وليم طعمه *
التنوع أمر في غاية الأهمية بالنسبة لأي استراتيجية استثمارية. يرى الخبراء أن الشركات التي ترسي وتعزز بيئة عمل شاملة ومتنوعة، تكون أكثر ابتكاراً وتنمو بسرعة أكبر وتتفوق في الأداء بحيث تصبح أكثر قدرة على المنافسة. وقد توصلت الدراسات إلى أن التنوع بين الجنسين يعزز الأداء المالي بنسبة 25% والتنوع العرقي بنسبة 36%.
ولا تقترن هذه الإحصاءات بالحاجة المستمرة إلى إحراز التقدم. وقد وجدت ماكينزي أن نحو 20% فقط من كبار قادة شركات الأسهم الخاصة في الولايات المتحدة كانوا من النساء في بداية عام 2020. وشكلت نسبة الإناث في بقية الشركات الأمريكية 30% فقط. وفي مقابل ذلك، توصلت دراسات أخرى إلى أن التنوع بين الجنسين بين مديري الصناديق في الولايات المتحدة بقي على المستوى نفسه على مدى العقدين الماضيين.
إن هذه الأرقام، إن دلت على شيء، فإنها تدلّ على مسائل منهجية أكثر شمولية. ويسترشد هذا المسعى بالضرورة التي لا يرقى إليها الشك وهي أن زيادة التنوع في مكان العمل هي الأساس المنطقي الذي تنهض عليه الشركات. ومع ذلك، فإن التغيير على نطاق واسع هو أمر مستبعد في غياب الهيكليات الصحيحة.
تنطبق هذه المقاربة إلى حدّ بعيد على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وأشار التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 12 من أصل 15 دولة على مستوى العالم من التي تتسم بمعدل منخفض في ضعف مشاركة المرأة في القوى العاملة، تقع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويتوقع التقرير نفسه أن تستغرق المنطقة ما يصل إلى 140 عاماً لسدّ الفجوة في الأجور بين الجنسين. ولا بد من التعامل مع هذه الأرقام بجدية كي تحافظ المنطقة على قدرتها على المنافسة عالمياً.
وخلاصة القول إنه لن يتسنى للمنظمات أن تحقق المكاسب التجارية الطويلة الأجل المتمثلة في تحقيق قدر أعظم من المساواة بين الجنسين والعدالة العرقية في مكان العمل إلا من خلال سلسلة قوية ومتماسكة وملموسة من المبادئ حول التنوع والشمول. لذا، يجب إلقاء الضوء على المبادئ المتعلقة بالتنوع والمساواة على صفحات محددة على المواقع الإلكترونية الخاصة بالشركات. وأكثر من ذلك، يجب أن تلتزم المنظمات الإقليمية بمبادئ التنوع والإنصاف والإدماج وأن تعمل على تضمينها في صميم القرارات الكلية والجزئية التي تتخذها أي شركة.
وقد حدد معهد المحللين الماليين المعتمدين مبادئ التنوع والإنصاف والإدماج الستة التي يمكن للشركات أن تطمح إليها لتشجيع الإدماج فضلاً عن الخطوات العملية لمساعدة المنظمات على الارتقاء إلى هذه الممارسة. وهذا يشمل عناوين توجيهية حول: توسيع نطاق المواهب، واستقطاب المواهب، والترويج العادل لها والاحتفاظ بها، وتعزيز القيادة، والنفوذ والقياس.
إن أبرز التحديات الرئيسية التي تواجه أي شركة عالمية يتمثل في تطوير مسار ديناميكي ودائم للمواهب. ولا شك في أن الاعتراف بإمكانية قيادة الشركات من قبل النساء في المستقبل أثناء وجودهن في مناصب صغيرة وتدريبهن في مجالات محددة والاحتفاظ بهن على مدار حياتهن المهنية أمر بالغ الأهمية لزيادة مشاركة المرأة في مجالس الإدارة والقيادة.
لا يمكن إرساء مروحة متنوعة من المواهب بين عشية وضحاها. لذلك، يجب أن تلتزم الشركات بالتواصل المستمر لاستقطاب الأفراد ذوي الكفاءة الذين غالباً ما يتم تجاهلهم. بمعنى آخر، يجب الحرص على أن تتماشى استراتيجية التوظيف في الشركة مع مبادئ التنوع والإنصاف والإدماج الأكثر شمولية. وهذا يعني ضمان توفير دورات تدريبية عالية الجودة تزيد من قدرة الإناث على تعزيز نفوذهن في إطار إعدادهن لتولي القيادة في المستقبل. ويعني أيضاً تقديم تقارير مستدامة عن نمو كفاءات القيادات النسائية في الشركة، وتبادل أفضل الممارسات بين الأقران، وضمان الاحتفاظ بالنساء كأولوية في جميع مراحل تخطيط الموارد البشرية.
