باتريك كوكبيرن *
لقد أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى زعزعة استقرار أيرلندا الشمالية تلقائياً
«انتقم أولاً»، هذا القول المأثور الساخر يأتي في سياسات أيرلندا الشمالية، ويعني أن تضرب خصمك كلما استطعت دون انتظار للاستفزاز.
ولنتخيل بعد ذلك متعة أولئك النقابيين الذين عارضوا دائماً بروتوكول أيرلندا الشمالية، الذي يضع الحدود التجارية الجديدة بين الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة؛ بين أيرلندا الشمالية والبر الرئيسي لبريطانيا، ليجدوا أنهم قد استفزوا حقاً من قبل المفوضية الأوروبية.
لقد صدمت المفوضية على الفور بوابل من الإساءة لحماقتها، وسحبت بإحراج الاقتراح على الفور، ولكن للمرة الأولى تقريباً منذ أربع سنوات، كان الاتحاد الأوروبي في موقف متأخر في علاقته مع بريطانيا. ولا شك في أن رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، قد أخطأت في تقديرها أو تجاهلت كما فعل كثير من السياسيين من قبلها القابلية الشديدة لاحتراق سياسات أيرلندا الشمالية، أو أنها فشلت في ملاحظة مدى تأجيجها بالفعل، من خلال إنشاء الحدود التجارية للبحر الأيرلندي بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، في بداية هذه السنة.
ومنذ أن خان بوريس جونسون النقابيين علانية، ووقع على البروتوكول الأيرلندي، شعروا بأن الأرض تتحرك تحت أقدامهم، وعلى ما يبدو تحولوا بلا هوادة نحو أيرلندا الموحدة. ويشتكي هؤلاء من أنه حتى الجيش البريطاني كان مضطراً لملء استمارات الاتحاد الأوروبي لجلب معدات عسكرية إلى المقاطعة.
ويظهر تعبير «انتقم أولاً» هنا؛ لأنه تحت ضغط من أولئك الذين هم أكثر تشدداً منهم، فإن قيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، إلى جانب «الشين فين» (حزب سياسي أيرلندي، موجود في كل من أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا) التي تدير حكومة أيرلندا الشمالية، غيرت موقفها. وبدلاً من فرض البروتوكول الأيرلندي على مضض، فإنها باتت تعارضه الآن.
ولا يمكن المبالغة في الغرابة والأخطار المحتملة للأزمة الدائمة في أيرلندا الشمالية. فمن خلال مغادرة الاتحاد الأوروبي، أنشأت بريطانيا حدوداً جديدة بين المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي، سيكون تأثيرها في صالح الاتحادات/البروتستانت أو القوميين/الكاثوليك. لم يكن إعادة تقسيم أيرلندا من خلال إحياء حاجز مادي على امتداد الحدود البرية البالغ طولها 300 ميل، أمراً ممكناً، على الإطلاق، وذلك لأنه يمر فقط إلى حد كبير عبر مناطق ذات أغلبية قومية كاثوليكية، حيث سيتم حرق أو تدمير أي مراكز جمركية جديدة بمجرد إنشائها. الآن المجتمع الوحدوي البروتستانتي يمد حق النقض (الفيتو) المماثل على «حدود البحر الأيرلندي».
بعبارة أخرى، لقد أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى زعزعة استقرار أيرلندا الشمالية تلقائياً، والآن تعمل أيرلندا الشمالية على زعزعة استقرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
لقد فاز بوريس جونسون في الانتخابات العامة لعام 2019 بزعمه أنه «سينتهي من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي»، ووعد بأن العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي ستحقق قريباً توازناً مستقراً. ولكن هذا هو بالضبط ما لم يحدث. وتم بناء عدم الاستقرار في اتفاقية الانسحاب، والخلاف حول اللقاحات والبروتوكول الأيرلندي ليس سوى مقدمة لعقود من الاحتكاك.
