الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
يوسف أحمد المطوع
الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة
أحدث مقالات يوسف أحمد المطوع
8 ديسمبر 2024
المجتمعات المستدامة والحياد المناخي

يوسف أحمد المطوع*

تحتضن المناطق الحضرية في عصرنا الحالي نحو 4.4 مليار نسمة، وهو ما يعادل أكثر من نصف سكان العالم، مع توقعات بارتفاع هذا الرقم إلى ما يقارب 7 من كل 10 أشخاص على مستوى العالم بحلول منتصف القرن الحالي. ومن الواضح أن المدن تشكل عنصراً أساسياً في أزمة المناخ. وإضافة إلى ذلك، فإن سكان المناطق الحضرية هم الأكثر عرضة للكوارث المناخية، مثل الفيضانات وحرائق الغابات والعواصف وموجات الحر.
ووفقاً للبيانات السنوية التي نشرها تحالف «كلايمت تريس»، المبادرة البيئية الدولية، في مؤتمر«كوب 29» في العاصمة الأذربيجانية باكو، فإن المدن في آسيا والولايات المتحدة تنتج القسم الأكبر من انبعاثات غازات الدفيئة التي تؤجج التغير المناخي وتزيد من شدته. وتُنتج المناطق الحضرية 17 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، أو أكثر من 25% من الانبعاثات العالمية.
ويُحدث التغير المناخي تأثيراً مباشراً في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، كما تتعرض المدن أيضاً لضغوط بسبب التصحر والجفاف. وأشار تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن تغيرات المناخ قد تؤدي إلى نزوح أكثر من 200 مليون شخص بحلول عام 2050.
ويترك التدهور البيئي أيضاً تأثيرات كبيرة في الصحة العامة، حيث يؤدي التلوث المتزايد إلى ارتفاع معدلات أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والالتهابات. ويموت سنوياً نحو 7 ملايين شخص في سن مبكرة نتيجة أسباب متعلقة بتلوث الهواء. وتسبب الضباب الدخاني الذي انتشر في دلهي مؤخراً بإغلاق المدارس والمكاتب، مع زيادة عدد حالات دخول المستشفيات من السكان المتضررين. وتشهد مناطق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا زيادة في حالات الأمراض التنفسية، مثل الربو والتهاب القصبات، وذلك بسبب الغبار والعواصف الرملية الناجمة عن تدهور الأراضي.
ويُعد الاحتباس الحراري أكبر خطر وجودي يهدد البشرية اليوم، لذا يجب علينا التصرف فوراً، إذ إن التأخر في بذل الجهود لخفض الانبعاثات سيكون له عواقب وخيمة على ارتفاع منسوب مياه البحار، والأمن الغذائي، والصحة العامة. وفي هذا السياق، ثمة حاجة ماسّة إلى إعادة النظر في طريقة تصميم البيئات الحضرية وإنشائها والحفاظ عليها. ويجب أن يكون بناء المجتمعات المستدامة أساس جهودنا، بهدف تحقيق أهداف الحياد المناخي وضمان مستقبل مشرق للجميع.
ويمكن للمجتمعات المستدامة حلّ العديد من التحديات الصعبة التي تواجه المدن اليوم. فمن خلال الاستفادة من الطاقة المتجددة، والبنية التحتية الموفرة للموارد، ومبادئ الاقتصاد الدائري، يمكن لهذه المجتمعات تحقيق تحسن كبير من حيث تأثيرها البيئي وجودة حياة السكان. وتتمتع المجتمعات المعنية بالمرونة والقدرة على التأقلم والشمولية، حيث تشكل نموذج تنمية حضرية يتماشى مع الأهداف الوطنية في الاستدامة.
وانسجاماً مع هذه المهمة، شهدت دولة الإمارات تطوير العديد من المجتمعات المستدامة، من بينها مدينة الشارقة المستدامة، التي تُعد أول مجتمع سكني مستدام في إمارة الشارقة تم تطويره بالتعاون بين هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) وشركة «دايموند ديفلوبرز». ويحتضن المشروع أكثر من 600 أسرة من دول مختلفة، ويهدف إلى تلبية أعلى معايير الاستدامة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية.
وصُممت مختلف جوانب مدينة الشارقة المستدامة لتقليل بصمتها البيئية، وتحفيز إحساس بالمسؤولية البيئية والهدف المشترك بين سكانها، بدءاً من الوحدات السكنية الموفرة للطاقة والبنية التحتية المزودة بالطاقة الشمسية، ووصولاً إلى الأنظمة المتقدمة لإعادة تدوير النفايات وحلول التنقل الأخضر.
ويشكل بناء المجتمعات المستدامة خطوة حاسمة في مواجهة التغير المناخي، فضلاً عن دورها في تعزيز الصحة العامة والأمن الغذائي والمرونة والتنمية الاقتصادية. ومن خلال التركيز على الاستدامة في منازلنا وأعمالنا ومجتمعاتنا، يمكن لعب دور مهم في تحقيق مستقبل أكثر استدامة ومرونة للجميع.
إلا أن تكرار هذا النموذج يتطلب خطوات عملية من الحكومات والأعمال والمجتمع المدني لوضع السياسات والاستثمار في جهود الابتكار والتفاعل مع المجتمعات في رحلة الانتقال إلى نمط الحياة المستدام. ويركز مؤتمر كوب 16 الرياض (الذي تُعقد فعالياته من 2 إلى 13 ديسمبر 2024) على تعزيز الشراكات مع المجتمع المدني والمؤسسات المحلية، بهدف تطبيق حلول مستدامة على أرض الواقع.
وتكتسب الشراكات بين القطاعَين العام والخاص أهمية خاصة في هذا السياق، حيث يمكن تسريع عملية تطوير مجتمعات مستدامة وضمان توفير ميزاتها وفوائدها للجميع، من خلال دمج موارد وخبرة القطاع الخاص من جهة مع الدعم التنظيمي ورؤية الحكومات من جهة أخرى. وتشكل المنصات العالمية، مثل مؤتمر كوب 29 الذي اختُتمت أعماله مؤخراً، فرصة مثالية لصنّاع القرار لتحويل الالتزامات إلى أفعال ملموسة، والتركيز على الاستثمار في التنمية المستدامة وتعزيز تبادل المعرفة بين المدن.
ولتحقيق الحياد المناخي، يجب على المدن دمج الاستدامة في مختلف الجوانب والمستويات، بدءاً من التخطيط وتصميم البنية التحتية، وصولاً إلى التفاعل المجتمعي والتعليم. وباتت الرسالة واضحة، فاليوم لم يعد بناء مجتمعات مستدامة خطوة اختيارية، بل جانب مهم وضروري في ظل التغير المناخي التي يعصف بالعالم. ومن خلال الالتزام بهذا المسار، يمكننا الحفاظ على مدننا بصفتها مراكز للفرص وبيئات قادرة على التكيف.
* الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة

11 يونيو 2024
المنظومات البيئية والمدن الذكية

يوسف أحمد المطوع *

استعادة الأراضي والحدّ من التصحر وإدارة التداعيات الشديدة لموجات الجفاف لضمان سلامة ثلاثة مليارات شخص. للوهلة الأولى، قد تبدو أهدافاً مناخية يجب تحقيقها في المستقبل البعيد، إلا أنها تأتي في مقدمة أولويات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) لهذا العام، بالتزامن مع احتفال المجتمع الدولي بمناسبة يوم البيئة العالمي.

ويشكل يوم البيئة العالمي 2024 في 5 يونيو/ حزيران فرصة لاتخاذ خطوات عملية، لا سيما في ظل تدهور 20% من الأراضي على مستوى العالم واختفاء الغابات وتقلّص المسطحات المائية وتحوّل المزارع إلى أراضٍ قاحلة. وتماشياً مع الوضع البيئي الحالي، ينصبّ التركيز هذا العام على موضوع الترميم، الذي يشمل إعادة زراعة الغابات، وإعادة ترطيب المستنقعات، واستعادة التربة، وتجديد المنظومة البيئية الحساسة والتي تعاني من التأثيرات المدمرة الناجمة عن تزايد الانبعاثات.

وتشكل منطقة دول مجلس التعاون الخليجي وجهة مثالية لتجديد مساعي التصدي للأزمة المناخية، لا سيما أنها تتصدر جهود التوعية البيئية واستعادة المنظومات البيئية.

ولا شك أن دول هذه المنطقة برزت بصفتها رائدة على مستوى العالم في التصدّي لتغييرات المناخ واعتماد التنمية المستدامة.

وشكل «كوب 28»، المؤتمر المناخي الأكبر في تاريخ الأمم المتحدة والذي استضافته دبي العام الماضي، خير مثال على المكانة الرائدة لدولة الإمارات في المنطقة فيما يتعلق بالالتزام بالمسؤولية البيئية، حيث قادت الجهود بالاعتماد على المرونة والابتكار لرسم ملامح مستقبل مستدام في منطقة شديدة التعرض لتأثيرات التغير المناخي. ولذا يتزايد التركيز في الإمارات والمنطقة على إنشاء مبانٍ خضراء، ومدنٍ ذكية، وأنظمة لإدارة النفايات بأساليب مستدامة، ومبادرات إعادة التدوير، ووسائل نقل صديقة للبيئة، والتي تقطع جميعها شوطاً طويلاً في مواجهة التهديد الثلاثي والمتمثل في تدهور الأراضي والتصحر والجفاف، والذي يشكل جزءاً من أجندة يوم البيئة العالمي لهذا العام.

وفي منطقة تتضمن عدداً من أكثر الاقتصادات ديناميكيةً على مستوى العالم، مثل الإمارات، لا غرابة في أن تلعب مدن المستقبل دوراً محورياً في مساعي تحقيق بيئة نظيفة وخالية من الانبعاثات. ويشكل يوم البيئة العالمي المناسبة المثالية لتوضيح أهمية جوانب الاستدامة والذكاء في مدن المستقبل، والمساعدة في الحفاظ على الموارد البيئية الثمينة من أجل أجيال المستقبل، من خلال الجهود التعاونية بين القطاعَين العام والخاص.