إن الاستثمار في المواهب المستقبلية يجب أن يكون موقفاً شاملاً وحازماً على مستوى القيادة العليا، حيث يتعين على القادة وضع المعايير والتوقعات بالنسبة للسلوك الشامل والعادل، وتصميم نماذج فعالة لأنشطة الشركة، والاتسام بالقدوة من أجل المساعدة على تحديد ثقافة شركاتهم سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. كما يتعين عليهم الالتزام بوضع المعايير والتوقعات الخاصة بالسلوك الشامل، يجب أن يحددوا ثقافة شركاتهم من خلال القدوة، يوماً بعد يوم. والأهم من ذلك، يجب على القادة التفكير في كيفية تدريب خلفائهم في المستقبل وضمان أن يظل التنوع مكوناً أساسياً لتحقيق نمو شركتهم على المدى الطويل.
إن اعتماد مبادئ التنوع والإنصاف والإدماج في الشركة أمر معقد ودقيق. وفي حال تم تطبيق هذه المبادئ بنجاح، يمكن أن يحقق عوائد تجارية كبيرة للشركات الراغبة في الاستثمار.
* محلل مالي معتمد والرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين
وليم طعمة*
في إطار الجهود الرامية إلى تمهيد المسار نحو مستقبل مستدام، يحتاج مديرو الاستثمار إلى التركيز على ثلاثة مكوّنات رئيسية، هي البيانات والمعايير والمهارات.
ويغصّ العالم بأعداد كبيرة من مديري الاستثمار الذين يبحثون عن منافذ لتوظيف رؤوس الأموال، ويتمثّل دورهم في تخصيص رأس المال بكفاءة في المشاريع التي توفر أكبر عائد للمستثمرين، مع مراعاة المخاطر المختلفة التي ينطوي عليها الاستثمار المستهدف. ويندرج تغيّر المناخ في إطار هذه المخاطر التي تتزايد تدريجياً من حيث الشأن والأهمية النسبية والتي يتعيّن على مديري الاستثمار عدم تجاهلها.
وكما رأينا في قمة «COP26» الأخيرة في جلاسكو، يبدو الزخم العالمي تجاه معالجة أزمة المناخ أقوى مما كان عليه في أيّ وقت مضى. ومع استضافة هذه المنطقة لمؤتمر الأطراف المقبل، من المؤكد أن موضوع تغير المناخ سيحظى بأهمية متزايدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فالجهات التنظيمية بدأت باتخاذ الإجراءات وفرض الأنظمة كما أبدى القطاع الخاص إرادة قوية للمشاركة، والأهم من ذلك هو أنّه في ما يتعلق بالخدمات المالية بدأ المستثمرون النهائيون المطالبة باتخاذ التدابير اللازمة. لمواكبة هذا التحول.
ومع ذلك، يجب أن تكون البنية التحتية المالية موجودة للسماح لمديري الأصول بتخصيص رأس المال بشكل فعّال. ويتطلّب ذلك بيانات واضحة وقابلة للمقارنة، وذات جودة من أجل التقييم الصحيح للمخاطر التي تمثلها العوامل البيئية، إلى جانب قضايا المجتمع والحوكمة، ومع ذلك لا تزال هذه البيانات غامضة وغير متوفرة على نطاق واسع. ولا شكّ في أنّ عمل فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، والمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، ومجلس معايير المحاسبة المستدامة لإتاحة هذه البيانات في المجلس ومجلس معايير الاستدامة الدولية الذي تم إطلاقه حديثاً، هو بالتأكيد خطوة في الاتجاه الصحيح.