ستكون بريطانيا في وضع دائم للتفاوض وإعادة التفاوض بشأن الوصول إلى السوق الموحدة لسلعها وخدماتها. علاوة على ذلك، ستتفاوض من موقف ضعف وستضطر باستمرار لتقديم تنازلات، كما كان عليه الحال في كثير من الأحيان أثناء مفاوضاتها لمغادرة الاتحاد الأوروبي.
كان الباقون يتخيلون ذلك اليوم الذي سيرى فيه «الخارجون» الأخطاء المدمرة لأساليبهم في الخروج من أكبر سوق في بريطانيا، ليأسفوا على حماقتهم، ولكن من المرجح أن يحدث العكس تماما؛ إذ سيحارب الاتحاد الأوروبي في المستقبل من أجل مصالح أعضائه ال27، مع مراعاة أقل لوجهات نظر الحكومة البريطانية والرأي العام البريطاني مما كان عليه من قبل.
التوقعات تقول إن بريطانيا ستظل مهووسة بعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، وإن هذه العلاقات ستولد احتكاكاً مستمراً. وقد تبدأ العلاقة الاقتصادية في تسوية نفسها بمرور الوقت، ولكن على حساب كثير من الدماء السياسية السيئة. إن الضجة في أيرلندا الشمالية ليست مخلفات غير معتادة من الماضي، ولكنها الدفعة الأولى من المواجهة الدائمة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.
* مؤلف كتاب «الحرب في عصر ترامب» (كاونتر بانش).
باتريك كوكبيرن *
كنت في بغداد عام 1998، أثناء الضربات الجوية الأمريكية، وكنت أشاهد الصواريخ تنفجر في ومضات من الضوء وهي تضرب أهدافها. انطلقت بعض النيران غير الفعالة من مضادات الطائرات، وكانت النتيجة الوحيدة هي سقوط قطع من شظايا الصواريخ من السماء، ما زاد من خطر الخروج من المبنى الذي كنا فيه.
ولدهشتي رأيت مراسلًا، وهو صديق لي لديه خبرة طويلة في الحرب، يزحف إلى العراء لاستخدام هاتف يعمل بالأقمار الصناعية لا يعمل في الداخل. وعندما عاد، قلت له إنه يجب أن تكون مكالمة هاتفية مهمة للغاية بالنسبة إليه لاتخاذ مثل هذه المخاطرة، ضحك بمرارة، موضحاً أن سبب مكالمته هو أن صحيفته في الولايات المتحدة طلبت منه الاتصال ببعض «الخبراء» المتميزين في مركز أبحاث بواشنطن ليسألهم عن الهجمات الجوية.
وعلى الرغم من أن صديقي كان شاهد عيان مطّلعاً للغاية على الأحداث التي كان يصفها، فقد أصر محررو صحيفته على الوصول إلى الخبرة المفترضة لمركز الأبحاث على بعد آلاف الأميال. وربما كان الدافع الأكثر سرية هو توجيه اللوم عبر المراسل في الموقع، وانتقاد الغارات الجوية.
تذكرت هذه القصة عندما شاهدت بوريس جونسون، ووزراءه، يتفاعلون مع خبرائه الطبيَّين والعلميَّين، كريس ويتي، والسير باتريك فالانس، اللذين يتسمان أحيانا، بالاحترام، وأحيانًا بالرفض. والواقع أن السياسيين الذين يتصارعون مع الأزمات، سواء كانت حرباً أو وباءً، غالباً ما ينبهرون بالخبراء الذين يتعاملون معاملة الطبيب مع المريض، ويتحدثون بالمصطلحات الفنية. وينطبق الشيء نفسه على وسائل الإعلام، في معرفة ما إذا كانت هذه الخبرة الظاهرة لها قيمة عملية حقيقية في تجنب بعض المخاطر الملحة. وفي كثير من الأحيان ليس الأمر كذلك. فقد يعرف الطبيب، أو الأخصائي الأكاديمي الكثير عن كيفية عمل الفيروس داخل الجسم، ولكن ليس لديه فكرة، ولا خبرة عن كيفية منع انتشاره من شخص لآخر في حالة الوباء. هذه مهارة مختلفة تماماً.