ولإضفاء الذكاء والاستدامة على المدن يجب إعادة التفكير بمختلف عناصر الحياة الحضرية ودمجها مع بعضها، سواء كانت تتعلق بمشاركة المعرفة ودعم مجتمعات مستدامة، أو دعم الاقتصاد الدائري، أو تسهيل التنقل النظيف، أو تهيئة البنية التحتية لطاقة جديدة، أو ضمان الأمن الغذائي للمجتمع.

وتؤكد المشروعات المستدامة الرائدة في الإمارات، مثل مدينة الشارقة المستدامة، أن المدن التي توفر نمطَ حياةٍ صديقاً للبيئة وتمهّد الطريق نحو مستقبل بصافي انبعاثات صفري باتت حاضراً نعيشه وليست مجرد مفاهيم مستقبلية.

وتمثل مدينة الشارقة المستدامة، أول مجتمع سكني مستدام في إمارة الشارقة تم تطويره بالتعاون بين هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) وشركة «دايموند ديفلوبر»، نقلةً نوعيةً لمدن المستقبل في دولة الإمارات والشارقة، التي تركز على الحفاظ على البيئة الطبيعية وتعزيزها بالتزامن مع الاستمرار في إنشاء بيئة مميزة. كما تنسجم المدينة مع رؤية الشارقة؛ حيث تشكل التنمية المستدامة محور الاستراتيجيات التي اعتمدتها حكومة الإمارة.

وتم تجهيز جميع الفلل في المدينة بتقنيات المنازل الذكية وألواح الطاقة الشمسية، كما يشجع المجمع على التنقل الأخضر من خلال 80 محطة لشحن المركبات الكهربائية ووسائل تنقل كهربائية ضمن المدينة. وبالإضافة إلى مجموعة واسعة من الميزات المستدامة، تعالج المدينة 100% من مياه الصرف الصحي فيها لاستخدامها في ري المساحات الخضراء، وتُعيد تدوير أكبر كمية ممكنة من النفايات وفق ممارسات مستدامة، بما في ذلك تحويل النفايات إلى سماد. وتساعد هذه الجهود في تعزيز الزراعة المستدامة وتقليل النفايات في المكبات.

وتهدف المدينة، انطلاقاً من سعيها لتحقيق صافي صفر الطاقة، إلى دعم مجتمع صديق للبيئة مع تقليل البصمة الكربونية وتوفير استهلاك الطاقة وفواتير الخدمات المرتبطة بها. ومن خلال دمج أفضل التصاميم المعمارية ومواد البناء المستدامة، والممارسات المستدامة في الهندسة والإنشاء، وتقنيات الزراعة منخفضة الكربون، والتنقل النظيف، ومصادر الطاقة المتجددة، أرست المدينة معياراً جديداً للمجمعات المستدامة وفي ممارسات الحفاظ على البيئة. ويرتبط هذا المعيار والمحور الأخضر الوافر في مدينة الشارقة المستدامة بصورة وثيقة مع زخم العمل المناخي بمناسبة يوم البيئة العالمي، مما يسلط الضوء على الاستخدام المستدام للأراضي في سبيل تحقيق تنمية تدريجية. وعلى الصعيد العالمي، تعهدت الدول باستعادة مليار هكتار من الأراضي، وهي مساحة أكبر من الصين، من خلال حماية 30% من الأراضي والبحار للطبيعة، واستعادة 30% من المنظومات البيئية.

وبصفته أداةً أساسيةً للأمم المتحدة للتوعية، والتشجيع على العمل من أجل البيئة، يشكل يوم البيئة العالمي منصة حيوية لتعزيز التقدم في أهداف التنمية المستدامة واتخاذ خطوات ملموسة للوفاء بالالتزامات بهدف منع وعكس تدهور المنظومات البيئية. وفي مدينة الشارقة المستدامة، نفتخر بدورنا المتواضع في توجيه المنطقة نحو طريق مستدام ومرن، من خلال حشد الدعم للمنظومات البيئية الحيوية، والتعاون مع المجتمع لحماية الناس والبيئة.

وعلى الرغم من الزخم الملموس نحو السياسات الإيجابية المتعلقة بتغير المناخ، فإن الطريق لا يزال في بدايته. فبحسب الأمم المتحدة، يحتاج العالم إلى استعادة 1.5 مليار هكتار بحلول عام 2030 لحماية الحياة على الكوكب. وبناءً عليه، يشكل يوم البيئة العالمي لهذا العام الوقت الأمثل لتحويل هذه الطموحات والالتزامات إلى نقطة تحول للعمل البيئي، من أجل تحقيق تغيير إيجابي في المستقبل.

* الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة

3 مارس 2024
لغدٍ مستدام عبر مدن المستقبل

يوسف أحمد المطوع*

تلعب المدن دوراً محورياً في الاقتصاد العالمي، حيث يعيش فيها أكثر من نصف سكان العالم، لذا فإن اعتماد وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في التنمية الحضرية، سيؤدي بلا شك إلى إنشاء مدن مستدامة ومزدهرة على المدى الطويل، ما يسهم في تحقيق الرفاهية لسكانها.