وبالنسبة إلى شركات الشرق الأوسط التي تتطلّع إلى استقطاب الاستثمارات الدولية، فإن الحاجة اليوم أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى للمشاركة في هذه المبادرات، ومع ذلك، تفتقر هذه الشركات إلى سجل حافل بأنشطة مماثلة. فمن بين ما يصل إلى 3000 شركة ممن أبدت استعدادها لإجراء عمليات الإفصاح عن الممارسات والمبادرات المتعلقة بالمناخ بموجب الإطار الموضوع من قبل فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، لا يندرج ضمن اللائحة سوى أربع شركات تقع في منطقة الخليج العربي، إضافة إلى عشر أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومع ذلك، انضمّ كلّ من المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى مبادرة البورصات المستدامة، وحثّت الشركات المدرجة في بورصاتها إلى الإبلاغ عن مقاييس الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات بدرجات متفاوتة من النجاح.
وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2021، أصدرت البورصة السعودية المبادئ التوجيهية الخاصة بالإفصاح عن الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وعممتها على أكثر من 200 شركة مُدرجة في البورضة لإبداء الرأي بها، وفي نهاية عام 2020، سجّل أكثر من 85% من مؤشر تداول لجميع الأسهم ومؤشر ستاندرد أند بورز العربي نتائج الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، بالمقارنة بنسبة 60% في عام 2017. ومع ذلك، شهدت البورصة نشاطاً ملحوظاً بعض الشيء منذ الإعلان في أغسطس/ آب 2020 عن إطلاقها لمؤشر الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات السعودي مع شركة MSCI، وقد اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة إجراءات إضافية حيث حثت جميع الشركات المساهمة العامة المدرجة في بورصتي أبوظبي ودبي على تقديم تقرير الاستدامة في غضون 90 يوماً من نهاية السنة المالية.
وإضافة إلى البيانات، تعاني السوق ثغرتين أخريين. فغالباً ما يتم الترويج للمنتجات الاستثمارية على أنها استثمارات «خضراء» من دون بيان واضح للأهداف، أو وصف لعملية الاستثمار، أو مخطط لأنشطة الإشراف. ونحن نهدف إلى القضاء على هذا «التمويه الأخضر» من خلال معايير الإفصاح العالمية الخاصة بالممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات للمنتجات الاستثمارية التي تم إصدارها مؤخراً. وهي تمثل المعايير الطوعية الأولى المصمّمة لتمكين المستثمرين والاستشاريين والموزّعين من فهم ومقارنة وتقييم منتجات الاستثمار في مجال الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات بشكل أفضل.
* محلل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين
وليم طعمة *
في إطار الجهود الرامية إلى تمهيد المسار نحو مستقبل مستدام، يحتاج مديرو الاستثمار إلى التركيز على ثلاثة مكوّنات رئيسية، هي البيانات والمعايير والمهارات.
ويغصّ العالم بأعداد كبيرة من مديري الاستثمار الذين يبحثون عن منافذ لتوظيف رؤوس الأموال، ويتمثّل دورهم في تخصيص رأس المال بكفاءة في المشاريع التي توفر أكبر عائد للمستثمرين، مع مراعاة المخاطر المختلفة التي ينطوي عليها الاستثمار المستهدف. ويندرج تغيّر المناخ في إطار هذه المخاطر التي تتزايد تدريجياً من حيث الشأن والأهمية النسبية والتي يتعيّن على مديري الاستثمار عدم تجاهلها.
وكما رأينا في قمة «COP26» الأخيرة في جلاسكو، يبدو الزخم العالمي تجاه معالجة أزمة المناخ أقوى مما كان عليه في أيّ وقت مضى. ومع استضافة هذه المنطقة لمؤتمر الأطراف المقبل، من المؤكد أن موضوع تغير المناخ سيحظى بأهمية متزايدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. فالجهات التنظيمية بدأت باتخاذ الإجراءات وفرض الأنظمة كما أبدى القطاع الخاص إرادة قوية للمشاركة، والأهم من ذلك هو أنّه في ما يتعلق بالخدمات المالية بدأ المستثمرون النهائيون المطالبة باتخاذ التدابير اللازمة. لمواكبة هذا التحول.
ومع ذلك، يجب أن تكون البنية التحتية المالية موجودة للسماح لمديري الأصول بتخصيص رأس المال بشكل فعّال. ويتطلّب ذلك بيانات واضحة وقابلة للمقارنة، وذات جودة من أجل التقييم الصحيح للمخاطر التي تمثلها العوامل البيئية، إلى جانب قضايا المجتمع والحوكمة، ومع ذلك لا تزال هذه البيانات غامضة وغير متوفرة على نطاق واسع. ولا شكّ في أنّ عمل فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، والمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، ومجلس معايير المحاسبة المستدامة لإتاحة هذه البيانات في المجلس ومجلس معايير الاستدامة الدولية الذي تم إطلاقه حديثاً، هو بالتأكيد خطوة في الاتجاه الصحيح.
