن في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتراجعت العولمة نتيجة السياسات الحمائية الشرسة؛ حيث أصبحت منظمة التجارة العالمية منعزلة، وتزايد صعود الصين الاقتصادي كنذير، وأصبحت أمريكا داعية غير مؤكدة للتجارة الحرة. كما شكلت الاضطرابات الجيوسياسية تهديداً لمعظم الأنظمة الإقليمية في منطقة أوراسيا. وأصبح الخلل السياسي أسلوب حياة في الولايات المتحدة.

 لقد كشفت الأزمات عن انتشار العفن داخل المؤسسات والهياكل التي شكلت العمود الفقري في النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة. أحد الاحتمالات، إذن، هو أن يُنظر إلى هذا العام على أنه اللحظة التي بدأ فيها النظام تحت الضغط، بالانحدار نحو دولة أكثر فوضوية وغير ليبرالية.

 ولكن هناك أيضاً نظرة مستقبلية أكثر تفاؤلاً لعام 2020. فإحدى نقاط القوة في نظام ما بعد الحرب هي مرونته الهائلة؛ حيث إن التحديات غالباً ما حفزت الابتكار البناء.

 كانت السبعينات، على سبيل المثال، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها نهاية أيام القوة الأمريكية واقتصاد العالم الحر، وسط صدمات النفط، ونهاية نظام بريتون وودز المالي، والنكسات الجيوسياسية. ومع ذلك، أدت الأزمات إلى التجديد بدلاً من التراجع. فقد تعاونت الولايات المتحدة مع الحلفاء الرئيسيين، لإنشاء مؤسسات جديدة مثل مجموعة السبع؛ لتسهيل التحول إلى نظام أكثر عولمة. وتبنت البلدان في الغرب إصلاحات داعمة للسوق أسفرت عن ازدهار متجدد.

 ربما سيكون عام 2020 لحظة ولادة جديدة. فهو العام الذي صحح فيه النظام السياسي الأمريكي نفسه بعد مغازلة خطِرة بين الشعبوية شبه السلطوية واليمين، بينما رفض الشعبوية اليسارية المزعزعة للاستقرار. وشهد جهوداً لبدء إصلاح المنظمات الدولية المحتضرة، وإنشاء آليات جديدة لتعاون ديمقراطي أعمق وأوسع. واتسع نظاق الحذر من القوة الصينية، ليس فقط في أمريكا، ولكن في أوروبا والديمقراطيات المتقدمة الأخرى أيضاً. فحقبة ترامب لم تنتهِ بقطيعة أو اختلاف بين ضفتي الأطلسي بشأن الصين، ولكن بمناقشات أولية حول كيفية التعاون بشكل أوثق ضد التهديد الذي تشكله بكين.

 لا شك أن القيادة أمر بالغ الأهمية. فالطريقة التي يتحول بها العالم في المستقبل ستعتمد على جودة الخيارات، وقوة الخطاب لدى صانعي السياسات في الولايات المتحدة ودول أخرى.

 وسواء كان خيراً أو شراً، سوف ننظر إلى عام 2020 باعتباره مفصلًا تاريخياً - العام الذي أرسل موجات صدمة من خلال النظام القائم، وبالتالي غيّر مسار العالم على المدى الطويل- وهذا يؤكد أنه يمكن للأزمات الكبرى أن تدفع النظام الدولي نحو التدمير أو التجديد، لكنها لا بد أن تترك بصمة دائمة.

* أستاذ التاريخ في جامعة هوبكنز. (بلومبيرج)