تكتسب هذه المنهجية البسيطة والفعالة أهمية كبيرة، لا سيما في ظل تقلص النافذة المُتاحة للحدّ من ظاهرة التغير المناخي، وبروز الحاجة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حزماً، لإحداث تأثير جذري في الأنظمة الحضرية. وبناءً عليه، يمكن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من العمل المناخي، من خلال نهج يسهم في التحول العالمي للطاقة، ويستفيد بصورة كاملة من الروابط التي تصل بين البنى التحتية المختلفة، ويعزز عمليات الحوكمة والتمويل المتكاملة، ويدعم التفاعل بين مختلف أصحاب المصلحة. وسلطت القمة العالمية للحكومات 2024، التي اختتمت أعمالها مؤخراً، الضوء على هذه الأفكار المهمة، حيث تناولت جلسة حوارية بعنوان «بناء مستقبل مستدام في آفاق المدن» الأولويات الحاسمة للقطاع في العقود المقبلة.

وتشير تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أن الناتج الاقتصادي العالمي السنوي، يمكن أن ينخفض بما يصل إلى 23 تريليون دولار، نتيجة زيادة الانبعاثات. لذا تمثل معالجة التغير المناخي مسؤولية عاجلة ومشتركة بين القطاعَين العام والخاص.

ثمة أسباب عديدة تدعو إلى التفاؤل بمستقبل مستدام للمدن في دولة الإمارات، فعلى سبيل المثال، وافقت دبي على لوائح تنظيمية تشمل المباني الخضراء ومعايير المباني المستدامة، لضمان التزام المطورين بممارسات التطوير المستدامة. وأطلقت أبوظبي نظام التقييم بدرجات اللؤلؤ التابع لبرنامج استدامة عام 2010، حيث يُستخدم النظام لتقييم ممارسات تطوير المباني المستدامة، وترشيد استهلاك المياه والطاقة وتقليل كميات النفايات. لذا، تركت المشروعات المستدامة، مثل مدينة مصدر في أبوظبي، ومجمع محمد بن راشد آل مكتوم للطاقة الشمسية في دبي، والمجتمعات مثل مدينة الشارقة المستدامة، بصمتها على مشهد صافي الانبعاثات الصفري على مستوى الدولة.

وتشكل استراتيجية الإمارات للحياد المناخي، بحلول 2050، عامل تمكين أساسياً لرؤيتها الطموحة نحو مستقبل مستدام، لا سيما أنها أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتجه إلى تحقيق صافي انبعاثات صفري. وأعلنت الإمارات استثمار أكثر من 160 مليار دولار، لتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050.

وسلطت الحوارات التي دارت في القمة العالمية للحكومات الضوء على الجهود الرائعة، التي تبذلها دولة الإمارات، للاستفادة من تحول الطاقة وتعزيز التعاون مع جميع القطاعات وأصحاب المصلحة الحكوميين، لإنشاء منظومة استدامة تغطي مختلف المشروعات والمجتمعات.

برزت مدينة الشارقة المستدامة، المشروع المشترك بين هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير (شروق) وشركة «دايموند ديفلوبرز» للتطوير العقاري، بفضل الفرص المذهلة التي توفرها في المجال.

وتمثّل المدينة نقلةً بيئيةً في المجمعات المستدامة في دولة الإمارات، حيث تطمح إلى تحقيق صافي انبعاثات صفري، وتوفير حلول عمليّة في مجال الأمن الغذائي وإدارة الماء والطاقة، إضافة إلى الحفاظ على الموارد الطبيعية. وتعمل المدينة على تنمية مجتمع استثنائي ومستدام يعتمد أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، ويلهم مستقبلاً منخفض انبعاثات الكربون. وتم تصميم جميع الفلل في المدينة بصفتها منازل ذكية، فضلاً عن تزويدها بأجهزة مطبخ موفرة للطاقة، واستخدام مواد عازلة حرارياً في بنائها، وتقنيات أتمتة المنازل الذكية، وتجهيزات كهربائية موفرة للطاقة، وألواح الطاقة الشمسية، ما يسهم في توفير ما يصل إلى 50% من فواتير الخدمات العامة للسكان.

وتوفر المدن المستدامة، مثل مدينة الشارقة المستدامة، نموذجاً ناجحاً وعملياً لبناء مستقبل مستدام للمدن.

ومع أن طريق الازدهار لا يزال طويلاً أمام المنظومة العالمية للمدن المستدامة، وأمام إمكانية تحقيق صافي انبعاثات صفري تجارياً، لكن مشروعات مثل مدينة الشارقة المستدامة، تُظهر بوضوح مسار إنشاء بيئة مستدامة لأجيال المستقبل.

* الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة

17 أكتوبر 2023
الدور الحاسم لثلاثية الغذاء والمياه والطاقة

يوسف أحمد المطوع *

تدفع عدة عوامل، كالتضخم السكاني والهجرة التي تشمل الانتقال من الريف إلى المدن والهجرة بين الدول، إلى تطوير المزيد من المناطق لتمكين قرابة 7 مليارات نسمة يتوقع أن تسكن في المناطق الحضرية بحلول عام 2050.