وبالنسبة إلى شركات الشرق الأوسط التي تتطلّع إلى استقطاب الاستثمارات الدولية، فإن الحاجة اليوم أصبحت ملحة أكثر من أي وقت مضى للمشاركة في هذه المبادرات، ومع ذلك، تفتقر هذه الشركات إلى سجل حافل بأنشطة مماثلة. فمن بين ما يصل إلى 3000 شركة ممن أبدت استعدادها لإجراء عمليات الإفصاح عن الممارسات والمبادرات المتعلقة بالمناخ بموجب الإطار الموضوع من قبل فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالمناخ، لا يندرج ضمن اللائحة سوى أربع شركات تقع في منطقة الخليج العربي، إضافة إلى عشر أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومع ذلك، انضمّ كلّ من المملكة العربية السعودية والبحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى مبادرة البورصات المستدامة، وحثّت الشركات المدرجة في بورصاتها إلى الإبلاغ عن مقاييس الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات بدرجات متفاوتة من النجاح.
وفي شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2021، أصدرت البورصة السعودية المبادئ التوجيهية الخاصة بالإفصاح عن الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وعممتها على أكثر من 200 شركة مُدرجة في البورضة لإبداء الرأي بها، وفي نهاية عام 2020، سجّل أكثر من 85% من مؤشر تداول لجميع الأسهم ومؤشر ستاندرد أند بورز العربي نتائج الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، بالمقارنة بنسبة 60% في عام 2017. ومع ذلك، شهدت البورصة نشاطاً ملحوظاً بعض الشيء منذ الإعلان في أغسطس/ آب 2020 عن إطلاقها لمؤشر الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات السعودي مع شركة MSCI، وقد اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة إجراءات إضافية حيث حثت جميع الشركات المساهمة العامة المدرجة في بورصتي أبوظبي ودبي على تقديم تقرير الاستدامة في غضون 90 يوماً من نهاية السنة المالية. وإضافة إلى البيانات، تعاني السوق ثغرتين أخريين. فغالباً ما يتم الترويج للمنتجات الاستثمارية على أنها استثمارات «خضراء» من دون بيان واضح للأهداف، أو وصف لعملية الاستثمار، أو مخطط لأنشطة الإشراف. ونحن نهدف إلى القضاء على هذا «التمويه الأخضر» من خلال معايير الإفصاح العالمية الخاصة بالممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات للمنتجات الاستثمارية التي تم إصدارها مؤخراً. وهي تمثل المعايير الطوعية الأولى المصمّمة لتمكين المستثمرين والاستشاريين والموزّعين من فهم ومقارنة وتقييم منتجات الاستثمار في مجال الممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات بشكل أفضل.
* محلل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين
وليم طعمة *
في الفيلم الكلاسيكي «جلينجاري غلين روس» الذي تم إنتاجه في تسعينات القرن الماضي، يظهر مسؤول تنفيذي ذو شخصية مستبدة في أحد المشاهد حيث يبدأ بالتعرض لموظفيه العاملين في إدارة المبيعات وسمسرة العقارات محاولاً حثهم على إتمام عمليات البيع وإقفال الصفقات بنجاح في جميع الأوقات.
قد يعاني بعض المستثمرين في المنطقة من صدى الاختلال الوظيفي المهيمن على ثقافة المبيعات حيث يلجأ معظم مديري المبيعات إلى إتمام الصفقات بأي ثمن دون إيلاء أي اعتبار للعلاقة مع العملاء أو مراعاة احتياجاتهم ومتطلباتهم.
وقد خسر كثيرون أجزاء ولو ضئيلة من ثرواتهم في السنوات الأخيرة بمجرد التعامل مع مستشارين ماليين يفتقرون إلى الأخلاقيات المهنية، حيث قام هؤلاء بالترويج لمنتجات تم التلاعب بعروضها منذ البداية فساهمت في معظم الأحيان في إضفاء القيمة على أداء وثروة المدير الاستشاري نفسه بدلاً من تحقيق العائد والثروة للعميل.