والسياسيون عاجزون عن اختيار الخبراء المناسبين، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنهم قد يكونون خارج نطاق عمقهم في أزمة ما. ولا حرج في هذا، طالما أنهم يتدخلون في خبرة شخص يعرف حقاً ما يجب القيام به وكيفية القيام بذلك. لقد نجحت هذه الاستراتيجية بشكل جيد بما فيه الكفاية من وجهة نظر الحكومة خلال الإغلاق الأول في بريطانيا، لكنها الآن تتطاير في الهواء حيث يرفض العلماء توفير غطاء سياسي للسياسات الفاشلة.
مذكرة التوصية الصادرة عن المجموعة الاستشارية العلمية لحالات الطوارئ (sage ساج) بتاريخ 23 سبتمبر/ أيلول، التي نُشرت قبل أسبوع، أوصت بإغلاق الدائرة لمنع «وباء كبير جداً له عواقب وخيمة». ومن المفهوم أن رفض الحكومة لهذه التوصية احتل كل العناوين الرئيسية، ولكن في نهاية المذكرة كان هناك اعتراف غير عادي أكثر أهمية من الجدل حول إجراءات قطع الدوائر، وعمليات الإغلاق الإقليمية المختلفة.
وقد كان من المفترض أيضاً أن يكون هذا النظام في صميم استجابة بريطانيا لفيروس كورونا، وأن تنفق الحكومة عليه 12 مليار جنيه استرليني. والوزراء في هذا يعترفون بفشلها، لكنهم يصورونها على أنها مشاكل حتمية ناشئة في مثل هذه الهيئة الكبيرة (ساج) التي تم إنشاؤها في مثل هذا الوقت القصير.
وربما تكون اللحظة التي كان من الممكن أن تكون فيها بريطانيا قد نجحت في احتواء فيروس كورونا، قد ولت. لكن لا يوجد أي مؤشر على أن جونسون، ووزراءه، تعلموا من أخطائهم. وكما سأل رجل دولة ألماني يائساً من جنرال خلال الحرب العالمية الأولى أراد المضي قدماً في هجوم مفجع: «أين تنتهي عدم الكفاءة، وتبدأ الجريمة؟».
* صحفي إيرلندي ومؤلف كتاب «الحرب في عصر ترامب» (كاونتر بانش)
تأخر دونالد ترامب في استطلاعات الرأي بما يكفي لرفع آمال العالم برؤية نفسه قريباً من رئيس الولايات المتحدة في الانتخابات القادمة التي ستحدث في غضون 100 يوم مقبلة. وبالنظر إلى تعامله الكارثي مع جائحة الفيروس التاجي، فإن انخفاض شعبيته بالكاد يثير الدهشة.
ومع ذلك، فقد أظهر ترامب دائماً قدرة تشبه قدرة دراكولا على النهوض من «القبر السياسي».
إن سر بقاء ترامب هو مهارته في استخدام وسائل الإعلام والتلاعب بها لمصلحته الخاصة. وقد يبدو فظاً، ولكنه خبير في تغيير موضوع الساعة، بحيث يصبح الوحي الملعون اليوم عبارة عن أخبار الغد القديمة. ومن خلال التصرفات الغريبة الفاضحة، يهيمن ترامب على أجندة الأخبار. وبغض النظر عن إخفاقاته، فهو ليس مملاً أبداً.
ويعزو النقاد بشكل ما، قدرته العليا على البقاء في الصدارة، إلى فترة 14 عاماً التي قضاها كقطب قوي من أقطاب الأعمال في برنامج الواقع التلفزيوني.