وترتفع معدلات الهجرة إلى بلدان أخرى في ظل تسهيلات التأشيرات والهجرة التي توفرها دول كثيرة، بما فيها العديد من دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديداً نحو المدن الرئيسية فيها، بحثاً عن فرص حياة أفضل، وهو ما يؤدي إلى بقائهم في تلك الدول لسنوات طويلة، فيما يختار بعضهم الاستقرار الدائم فيها.

لا يعد الانتقال إلى المدن «التحضر» سلوكاً إنسانياً طارئاً، لكنه شهد تسارعاً غير مسبوق بعد الحرب العالمية الثانية، حيث سجل ارتفاعاً ملحوظاً في حصة المناطق الحضرية عالمياً من السكان من نسبة 30% في عام 1950 إلى 57% في عام 2021.

صحيح أن التوسع الحضري يحفز الابتكار والرخاء الاقتصادي، ويحسن جودة الحياة، ويعزز التنوع الثقافي، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى آثار سلبية، كالضغط على الموارد الطبيعية، الذي يؤدي إلى ارتفاع استهلاك الطاقة ويتسبب في إنتاج المزيد من النفايات وكافة أشكال التلوث.

ويتزامن هذا كله مع ما يواجه العالم من أزمة كوكبنا الثلاثية، كتغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي والتلوث.

ومن بين العوامل المتعددة المسببة للهجرة نحو الحضرية نجد التغير المناخي يفرض نفسه بقوة، فهو لا يؤدي فقط إلى نزوح الأشخاص الذين خسروا محاصيلهم، وبالتالي مصادر دخلهم، بسبب الجفاف والتدهور البيئي، بل يؤدي كذلك إلى زيادة الطلب على الموارد، بما في ذلك الغذاء والمياه والمأوى في المناطق الحضرية.

وتتحمل المياه العذبة، من بين الموارد الرئيسية الأخرى، العبء الأكبر، لما يفرضه التحضر عليها من ضغوط هائلة، فهي مورد محدود وسريع النفاذ في كوكبنا الذي يضمن صحتنا وتوازن البيئة، وهي العنصر الأكثر أهمية بعد الهواء للنباتات والحيوانات والحياة البرية، وكذلك لبقاء الإنسان.

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن 2.5% فقط من مياه كوكب الأرض عذبة وصالحة للشرب والزراعة والاستخدامات الصناعية الأخرى. ومن المؤسف أن موارد المياه العذبة التي تتعرض لسوء إدارة وعوامل أخرى كتغير المناخ، تعاني حالياً ضغوطاً أدت إلى انخفاض نسبة توافرها إلى 20% لكل فرد خلال العقود الماضية.

ولوضع موارد المياه العذبة على رأس القائمة، يركز يوم الأغذية العالمي في 16 أكتوبر أيضاً على المياه. تحت عنوان «الماء هو الحياة، الماء هو الغذاء». «لا تتركوا أحداً خلفنا»، ليدعو إلى بذل جهود عالمية لإدارة المياه بشكل أكثر حكمة، ويؤكد أن الحكومات في جميع أنحاء العالم بحاجة إلى تصميم سياسات قائمة على العلم والبيانات والابتكار والتنسيق بين القطاعات لتخطيط وإدارة المياه بشكل أفضل. علاوة على ذلك، ستخصص الدورة الثامنة والعشرون لمؤتمر الأطراف (COP28) الشهر المقبل في دبي يوماً لهذا الموضوع مع العديد من الفعاليات التي تركز على الغذاء والزراعة والمياه.

يستهلك القطاع الزراعي نحو 70% من المياه العذبة على مستوى العالم. ولذلك، يجب علينا التسريع في اتخاذ إجراءات على جميع المستويات لجعل هذا القطاع مستداماً قدر الإمكان، بترشيد استخدام كل قطرة ماء بحكمة وكفاءة، لاسيما في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الأكثر عرضة للتغير المناخي، والتي تضم بعضاً من أكثر البلدان حرارة وندرة في المياه في العالم. مع التحديات المتزايدة التي تشكّل تهديداً للحياة البشرية والحيوانية والنباتية على الأرض، ستحتاج الحكومات والقطاع الخاص والأفراد إلى تكثيف الجهود للحد من هدر المياه العذبة وتحديد وتوسيع نطاق الحلول المبتكرة التي يمكن أن تساعد على تقليل استخدامها، وخاصة في قطاع الزراعة.

إن استمرار الطلب على المياه العذبة وارتفاع نسب استهلاكها، يحيلنا إلى مفهوم المدن المستدامة كأحد أفضل الطرق العملية للحد من استخدام المياه العذبة وإساءة استخدامها في المناطق الحضرية. على سبيل المثال، في مدينة الشارقة المستدامة، كان تركيزنا منذ اليوم الأول على تطوير مجتمع يوفر حياة عالية الجودة مع الحد الأدنى من التأثير على البيئة، ويلبي أعلى معايير الاستدامة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية.