ومع ذلك، باستطاعة المستثمرين تقليل احتمالات التعرض لمثل هذه المواقف إلى حد كبير من خلال طرح بعض الأسئلة البسيطة والمهمة واستغراق بعض الوقت في البحث عن معلومات أساسية عبر الإنترنت.
والواقع أن قِلّة منا هم على استعداد للخضوع لعملية جراحية دون استغراق أي وقت للتعرف على الطبيب والتأكد من مسيرته المهنية قبل الاستسلام للجراحة على يديه. ومع ذلك، فإن المستثمرين كثيراً ما لا ينظرون إلى ما هو أبعد من سيل الحملات التسويقية التي تروج لها الشركات الاستشارية التي يوشكون على تسليمها أموالهم التي أنفقوا حياتهم في ادخارها. وفي هذا السياق، لا بد لنا من إيلاء ثرواتنا ومدخراتنا الاهتمام الذي تستحقه كما نهتمّ بموضوع صحتنا ورفاهنا.
ومن المهم أن نضع هذه الاعتبارات في صلب اهتمامنا لا سيما الآن ونحن نحشد الجهود للتعافي بعد عام كامل من الاضطرابات التي واجهت الأسواق في مختلف أنحاء العالم. كما أن الطفرة التي تشهدها أسواق العقارات والأسهم في فترة ما بعد الجائحة قد تخلق لدى بعض المستثمرين شعوراً زائفاً بالأمان.
لا شك أن مجموعة الإصلاحات التنظيمية الكبيرة التي شهدتها الأسواق المحلية قد جعلت من الصعب على الشركات الاحتيالية أن تحاول ابتزاز عملائها.
ولتجنب الوقوع ضحية، يتعين على المستثمرين أن يتخذوا هذه الخطوات الفعالة لتثقيف أنفسهم حول ممارسات الشركات في هذا القطاع قبل إيلائها الثقة لتوظيف استثماراتهم.
{ قبل التحدث إلى مستشار مالي، تأكد من الاطلاع على القواعد الأساسية للاستثمار. وللحصول على فهم مبدئي عن الموضوع، فإن أفضل نقطة للانطلاق هي دليل مبادئ الاستثمار لمعهد المحللين الماليين المعتمدين الذي يغطي الكثير من المعلومات الأساسية في غضون 90 ساعة من الدراسة.
{ استعلم عن الشخص الذي سيقدم لك المشورة عن طريق البحث عن معلومات عن مهنته وعن شركته. مثلاً عدد السنوات التي قضاها في المهنة والعمل في تقديم الخدمات الاستشارية، وكيفية حصوله على مقابل عمله. بالإضافة إلى ذلك، تأكد من مؤهلاته. فكثيراً ما يتم تداول واستخدام مصطلح «مستشار مالي مستقل» من قبل شركات لا تمت إلى هذا العمل بصلة. وأنت كمستثمر بحاجة إلى معرفة أن الشخص الذي تتعامل معه يتم تعويضه بشكل مناسب من قبل صاحب عمله، وليس مجرد موظف يقوم بمطاردة مديري الصناديق للحصول على عمولات على المنتجات الاستثمارية التي يقوم بالترويج لها. وإذا امتنع المستشار المالي عن مشاركة معلومات تتعلق بمساره المهني معك، فما ذلك إلا دليل ينذر بوجود اختلال وظيفي لدى الشخص وشركته.
* راجع الحواشي السفلية المدرجة في النبذة التعريفية عن المنتج الاستثماري وليس فقط الصفحة الأولى، حتى تعثر على معدل النفقات الإجمالية. فإذا كان هذا المعدل كبيراً، يتعين عليك أن تسأل ما إذا كانت النفقات تشمل عمولة المستشار كجزء من الرسوم التي يدفعها مدير الأصول، وإذا ثبت ذلك، تأكد من قيمة هذا المبلغ. لا ينبغي أن يتردد مدير الثروات الخاص بك في الإفصاح عن هيكل الرسوم الذي يستند إليه معدل النفقات المحدد. لا تنخدع بالمصطلحات اللغوية المضللة أو صفقات المبيعات المحبوكة بشكل مضلل. إذا عجزت عن فهم أي جانب من جوانب الصفقة، فلا تباشر بإبرامها حتى يتم توضيح كل شيء.
* قبل التطرق إلى العائد على الاستثمار، عليك فهم المخاطر التي تنطوي عليها الصفقة. استعلم عن حجم رأس المال الاستثماري المُخاطر وعن السيناريو الأسوأ في حال وقوع أي مخاطر. قد تكون بيانات الأداء التاريخية مقنعة وجذابة، ولكن الأداء السابق ليس ضماناً للنجاح في المستقبل.