إن الأسباب التي جعلت المنتجين يعتبرون ترامب عبقرياً في الأعمال على الرغم من أن فنادقه وكازينوهاته قد أفلست ست مرات ربما تساعد في تفسير نجاحه السياسي. فقبل عدة سنوات، أجرت مجلة «ذي نيويوركر» مع الطبيب النفساني ريتشارد ليفاك، مقابلة استشارية حول برنامج الواقع التلفزيوني شرح فيها سبب كون شخصية ترامب مناسبة للعرض. وقال: «إن السمات التي دفعت ترامب للعمل كانت الطاقة، والاندفاع، وعدم القدرة على التعبير عن فكرة كاملة، حيث تتم مقاطعته بسبب الانفعالات العاطفية الجياشة التي يُبديها عندما يتحدث ويتفوه بكلمات مثل: عظيم، وهائل، وفظيع». ولكن ما يجعل ترامب جذاباً جداً للجمهور حسب ليفاك ولا يزال صحيحاً حتى يومنا هذا، هو رغبة ترامب في تجاوز وخرق القواعد.
إن عفويته الغامضة ومفاجآته جعلت ظهوره التلفزيوني حتى الآن مثيراً جداً للاهتمام. ويضيف ليفاك: «إن شخصاً ما يمكن أن يصبح ناجحاً في الوقت الذي يكون فيه أيضاً غير منضبط عاطفياً، هو شخص مروع جداً، ولكن يجب عليك مشاهدته على الرغم من عقم حديثه».
ويبدو ترامب في أخطر حالاته عندما يكون محاصراً ومعرضاً لخطر فقدان السلطة، حيث يسعى إلى المواجهة عند كل منعطف. ففي الولايات المتحدة، تبدو عنصريته أكثر وضوحاً، وهي شاهد على استعداده لنشر عملاء فيدراليين ضد المتظاهرين في المدن التي يُديرها الديمقراطيون مثل بورتلاند وأوريجون وشيكاجو، من أجل إثارة اشتباكات من شأنها تعزيز قانونه وترتيب أوراق اعتماده.
وفي الخارج، تتصاعد الحرب الباردة ضد الصين يوماً بعد يوم. وتقليدياً، تسبق الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 3 نوفمبر، تحذيرات وخيمة من أن ساكن البيت الأبيض يخطط ل«مفاجأة أكتوبر»، من خلال إثارة بعض الأزمات التي تغير قواعد اللعبة سراً.
وحتى الأزمة التي تم تحضيرها يجب ألا يكون لها تأثير حاسم في مواجهة الواقع المروع للوباء، حيث توفي 142 ألف أمريكي بالفعل، مع أربعة ملايين مصاب. ونجد أن تحرك ترامب المفاجئ للتقليل من شأن المرض باعتباره خدعة مستوحاة من أعدائه، ربما جاء متأخراً جداً؛ لأنه ارتدى قناعاً لأول مرة وألغى المؤتمر الجمهوري في جاكسونفيل بولاية فلوريدا، الذي كان سيرشحه لولاية ثانية.
قد يذهب ترامب ولكن من غير المرجح أن يذهب بهدوء. وقد يغرقه الوباء، لكن من الممكن أن يمنحه فرصاً غير مسبوقة لتعكير المياه، وإثارة الكراهية والانقسام في يوم الانتخابات.
* كاتب عمود مستقل حائز جوائز ومتخصص
في شؤون الشرق الأوسط. موقع «كاونتر بانش»
تشهد الهويّات القومية والعلاقة بين إنجلترا، واسكتلندا وأيرلندا، تغيّـراً أعمق من أيّ وقت مضى خلال القرن الماضي. ويستحق الأمر إلقاء نظرة على الأرخبيل البريطاني ككُلّ في هذه القضية؛ بسبب الشراكة السياسية الوثيقة والمتشابكة بين الأمم المكوّنة له.
وبعض هذه التطورات شديد الوضوح مثل صعود الحزب الوطني الاسكتلندي إلى الهيمنة السياسية الدائمة في اسكتلندا في الانتخابات العامة الثالثة منذ استفتاء الاستقلال في عام 2014.