على مدى العامين الماضيين، قمنا ببناء مجتمع استثنائي ومستدام يحتضن ويجسد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، ويبشر بمستقبل منخفض الكربون، ويقدم حلولاً عملية للأمن الغذائي، وإدارة المياه والطاقة، والحفاظ على الموارد الطبيعية. إذ تشجع المدينة أيضاً الزراعة الحضرية، وتتميز بحلول زراعية عالية التقنية، مثل البيوت الخضراء التي تعتمد على الزراعة العمودية لإنتاج الخضراوات الطازجة للسكان، ويمكن أن تساعد على توفير ما يصل إلى 90% من المياه العذبة مقارنة بالزراعة التقليدية. كما أنها تعزز إنتاج الغذاء المحلي، وتدعم جهود الأمن الغذائي في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما تقوم المدينة بمعالجة 100% من مياه الصرف الصحي لري المساحات الخضراء، وتزيد من إعادة التدوير لتحويل النفايات من مدافنها.

وعلى الرغم من الجهود الملحوظة لبعض البلدان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للحد من هدر المياه العذبة، فإن الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لا تزال قائمة. وتشتمل الجهود على تنفيذ سياسات فعالة لزيادة كفاءة استخدام المياه وترشيده في جميع القطاعات، وخاصة في الصناعة الزراعية، وجعل الزراعة الحضرية أكثر استدامة وكفاءة في استخدام المياه. ويشمل ذلك أيضاً زراعة المحاصيل الغذائية والأعلاف القادرة على التكيف مع المناخ، وتعزيز الزراعة المحلية، وبناء مجتمعات متمكنة، وخاصة بين الشباب، لرفع مستوى الوعي بالتهديدات التي تواجه المياه العذبة ودورها المحوري في تغذية العالم.

* الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة

7 مايو 2023
أهمية تقليل هدر الطعام في ضمان مستقبل أفضل

يوسف أحمد المطوع*

يحتفل العالم هذا الشهر بمناسبة يوم الأرض، المبادرة البيئية الأهم على مستوى العالم، والتي يشارك فيها أكثر من مليار شخص للقيام بواجبهم ودعوة الجميع للاستثمار في كوكبنا. ويُعدّ هدر الطعام إحدى المشكلات الرئيسية التي تؤثر على كوكب الأرض؛ حيث حازت اهتماماً كبيراً في السنوات الأخيرة، نظراً لتأثيرها البيئي وتداعياتها على الأمن الغذائي. ويحدث هدر الطعام في جميع مراحل سلسلة توريد الغذاء، بدءاً من الإنتاج ووصولاً إلى الاستهلاك، ما يؤدي إلى إهدار كبير للموارد والطاقة، إلى جانب زيادة انبعاثات غازات الدفيئة. وتُقدّر منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة نسبة فقد وهدر الغذاء بحوالي ثلث الإنتاج العالمي الحالي من الأغذية سنوياً، ما يعادل 1.3 مليار طن من الغذاء الصالح للاستهلاك.

وينطوي هدر الطعام على تأثيرات كبيرة على البيئة؛ حيث يُسهم إنتاج الغذاء ونقله في زيادة انبعاثات غازات الدفيئة. وتشير التقديرات إلى أن الطعام المهدور يُنتج 3.3 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، ما يعادل 7% من انبعاثات غازات الدفيئة على مستوى العالم. كما ينجم عن هدر الطعام ضياع الموارد المُستخدمة في إنتاج الغذاء، مثل المياه والتربة، مما يزيد من مشكلة ندرة الموارد ويشكل عبئاً إضافياً على الموارد الطبيعية.

وتحظى مشكلة الطعام المهدور باهتمام متنامٍ في الشرق الأوسط؛ حيث يُقدّر إنتاج الإمارات منه بنحو مليوني طن سنوياً، ما يشكل توجهاً مقلقاً يستدعي إسهام جميع الأطراف المعنية لمعالجته. وتبلغ تكلفة هدر الطعام في الدولة نحو 13.2 مليار درهم (حوالي 3.6 مليار دولار أمريكي) سنوياً، فيما تصل التقديرات إلى تريليون دولار أمريكي على مستوى العالم.

تدرك حكومة الإمارات أهمية معالجة هدر الطعام؛ حيث أطلقت مبادرات عديدة لتقليل الهدر وتعزيز الاستدامة. ويعمل بنك الإمارات للطعام، الذي تأسس في عام 2017، على جمع فائض الطعام من الفنادق والمطاعم ومتاجر السوبر ماركت وتوزيعها على المحتاجين؛ حيث وصل عدد الوجبات التي وزعها إلى أكثر من 50 مليون وجبة، مما يُسهم في تقليل الطعام المهدور. وأطلقت الحكومة العديد من الحملات لتقليل هدر الطعام، والتوعية بهذه المشكلة، والتشجيع على اعتماد ممارسات غذائية أكثر استدامة، كما أدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الضيافة لمراقبة هدر الطعام.

