23 سبتمبر 2025
رهانات الاستثمار الأجنبي في إفريقيا
جاكي سيليرز *
منذ بدايات التنمية الاقتصادية، كانت مساهمة العمالة البشرية المحرك الأول للنمو، ثم يأتي رأس المال ليحتل الصدارة، قبل أن يتولى الابتكار والتكنولوجيا زمام القيادة في المراحل المتقدمة. هذا هو المسار الذي شهدته «نمور آسيا» والصين حين كانت دولاً فقيرة، وهو نفسه التحدي الذي تواجهه إفريقيا اليوم في سعيها نحو الازدهار.
لا تزال 22 دولة إفريقية تُصنَّف ضمن فئة الدخل المنخفض وفق البنك الدولي، حيث لا يتجاوز متوسط دخل الفرد فيها 1145 دولاراً سنوياً. هنا، يعتمد النمو على قوى العمل الأكثر تعليماً وصحةً وتوظيفاً. لكن بمجرد أن تنتقل الدول إلى شريحة الدخل المتوسط، يصبح رأس المال، وليس العمل، هو العنصر الأكثر حسماً، لأنه يتيح التصنيع والتوسع في الإنتاج. أما عند بلوغ شريحة الدخل المتوسط الأعلى، فالتكنولوجيا هي المحرك الرئيسي للنمو عبر الخدمات عالية القيمة.
ولم تنجُ سوى سيشل من «فخ الدخل المتوسط» الإفريقي، حيث تعثرت بقية الدول بسبب ضعف الوصول إلى التمويل اللازم للتصنيع والابتكار. والواقع أن رأس المال ليس مجرد أداة للنمو، بل هو شرط أساسي للهروب من دوامة الركود الاقتصادي، كونه يتيح الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة، ويوفر الطريق لتنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على السلع الأولية.
هنا تبرز أهمية جذب الاستثمار الأجنبي المباشر على نطاق واسع. فالحكومات الإفريقية تتنافس عبر الحوافز الضريبية، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والإصلاحات التنظيمية، وتطوير البنية التحتية. والنتيجة أن دولاً مثل السنغال وأوغندا ورواندا وإثيوبيا وساحل العاج تحقق معدلات نمو تفوق 6%، لتصبح بين أسرع الاقتصادات نمواً في العالم عام 2025.
لكن الصورة ليست متجانسة. فنيجيريا، صاحبة أكبر اقتصاد إفريقي، لن يتجاوز نموها 3.2% عام 2025، أي بالكاد يساوي معدل زيادة سكانها (2.6%). والسبب، ضعف الحوكمة، وتراجع الأمن، وتدنّي الاستثمار الأجنبي الذي لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلي. في المقابل، تعاني دول أخرى مثل جنوب إفريقيا وغينيا الاستوائية وأنغولا وجمهورية إفريقيا الوسطى من ضعف مماثل في تدفقات الاستثمار، فيما يقتصر استقطاب الغابون على قطاع النفط والغاز رغم الانقلاب الأخير فيها.
لطالما ارتبط التاريخ الطويل للاستثمارات الأجنبية في إفريقيا بالموارد الطبيعية كالنفط والغاز والمعادن. وركزت الاستثمارات، من موزمبيق إلى أوغندا، على الاستخراج دون خلق روابط حقيقية مع القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الزراعة أو التصنيع. لذلك، عندما نستبعد الاستثمارات في الوقود الأحفوري، يظهر بوضوح أن معظمها يتدفق إلى البلدان ذات الدخل المتوسط، فيما تظل الدول الأفقر بحاجة ماسة إلى مساعدات تنموية لسد الفجوة.
ورغم أهمية المساعدات، فإن حجمها آخذ في التراجع. فالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، قدمت نحو 26% من المساعدات لإفريقيا، لكن حلّها كشف أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر والتحويلات المالية وتعبئة الإيرادات المحلية الأفضل.
في عام 2023، شكلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 3% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، وقد ترتفع النسبة بشكل متواضع إلى 3.6% بحلول 2043. وبموجب سيناريو التدفقات المالية، يمكن أن تصل إلى 5.3% (351 مليار دولار بدلاً من 230 ملياراً).
صحيح أن الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى تستفيد أكثر من الاستثمارات الأجنبية، لكن المشهد يتغير. فمع دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ، تتوقع مؤسسات دولية أن تزيد تلك الاستثمارات بنسبة 120%، مدفوعة أيضاً بارتفاع الاستثمارات الإفريقية البينية، خصوصاً من كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، في قطاعات مثل التكنولوجيا والتمويل والصناعة.
كما أن قوى صاعدة مثل الصين ودول الخليج العربي والهند تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والجيوسياسية للقارة من خلال استثمارات ضخمة في الطاقة والبنية التحتية واللوجستيات. وهذا يمنح الحكومات الإفريقية فرصة للتفاوض على شروط تحقق أهدافها طويلة المدى، والمتمثلة باستثمارات في المعالجة الزراعية، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية الرقمية، والتصنيع، بما يعزز نقل التكنولوجيا ويوفر الوظائف ويزيد مناعة الاقتصاد ومرونته.
ولكي تستفيد إفريقيا من هذه اللحظة، على حكوماتها أن تحسّن بيئة الاستثمار، وتوفر استقراراً تشريعياً وسياسياً، وتسهّل ممارسة الأعمال. والأهم أن تربط الاستثمارات بأولوياتها الوطنية في التحول الهيكلي، كما فعلت دول شرق آسيا التي سخّرت الاستثمار الأجنبي لترقية التكنولوجيا وتحفيز التصنيع. وبعض الدول مثل مصر والمغرب والسنغال وإثيوبيا وزامبيا قطعت شوطاً جيداً في هذا الاتجاه، لكن الغالبية ما زالت متعثرة.
صحيح أن القوى العاملة في القارة السمراء تتحسّن، لكن هذا وحده لا يكفي. فإفريقيا بحاجة إلى تدفقات مالية أكبر، خصوصاً في صورة استثمارات أجنبية مباشرة، إلى جانب تخفيض تكاليف التحويلات المالية وتعزيز المساعدات للدول الأشد فقراً.
إن الاستثمار الأجنبي ليس عصاً سحرية، لكنه أداة قوية إذا ما أُدير بذكاء، جنباً إلى جنب مع إصلاحات محلية جذرية. عندها فقط يمكن لإفريقيا أن تتجاوز فخ الدخل المتوسط وتشق طريقها نحو الازدهار المستدام.
* رئيس مجلس الإدارة ومدير وحدة المستقبل والابتكار الإفريقي في معهد الدراسات الأمنية