وهنالك تغيرات أخرى مهمة، ولكنها لا تحظى بتعليقات كثيرة عليها، مثل الاستقلال الوطني لجمهورية أيرلندا وتأثيرها السياسي المتزايد على الجزر البريطانية، كعضو مستمرٍّ في الاتحاد الأوروبي، عندما تخرج المملكة المتحدة.
وتبيِّـن السهولة الكبيرة التي تخلّى بها بوريس جونسون عن تعهداته الوحدوية المفرطة للحزب الوحدوي الديمقراطي، وقَبِل الحدود الجمركية في البحر الأيرلندي، التي تفصل أيرلندا الشمالية عن بقية بريطانيا، مدى ضآلة الوفاء الذي يشعر به المحافظون تجاه الوحدويّين الشماليين و«علامتهم التجارية» المميّزة والخشنة، من القومية البريطانية.
وهذه التطورات التي تؤثر في أربعة من المجتمعات الرئيسية التي تقطن الجزر البريطانية- المتمثلة في الأيرلنديين، والقوميين والوحدويّين في أيرلندا الشمالية، والاسكتلنديين- يسهُلُ تتبُّعها. والقومية الويلزيّة قوة أقلّ. والأصعب في تتبُّعه وشرحه، هو صعود القومية الإنجليزية؛ لأنها أحدث عهداً وأقلّ تنظيماً، من هذه الأنواع الأخرى من القومية، وليس لديها برنامج، ولا يمثّلها بشكل مباشر أي حزب سياسي- على الرغم من أن حزب المحافظين قد تحرَّك في ذلك الاتجاه.
ودائماً ما كانت القوة الدافعة الكامنة وراء بريكسيت، نوعاً معيناً من القومية الإنجليزية، التي لم تفقد قدرتها على الإقناع على الرغم من أنها غير متماسكة وغير مفهومة كثيراً من قِبل منتقديها وأنصارها على حدٍّ سواء. وفي بعض النواحي، كانت تنشر خطاب أي مجتمع قومي يسعى إلى تقرير المصير.
وكانت القوة الكبيرة للحركة المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي لم يتقبلها معارضوها أبداً، هي تحميل مسؤولية ضعف النفوذ والمظالم الاجتماعية، التي يشعر بها قسم كبير من السكان الإنجليز، لبروكسل والاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من ذلك، فإن من الخطأ تصوير القومية الإنجليزية بطريقة كاريكاتورية، باعتبارها مجرد مزيج سام من كراهية الأجانب، والعنصرية والحنين الإمبراطوري، وذكريات الحرب المضخمة. ففي السنوات الثلاث منذ الاستفتاء، أصبح فعل التصويت لصالح بريكسيت، في حدّ ذاته، جزءاً من الهوية القومية لكثير من الناس.
ورغبة الناس في أن يروْا أنفسهم مجتمعاً قومياً - حتى ولو كان العديد من الروابط التي تجمعهم معاً خيالية- هي إحدى أكبر القوى في العالم. ولا يمكن تجاهلها إلاّ بكُلفة سياسية باهظة.
والغريب أن المؤسسة السياسية ارتكبت نفس الخطأ مثل حزب العمال، في الاستهانة بطبيعة القومية الإنجليزية، وإساءة فهمها. وبالنسبة إلى الطبقة السياسية البريطانية، عزز الاتحاد الأوروبي بشكل واضح القوة السياسية والاقتصادية لأعضائه الوطنيين. وباعتبارهم منتفعين من الوضع الراهن، لم يكونوا يرون حقيقة أن معظم البلد فشل في الاستفادة من هذه الأمور الجيدة، وشعر بأنه مهمش ومنسيّ.
وكان المدافعون عن المنظمات فوق الوطنية منذ بابوية العصور الوسطى، يطرحون مثل هذه الحجج، ويحتارون في العادة في سبب عدم نجاحها. إنهم يفشلون في فهم قوة القومية أو الدين في توفير شعور بالتضامن المجتمعي، حتى لو كان قائماً على أحلام وأوهام، توفر متنفّساً للحاجات والمظالم العميقة. والحجج القائمة على مجرد الربح والخسارة، تخسر في العادة أمام مثل هؤلاء المنافسين.