يُعد توطين إنتاج الغذاء وزراعته في المنازل إحدى أفضل الوسائل لتقليل هدر الطعام وتعزيز الاستدامة. وتأتي دولة الإمارات في صدارة دول المنطقة لاعتماد هذه الممارسات، التي يمكن تحقيقها من خلال الابتكارات في البحث والتطوير الزراعي، بما فيها المناطق الزراعية والزراعة المجتمعية، بالإضافة إلى الحلول عالية التقنية مثل الزراعة العمودية. وتكثف الدولة جهودها لتطوير حلول إسكان مستدامة، ومن أبرزها مدينة الشارقة المستدامة، التي تركز على تشجيع سكانها على تقليل هدر الطعام، وتوفر لهم مرافق مثل المناطق الزراعية والبيوت الخضراء التي تعمل بالزراعة العمودية لإنتاج محاصيل طازجة ضمن المدينة. وتعمل المدينة على زيادة فاعلية المناطق الزراعية، من خلال إقامة برامج تفاعل مجتمعي للتوعية، ومشاركة المعرفة حول الممارسات المحلية للأمن الغذائي وهدر الطعام والمناطق الزراعية. وتُسهم هذه الجهود في تعزيز الزراعة المستدامة وتقليل هدر الطعام، بالإضافة إلى دعم الجهود الأوسع نطاقاً، بما فيها الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي وأهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة، والتي يدعو هدف منها إلى خفض هدر الأغذية إلى النصف، والحد من خسارة الغذاء بحلول عام 2030.

ويعزز تقليل الهدر الأمن الغذائي، ويوفر العديد من الفوائد الاقتصادية؛ حيث يمكن لدولة الإمارات من خلاله تحقيق وفورات سنوية تبلغ حوالي 4.4 مليار درهم. ويمكن من خلال تعزيز أنظمة مستدامة للزراعة وإنتاج الغذاء تقليل الاعتماد على الغذاء المستورد في الدولة، فضلاً عن تحسين الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي.

لا ينبغي أن تقتصر جهود الحد من هدر الطعام على المبادرات الحكومية وحسب؛ إذ يمكن للأفراد أيضاً الإسهام نحو تحقيق هذا الهدف، من خلال تقليل طلبات الطعام، وشراء المواد الغذائية الأساسية فقط، وشراء الخضراوات والفواكه ناقصة النمو، والتي ترفضها أغلبية متاجر السوبر ماركت، والتخطيط للوجبات وتحضيرها، وتخزين الطعام بطريقة صحيحة، وابتكار طرق جديدة لاستعمال بقايا الطعام، والتبرع بفائض الطعام، وتحويل النفايات العضوية إلى سماد، وغيرها. ويمكن لهذه الخطوات تقليل هدر الطعام، وتعزيز الاستدامة بصورة ملحوظة.

ويشكل هدر الطعام قضية ملحّة تؤثر على الجميع؛ إذ لا تقتصر تداعياتها على البيئة فقط، بل تشمل قدرتنا على تأمين الغذاء لأنفسنا وللمحتاجين. وساهم التزام حكومة الإمارات في تعزيز الزراعة المستدامة والإدارة الذكية للنفايات ومبادرات إعادة الاستخدام في معالجة هذه المشكلة. وأعلنت دولة الإمارات 2023 عاماً للاستدامة، كما تستعد لاستضافة مؤتمر «كوب 28»، الفعالية الأكبر عالمياً في مجال المناخ، في وقت لاحق من العام، مما يحفّز تغييراً سلوكياً بين عدد متنامٍ من الأفراد والقطاعات لاتخاذ خيارات مستدامة وتقليل هدر الطعام.

ولا تزال الإسهامات الفردية في هذا المجال حاسمةً لتعزيز الاستدامة والأمن الغذائي على مستوى الدولة والعالم. ويمكن إنشاء نظام غذائي أكثر استدامة ومسؤولية، والحفاظ على البيئة للأجيال القادمة، وضمان توافر الطعام الصحي للجميع من خلال اعتماد حلول مبتكرة، بما فيها المناطق الزراعية والزراعة المجتمعية.

*الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة

12 مارس 2023
أهمية حلول السكن المستدامة في تأمين مستقبل أفضل

يوسف أحمد المطوع*

يعد المأوى، إلى جانب الطعام واللباس، من أكثر المتطلبات الأساسية التي يحتاج إليها الإنسان. ويواجه العالم اليوم تحديات بيئية، مثل التغير المناخي وخسارة التنوع الحيوي والتلوث، إضافة إلى ارتفاع مستوى الطلب على العقارات السكنية والتجارية، والنمو السكاني، الذي يُتوقع أن يصل إلى 8.6 مليار نسمة بحلول عام 2030 وإلى 9.8 مليار نسمة بحلول عام 2050.

وسيحتاج 3 مليارات شخص إلى منازل جديدة بحلول عام 2030، إضافة إلى نحو 300 مليون منزل جديد، أو نحو 21 مليون منزل جديد سنوياً. وتنعكس هذه التوقعات على شكل زيادة في الطلب على البناء والمواد المرتبطة به، بما في ذلك الفولاذ والزجاج والطوب والإسمنت، ثاني أكثر مورد استخداماً على الإطلاق بعد المياه.