* تنبه إلى ما يجول في خاطرك من تحيزات سلوكية قد تسترعي انتباهك نحو فئات معينة من الأصول دون إيلاء أي أهمية لأنواع أخرى من الأصول قد تنطوي على فائدة أكبر. وهنا تبرز براعة مدير الثروات الخاص بك وقدرته على تقديم المشورة الفعالة ليس فقط بشأن العائدات المحتملة، بل بشأن السيولة والمخاطر واللوائح التنظيمية والضرائب والوقت وكل الجوانب الأخرى للتخطيط المالي التي غالبًا ما يتم تجاهلها.
إن مراعاة هذه النصائح المفيدة من قبل المستثمرين عند اتخاذ قرارات الاستثمار، ستمكنهم من حماية ثرواتهم وتحقيق النمو والعوائد المرجوة.
* محلل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
وليم طعمه *
تواجه المؤسسات المالية الخليجية أكبر قوى تغيير شهدتها الصناعة على الإطلاق. فقد أدت الوقائع الاقتصادية المتغيّرة بالفعل إلى رسم خطّة التوحيد مع تسارع وتيرة أنشطة عمليات الاندماج والاستحواذ في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي.
في الوقت عينه، تتعامل المؤسسات مع تقنيات تجديدية غيّرت تماماً طريقة تفاعلها مع عملائها. وقد أدّت جائحة كورونا إلى تسريع هذه العملية، ولا سيما في دول الخليج.
هنا، أدت حتمية التنويع الاقتصادي إلى زيادة أهمية قطاع الخدمات المالية في التسلسل الأوسع للتحوّل الهيكلي في مجال الاقتصاد الكلّي.
ومن المحتمل أن يحقق الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات أبرز التغييرات في صناعة الخدمات المالية التي شهدتها الصناعة الإقليمية في تاريخها القصير.
ومع ذلك، لا تزال العديد من المؤسسات المالية تكافح اليوم لإيجاد طريقها لبدء مسيرة الذكاء الاصطناعي.
لذا، نقترح مفهوماً يسمى فِرَق «تي» المصّممة على شكل حرف (T) باعتباره الحلّ للمؤسسات المالية؛ للتغلب على العقبات في اعتماد الذكاء الاصطناعي. الفكرة بسيطة: وتتمثل في أنّ التكنولوجيا، وبخاصّةٍ الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات، هي مجال مختلف عن الاستثمارات؛ بحيث إنّه يتطلب وظيفة إضافية، نشير إليها باسم وظيفة الابتكار، تنضم إليها وتشكّل فريق الاستثمار المتماسك في عصر الذكاء الاصطناعي.
يأتي ذلك ضمن 4 مراحل:
المرحلة 0: لا تبذل المنظمة جهوداً منسّقة في تطبيق الذكاء الاصطناعي في عملياتها الأساسية
المرحلة 1: طبّقت المنظمة مشروعاً واحداً على الأقل للذكاء الاصطناعي.
المرحلة 2: طبّقت المنظمة أكثر من مشروع واحد للذكاء الاصطناعي وفي أقسام متعددة.
المرحلة 3: يتم دمج الذكاء الاصطناعي عند الاقتضاء في جميع عمليات المنظمة.
على الصعيد العالمي، تتطلع صناعة الخدمات المالية إلى الانتقال من «المرحلة 0» في اعتماد الذكاء الاصطناعي إلى «المرحلة 1». وبغية عدم التقليل من الكلفة والموهبة والعقبات التقنية في اعتماد الذكاء الاصطناعي، نحن نرى أنّ العامل الوحيد الأكثر تأثيراً في عملية التحوّل هذه هو الرؤية التي وضعتها الإدارة. فعلى كبار المديرين التنفيذيين أن يتولّوا زمام المبادرة في هذه المرحلة، وأن يصبحوا روّاداً في مجال الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات - ليتمكّنوا عندئذٍ من التأكّد أنّ المنظمة تطوّر وتطبّق استراتيجية شاملة للذكاء الاصطناعي؛ من أجل إدخال الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة في عملياتهم.