* صحفي أيرلندي، مراسل لصحيفة إندبندنت في الشرق الأوسط. موقع: أونْز دوت كوم.
وجد استطلاع للرأي أجرته وكالة «أوبينيوم» الاستشارية، أن الإيذاء العرقي، والتمييز العنصري العلني، المبلّغ عنهما من قِبل الأقليات العرقية، ارتفع من 64% في بداية عام 2016، إلى 76% حالياً.
ولكن ذلك يُهوِّن من شأن التغيير نحو الأسوأ الذي نشهده. لقد رفع تصويت خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، (بريكست)، الهوية الوطنية الإنجليزية، والأسئلة عمّن هو إنجليزي، ومَن ليس بإنجليزي- الذي يتم التفريق بصورة متزايدة بينه وبين كون المرء بريطانياً- إلى قمة الأجندة السياسية، وذلك لن يتلاشى. ويستطيع المرء رؤية ذلك في «كانتربيري» التي كانت تشكل في العادة، مدينة صغيرة متسامحة ذات عقلية منفتحة، معتادة على وجود أعداد كبيرة من الزوار والطلاب الأجانب.
ولكن منذ عام 2016، أصبحت تعبيرات العنصرية العميقة أكثر شيوعاً. بعد الاستفتاء بوقت قصير، سألت امرأة أرجنتينية حارساً في كاتدرائية كانتربيري، عن الاتجاهات، فأجابها: «تلك هي الطريق إلى دوفر، يا عزيزتي»، (يقصد أن عليك الرحيل عن البلاد.. وتلك هي الطريق: ميناء دوفر). وفي وقت أقرب، قال متشرّد في الشارع الرئيسي لأحد أصدقائي: «سوف يرحل المهاجرون عمّا قريب، وسأكون قادراً على الحصول على وظيفة».
أقوم بجولات مسافراً في أنحاء المملكة المتحدة، لكتابة سلسلة من المقالات حول «بريطانيا في حقبة بريكست»، وقد تساءلت عمّا إذا كان أفراد الأقليات العرقية يعتقدون أن التمييز العنصري والمضايقة العنصرية قد ازدادا. سألتُ ثلاثة أشخاص في جنوب ويلز- التي اخترتها لأنها مختلفة كثيراً عن جنوب شرق انجلترا- من خلفيات متنوعة (امرأة باكستانية، ورجل من السيخ، وشخص من منطقة البحر الكاريبي)، عمّا إذا كانوا تعرّضوا لسوء معاملة عنصرية أكبر منذ التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
قالت «شعبانة تاج»، الموظفة الوطنية في اتحاد الخدمات العامة والتجارية، والتي كان والدها جاء من باكستان للعمل في مصنع للصلب في جنوب ويلز في عام 1958-1959، إن المضايقة العنصرية ارتفعت خلال السنوات الثلاث، أو الأربع الماضية، على الرغم من أنها كانت سيئة في الماضي أيضاً: «في ثمانينات القرن الماضي، اعتدنا دوماً على أن نجد بُراز كلاب، داخل أكياس حُشِرت في صندوق الرسائل الخاص بنا، وعلى عبارات مكتوبة على الجدار الجانبي لمنزلنا بخط كبير، تطالب»الباكستانيين بالرحيل«. وكان هذا النوع من الأمور قد انحسر، ولكنه عاد الآن للظهور بعدائية وقسوة أكثر من ذي قبل».
وكامرأة آسيوية معها طفلان صغيران، تجد طريقها في كثير من الأحيان، مسدوداً من قِبل رجال بيض في الشارع. وباتت هي وزوجها النيجيري، يسألان نفسيهما للمرة الأولى «عمّا إذا كانا سيَنفذان إلى لُبِّ الموضوع، حين لا يعودان يعتبران هذه البلاد وطنهما».