وتؤدي التوقعات أيضاً إلى استنزاف موارد طبيعية نادرة أساساً، لا سيما التربة والمياه العذبة، إضافة إلى زيادة الطلب على الطاقة، ما يسهم في انبعاثات غازات الدفيئة. وتعد الأبنية التجارية والسكنية مسؤولة عن أكثر من ثلث الطاقة المستهلكة والانبعاثات المرتبطة بالطاقة، حيث تتسبب بنسبة 39% من انبعاثات الكربون العالمية المرتبطة بالطاقة، والتي تتألف بنسبة 28% من الانبعاثات التشغيلية، أي من الطاقة المستخدمة للتدفئة والتبريد وغيرها، وبنسبة 11% من عملية البناء والمواد المستخدمة، بما في ذلك الفولاذ والإسمنت والزجاج.

بالنظر إلى هذه التوجهات التحذيرية، يحتاج العالم إلى تكثيف الجهود لإضفاء الاستدامة على المشروعات العقارية، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أكثر مناطق العالم ندرة في المياه وموطن بعض أكثر المناطق حرارة في العالم. وتتضمن هذه الجهود إعادة التفكير في مواد البناء المستخدمة وتطبيق لوائح تنظيمية أكثر صرامة لضمان أقل تأثير ممكن على الطبيعة خلال دورة حياة المشروعات في القطاع، بدءاً من وضع الخطط ووصولاً إلى الإنشاء، ومن بدء الاستخدام إلى الهدم والتخلص من النفايات.

وتتمثل الخطوة الأهم في تحديد الحلول المبتكرة والعملية وتوسيع نطاقها واستعراضها على منصات عالمية مختلفة.

وتتضمن هذه المنصات القمة العالمية للحكومات 2023، التي استضافتها دبي بين 13 - 15 فبراير 2023. وشهدت القمة حضور نحو 10 آلاف مشترك، من بينهم رؤساء، ووزراء، ومسؤولون حكوميون، ورؤساء مؤسسات وشركات عالمية، إضافة إلى قادة فكر، وخبراء عالميين، وقادة أعمال بارزين، حيث شاركوا رؤاهم وناقشوا أفكارهم واستراتيجياتهم المستقبلية.

وركزت أحد الموضوعات الرئيسية في القمة على تصميم المدن العالمية والاستدامة، نظراً لأهمية الاستدامة في القطاع العقاري. وشكلت القمة منصة حيوية لمناقشة دور الحكومات في إنشاء مدن مستدامة بشكل أفضل، لا سيما في ظل التوسع الحضري السريع الذي نشهده، وكيف يمكننا اعتماد بنى تحتية مدعومة بالاستدامة والتفاعل مع المجتمعات وتعزيز الطاقة النظيفة وجهود إزالة الكربون.

تصدرت دولة الإمارات، بفضل جهود قيادتها الحكيمة، جهود تعزيز الحياة المستدامة وشكلت مثالاً يُحتذى من خلال مبادراتها، من بينها المسار الوطني للحياد المناخي 2050 وخطة وطنية لطرح معايير جديدة في استدامة المباني والطرق والمنازل، حرصاً على الموارد وتقليل انبعاثات الكربون في الدولة. وتهدف الخطة إلى تخفيض احتياجات الطاقة في الأبنية والمنازل بنسبة 25%، وتقليل استهلاك المياه بنسبة 16%، والطاقة والمواد اللازمة لبناء الطرقات بنسبة 45%.

وأعلنت الإمارات 2023 عام الاستدامة، بما ينسجم مع هذه الجهود واستعداداً لاستضافة مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (كوب 28)، حيث تركز بشكل أكبر على الاستدامة البيئية، عن طريق إلهام العمل الجمعي من خلال الالتزام الوطني بممارسات الاستدامة خلال العام وبعده.

وتتمتع دولة الإمارات بتصنيف عالٍ في عدد الأبنية الحاصلة على شهادة الريادة في الطاقة والتصميم البيئي (LEED)، وتعمل على إنشاء وتمكين بيئة مواتية للاستثمارات الخضراء وتشييد أبنية صديقة للبيئة ومدن مستدامة في إمارات مختلفة.

ويعد مفهوم المدن المستدامة إحدى أكثر الوسائل فاعلية في تعزيز الحياة المستدامة في دول مثل الإمارات، لا سيما في ضوء الجهود المتسارعة التي تبذلها المدينة لتحقيق صافي صفر انبعاثات. إلا أن مشوار اعتماد هذا المفهوم على نطاق واسع في دول أخرى لا يزال في بداياته، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويستمر قطاع البناء في النمو وكذلك تأثيره السلبي في البيئة، نظراً لأهميته الاقتصادية الكبيرة، غير أن تحقيق عالم مستدام بات قاب قوسين أو أدنى بفضل رؤية القيادة الحكيمة لدولة الإمارات، وتوظيف الإمكانات الكامنة في المواهب والابتكارات الناشئة.

*الرئيس التنفيذي لمدينة الشارقة المستدامة