خلال هذه العملية، يحتاج كبار المديرين التنفيذيين إلى إنشاء فريق «تي»، ولا سيما في ما يتعلق بوظائف التكنولوجيا والابتكار من الألف إلى الياء، وتزويد الفريق بالمواهب المناسبة، وتخصيص موارد كافية لمشاريعهم، وضمان دعم كبار المديرين التنفيذيين في المؤسسة.
بمجرد إنشاء الفريق، يصبح التحدّي الرئيسي ربط وظيفة كلّ من الاستثمار والتكنولوجيا بشكل فعّال حتى تتمكّن المنظمات من تخصيص مواردها لأفضل المشاريع. ويظل هذا التحدي ثابتاً طوال المراحل الثلاث لاعتماد الذكاء الاصطناعي، وبالتالي تظهر الحاجة إلى الابتكار لضمان تعاون الفريق بشكل فعّال.
بالنظر إلى المراحل الثلاث، يتبدّل العبء النسبي عبر الوظائف الثلاث مع مرور الوقت.
في المرحلة الأولى، يتمثل الأساس في العثور على مشروع يعرض قيمة وقوة أدوات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات لوظيفة الاستثمار.
يشكّل هذا الأمر عبئاً على وظيفة التكنولوجيا لتحديد المشاريع التي يكون للمستثمرين ثقة عالية في تسليمها في فترة زمنية معقولة. من الناحية المثالية، لا يتطلب ذلك الكثير من المدخلات من وظيفة الاستثمار؛ لكن قد يساعدهم في القيام بعمل أفضل. إذا نجحت وظيفة التكنولوجيا في التطبيق الأول للذكاء الاصطناعي و/ أو البيانات الضخمة بما يرضي وظيفة الاستثمار، فيمكن للفريق توقع المزيد من المدخلات من وظيفة الاستثمار في المستقبل.
لا تعمل العديد من المؤسسات المالية في العالم في المرحلة الثانية اليوم. ومن أجل توقع المستقبل، بالنسبة للمؤسسات التي تدخل المرحلة الثانية بنجاح، فمن المرجح أن يكون التركيز على موازنة المدخلات من كلّ من وظائف الاستثمار والتكنولوجيا.
قد تستغرق بعض المؤسسات المالية وقتاً طويلاً للوصول إلى المرحلة الثالثة، ونرى أنّ ذلك سيشكّل أمراً حاسماً لصمود المنظمات على المدى الطويل. ففي المرحلة الثالثة، سيتمكّن فريق «تي» أخيراً من تحقيق إمكاناته الكاملة، لا سيما مع فهم وظيفتي الاستثمار والتكنولوجيا بعضهما بشكل أفضل، ومشاركة آرائهما بشكل مفتوح، والتواصل بصورة متكرّرة حسب الحاجة. باختصار، تتطلب المؤسسات المالية التي تدخل عصر الذكاء الاصطناعي التزاماً من كبار مديريها التنفيذيين. فمن خلال دعمهم المستمر، سيتمكّن فرق «تي» المنظمة من التنقّل عبر المراحل المختلفة لاعتماد الذكاء الاصطناعي؛ بغية تحقيق أهدافها على المدى الطويل. ولن تتمكن جميع المؤسسات المالية من اجتياز هذه التحوّلات؛ إذ نتوقّع أنّ عدداً كبيراً منها سيفشل.
ومع ذلك، توضح التجارب الحديثة السرعة التي تمكّنت من خلالها دول الخليج من إعادة بناء نفسها للتكيّف مع الحقائق المتغيرة. فبعض الدول مثل الإمارات والسعودية تركّز بشكل كامل على المستقبل.
وقد أظهرت هذه الدول أنّ بإمكانها إعادة ضبط نفسها بشكل سريع؛ لتلبية احتياجات الأجيال المقبلة التي لن تتمتّع برفاهية العيش في عالم تكون فيه الثروة الهيدروكربونية الدائمة أمراً مسلّماً به.
* محلل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين في المنطقة (شاركه في المقال لاري تشاو، محلل مالي معتمد، مدير أول قسم الأبحاث في المعهد)
وليم طعمه *
عند استعراض مجريات الأحداث في عام 2020، من السهل أن نغفل أن العديد من الاقتصادات الكبرى في الشرق الأوسط كانت تعاني بالفعل، أزمات طاحنة قبل الجائحة.