ويوافق «امارجيت سينج»، وهو رجل من السيخ يعمل لدى مؤسسة البريد الملكي، ويعتمر عمامة حمراء مميزة، على أن العنصرية الصريحة انخفضت تدريجياً من نهاية ثمانينات القرن الماضي إلى عام 2016. ويشعر بالقلق اليوم من درجة ازدياد نشاط اليمين المتطرف، وقيامه بتنظيم مسيرات في طول البلاد وعرضها في الوقت نفسه. ويقول إن العديد من السيخ- هنالك 2500 منهم في كارديف- صوّتوا لمصلحة الخروج لأنهم خافوا أن تتعرض وظائفهم للتهديد من قِبل المهاجرين من أوروبا الشرقية، ولكنهم وجدوا أنهم يتعرضون، هم أيضاً، لإساءة معاملة المهاجرين.
ويروي «سينج» حادثة سببت له صدمة كعلامة على تصاعد العنصرية: «قبل أسبوعين كنت أستقل حافلة، وكانت هنالك امرأة صومالية مع رضيع داخل عربة أطفال، لم يتسنَّ وضعها في الحيّز المخصص لها، لأن شاباً كان يحول دون ذلك. وعندما طلب السائق منه، أن يدعها تضع العربة في المكان المخصص، أجاب الشاب:»مَن تظنُّ نفسها؟ إنها مجرّدُ أجنبية«.
ويقول»اندرو وودمان«، الذي جاءت والدته إلى هنا من البرتغال عام 1952، ووالده من غويانا، إن تصويت»بريكست«قد جرَّأ الناس»كما فعل ترامب في أمريكا، على أن يقولوا في العلن ما اعتادوا قوله سِرّاً. صرتُ أُدعى بتعبير «زنجي»، وكان ذلك نادراً ما يحدث في السنوات الأخيرة«. ويضيف قائلاً، إن كل ما تحتاج إليه لتوليد الكراهية العنصرية»هو إقناع الناس بأن أولئك المختلفين عنهم هم السبب في كونهم فقراء«.
لقد ساهمت هجمات حركة»القاعدة«وتنظيم»داعش«، من هجمات 11/9 إلى تفجير»جسر لندن«في رهاب الإسلام (إسلاموفوبيا)، ولكن أزمة»بريكست» تُحدِث تأثيراً أكبر وأطول أجلاً لأنها تعيد تعريف الوطنية الانجليزية بطريقة أكثر إقصاءً ومُواجَهة.
* صحفي إيرلندي، مراسل لصحيفة «اندبندنت» في الشرق الأوسط.
موقع: «كاونتر بانش»
«معركة الرقة لن تأخذ وقتاً طويلاً، كما هي معركة الموصل». هذا ما قاله عوض، المقاتل السوري في صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أمريكياً، وهو مقاتل في وحدة عسكرية تشارك في الهجوم على الرقة، المعقل الرئيسي ل «داعش» في سوريا. وفي مقابلة حصرية مع «ذي إندبندنت» البريطانية، قال عوض: «نحن نتقدم بسرعة، والطبيعة الجغرافية للرقة مختلفة عن الموصل».
وقوات سوريا الديمقراطية بدأت المعركة الفاصلة حول الرقة، المدينة الواقعة على الضفة الشمالية للفرات، والتي تضم حوالي 300 ألف نسمة، بعد تأخير دام طويلاً فرضته تهديدات تركيا بالتدخل عسكرياً. وتعتبر تركيا قوات سوريا الديمقراطية «منظمة إرهابية» يسيطر عليها الأكراد السوريون. وأولوية تركيا منع إقامة دويلة كردية شبه مستقلة في شمال سوريا. وفي 8 يونيو، ألمح رئيس الوزراء التركي ابن علي يلدريم بقوة إلى تدخل عسكري قائلاً «سنقوم فوراً بالرد اللازم إذا واجهنا في الرقة وضعاً يهدد أمننا».
والمقاتل عوض (32 سنة) من أبناء الرقة، وقد فرّ من المدينة قبيل سيطرة «داعش» عليها ثم انضم إلى قوات سوريا الديمقراطية، التي تقول الولايات المتحدة إنها تضم في صفوفها 13 ألف مقاتل. وفي مقابلة هاتفية مع «ذي إندبندنت»، قدم عوض وصفاً للظروف على خط الجبهة، الذي تقول قوات سوريا الديمقراطية إنه يبعد 3 كلم عن الرقة من جهة الغرب والشمال، وكلم واحد من جهة الشرق. وقد بدأت قوات سوريا الديمقراطية بالتقدم في بعض أحياء المدينة، وتقدر الولايات المتحدة أن ما بين 3000 و4000 مقاتل «داعشي» موجودون في الرقة، لكنهم معزولون هناك لأن الضربات الجوية التي شنها التحالف بقيادة الولايات المتحدة دمرت آخر جسرين يربطان المدينة بالضفة الجنوبية لنهر الفرات. ومقاتلو «داعش» لا يمكنهم اجتياز النهر إلّا بواسطة قوارب، ولكنهم سيكونون عندئذ مكشوفين أمام ضربات جوية.
وقال عوض: «معظم مقاتلي «داعش» الذين كانوا منتشرين في محيط الرقة انسحبوا إلى داخل المدينة، ولو أن بعضهم لا يزالون يقاتلون بشراسة ولا يتركون مواقعهم حتى يقتلوا. وقد قتلنا عشرات منهم عندما حررنا المنصورة إلى الغرب من الرقة، وسد البعث على الفرات والذي أعادت قوات سوريا الديمقراطية تسميته سد الحرية. علاوة على ذلك، تمكنا من صد الهجمات المضادة ل «داعش»».
وقوات سوريا الديمقراطية سيطرت أيضاً على سد الطبقة، الأكبر في سوريا ويقع قرب بلدة الطبقة على مسافة 40 كلم إلى الغرب من الرقة.
وفي مايو قررت الولايات المتحدة دعم قوات سوريا الديمقراطية بأسلحة إضافية، تشمل عربات مدرعة، وأسلحة مضادة للدبابات، ومدافع مورتر ومدافع رشاشة ثقيلة، وذلك بالرغم من معارضة قوية من جانب تركيا.
ومع أن وحدات «داعش» أخذت تنسحب من مواقعها حول الرقة أمام تقدم قوات سوريا الديمقراطية وتحت ضغط الضربات الجوية الأمريكية، إلّا أن مقاتلي «داعش» لا يزالون يقاتلون بشراسة. ويتوقع أن يتضح قريباً ما إذا كان «داعش» سيحاول الدفاع عن الرقة بقوة والمخاطرة بخسارة العديد من مقاتليه الذين عركتهم الحرب. ومن الممكن أن يطبق «داعش» في الرقة أساليبه القتالية ذاتها في الموصل بهدف إطالة أمد القتال. ولكن الرقة أصغر جغرافياً، وهي تضم سكاناً أقل من الموصل. ويعتقد عوض أن حصار الرقة لن يطول بقدر ما طال أمده في الموصل، وهو يشتبه في أن مقاتلي «داعش» في الرقة قد لا يقاتلون بالتصميم ذاته الذي أظهره «الدواعش» في الموصل.
وقال عوض أيضاً إن الخبرة العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية وقوة نيرانها تعززتا كثيراً بفضل الدعم الأمريكي. وقال: «طائرات وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة تعمل بفاعلية معنا، ويوجد بيننا العديد من الخبراء الأمريكيين الذين يدربون قادتنا وضباطنا على استخدام أسلحة وأساليب قتالية جديدة. وفي كل أسبوع، نتسلم الكثير من الأسلحة على الجبهات الثلاث حول الرقة».
* صحفي وكاتب إيرلندي خبير في شؤون الشرق الأوسط - موقع «كاونتر بانش»