فإن أردنا أن نتحدث عن بعض المشاكل التي كانت المنطقة تعانيها قبل أن يتغير كل شيء في شهر مارس، فيكفي أن نذكر انهيار أسعار النفط، وهبوط أسعار العقارات، وتراجع أرقام السياحة، وهناك الكثير غيرها. دفعت هذه المشاكل، الحكومات إلى التفكير في كيفية تعديل أجندة أعمالها الإصلاحية المعتمدة في ذلك الوقت، لمواجهة الوقائع الاقتصادية سريعة التغير.
ولهذا السبب كانت الاستجابة الإقليمية لهذه الجائحة جديرة بالملاحظة أكثر من غيرها. والملاحظ في الخطوات التي اتخذتها الحكومات على مدار العام الماضي في مكافحتها لهذه الجائحة، أن أوجه تشابه كثيرة اتخذتها المنطقة مع المنهجيات التي انتهجتها الاقتصادات الأكثر تقدماً، وكذلك بعض الاختلافات الجوهرية.
فعلى سبيل المثال، لم تحذُ منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حذو الاقتصادات المتقدمة الكبرى في ما يخص تدخلات البنوك المركزية واسعة النطاق، في أسواق الأصول، وحزم الإعانات الحكومية المباشرة للأجور. عوضاً عن ذلك، قدمت حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الدعم الاقتصادي من خلال الإنفاق من الميزانية وضمانات القروض الهادفة إلى الحفاظ على تدفق الائتمان إلى الاقتصاد الحقيقي (في مقابل الاقتصاد المالي). وإضافة إلى ذلك، ساعدت تدابير تأجيل سداد القروض المؤقتة على دعم الأسر المعيشية، وقطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة الأكثر تضرراً من الأثر الاقتصادي للجائحة.
وتفاوت حجم هذه التدابير التخفيفية تفاوتاً كبيراً عبر مختلف أنحاء المنطقة. ولم تؤدِّ السياسة النقدية التقليدية دوراً كبيراً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو أمر مفهوم في ضوء أن عملات الأردن والبحرين وعمان والسعودية والإمارات مربوطة بالدولار الأمريكي. ويعني هذا الربط أن أسعار الفائدة يجب أن تتبع الديناميكيات التي وضعها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي خفّض سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بمقدار 50 نقطة أساس في الثالث من مارس، وبمقدار 100 نقطة أساس أخرى بعد أقل من أسبوعين.
وقد قوبل توزيع اللقاحات التي طال انتظارها في الأسابيع الأخيرة، بحالة مفهومة من الارتياح في جميع أنحاء العالم، ولكن الداء الذي بقي دون دواء، هو الذي أصاب الشركات والقطاعات التي تضررت بشدة جراء الأثر المالي المدمر للفيروس هذا العام.
ومع شروع الحكومات حول العالم في إلغاء تدابير الدعم باهظة التكلفة، ستواجه مزيد من الشركات مصيرها وحدها في واقعنا الجديد، إما بالانهيار أو بالازدهار. وعند هذه المرحلة، سيصبح الأثر الاقتصادي الأطول أمداً للجائحة، أكثر وضوحاً.
بالعودة إلى الحديث عن الهشاشة الاقتصادية التي عانتها اقتصادات الشرق الأوسط في بداية هذا العام، علينا أن نتذكر أن التحديات التي أثرت في العديد من الاقتصادات الكبرى في المنطقة قبل تفشي الجائحة لم تنتهِ بعد. ستكون السنة القادمة حاسمة في ضمان عدم تسبب التداعيات طويلة الأجل لكوفيد ـ 19 في أضرار أكثر فداحة من الفيروس نفسه. هذه من أبرز القضايا التي من المقرر أن يطرحها اجتماع المائدة المستديرة المقبل لمعهد المحللين الماليين المعتمدين الذي سيناقش الآثار الناتجة عن سياسات الحكومات، جراء تعاملها مع هذه الجائحة، فضلًا عن مصادر المخاطر الجديدة التي ربما تكون قد نشأت في أثناء ذلك.
من بين المخاطر التي تتبادر إلى الذهن على الفور نجد إدارة الديون التي ستشكل تحدياً للعالم ككل في عام 2021. فقد ارتفعت معدلات العجز في جميع أنحاء العالم، نتيجة لاقتراض الحكومة والشركات هذا العام، إضافة إلى أعباء الديون الوطنية.
والآن، تحتاج الحكومات في جميع أنحاء العالم العربي إلى القدر نفسه من البراعة في التعامل مع هذه المخاطر.
*محلل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحللين الماليين المعتمدين