المدخرات الأمريكية إلى نفاد

23:03 مساء
قراءة 3 دقائق

مايك دولان*

يبدو أن مخزون المدخرات المعيشية المتراكم للأسر خلال عمليات الإغلاق الأخيرة قد تم إنفاقه في الغالب، ما يعزز المخاوف من أن انتعاش النمو من صدمة «كوفيد  19» يتضاءل وسط استعداد الاحتياطي الفيدرالي لتخفيف الدعم.

ومع تلاشي هذه المكاسب «غير المتوقعة» من المدخرات، قد يعود مزيد من أنماط الاستهلاك الاقتصادي الطبيعي في وقت أقرب مما توقعه الكثيرون، حتى مع استمرار الاضطراب الذي تحدثه متغيرات فيروس كورونا، مثل «دلتا» وغيرها.

تغير مسار الأسواق المالية بشكل سريع خلال الأشهر ال18 الماضية المضطربة منذ انتشار الوباء، حيث هوت أسعار الأسهم العالمية بمقدار الثلث لأكثر من شهر، لتعود وتنتعش بشكل كبير في منتصف واحدة من أعمق وأقصر فترات الانكماش في التاريخ الحديث.

وارتفعت الأسواق بوتيرة شبه متواصلة خلال الانتعاش الذي قاده اللقاح مدعوماً بسياسة نقدية هائلة، مما أدى إلى تضاعف مؤشرات الأسهم العالمية من الحضيض في مارس/آذار 2020 إلى أغسطس/آب، وتقف اليوم عند نسبة 25% أعلى من مستويات ما قبل الجائحة.

وشهد الربع الثاني من عام 2021 ارتفاعاً حاداً في نمو أرباح الشركات والاقتصاد السنوي، جنباً إلى جنب مع معدلات التضخم. لكن السؤال الكبير الآن هو عما إذا كانت الأسواق قد قامت بالفعل بتسعير الانتعاش بالكامل؟ وتستعد اليوم للتباطؤ التدريجي بعد أن تجاوزت بالفعل ذروة النمو والأرباح وحتى ذروة التضخم.

كان حال الإنفاق المكبوت لما يسمى ب«المدخرات الزائدة» التي تراكمت إلى حد كبير من قبل الأشخاص الذين يعملون من المنزل، أو الذين مُنحوا إجازات في ظل اقتصادات شبه مغلقة، أمراً محورياً في قصة الانتعاش السريع الحاصل. لم يتطلب الأمر سوى الإشارة بعودة فتح الاقتصادات، وانظر كيف تم إنفاق الأموال.

لكن أحدث البيانات الأمريكية تُظهر أن معدلات ادخار الأسر انخفضت بشكل حاد إلى أقل من 10% من الدخل المتاح في يونيو للمرة الأولى منذ فبراير/شباط العام الماضي، بعد أن كانت نسبتها 34% في إبريل 2020، و27% في مارس من هذا العام، وإثر الموجات الجديدة من فيروس كورونا. وتراجعت هذه المدخرات من حيث قيمتها بالدولار إلى أقل من 1.7 تريليون دولار اليوم.

في جانب متصل، تباطأ إنفاق المستهلكين بشكل ملحوظ مع بدء الربع الثالث، وللعلم فهذا المؤشر يشكل ثلثي النشاط الاقتصادي الأمريكي، وقد دفع الناتج السنوي في البلاد إلى النمو بنسبة 6.5% للربع الثاني، كما انخفضت مبيعات التجزئة الأمريكية «الأساسية»، باستثناء المواد الغذائية والطاقة والسيارات ومواد البناء، بنسبة كبيرة مفاجئة وعند 1% في يوليو/تموز.

في الواقع لم يكن قطاع التجزئة الوحيد المخيب للآمال، فمعظم مؤشرات الاقتصاد الأمريكية تحولت إلى سلبية بشكل كبير الشهر الماضي، وللمرة الأولى منذ أكثر من عام، وهي الآن في أعلى مستوياتها السلبية منذ يونيو/حزيران 2020. 

وتحولت هذا الشهر، القراءة الإجمالية السلبية لاقتصادات مجموعة العشر عموماً إلى أدنى مستوياتها السلبية كذلك، منذ يونيو العام الماضي. وكانت أرقام الصين ظلت في الغالب سلبية لمدة 6 أشهر أيضاً.

صحيح أن أرقام مدخرات الأسر في منطقة اليورو والمملكة المتحدة كانت مرتفعة عن تلك التي في الولايات المتحدة، ولكنها أظهرت أيضاً أنماطاً مماثلة على مدار العام الماضي، مما يعني أنها من المحتمل أن تستنسخ الانخفاض الحاصل في الولايات المتحدة في الربع الثاني.

ويرى بول دونوفان، كبير الاقتصاديين في «يو بي إس جلوبال ويلث مانجمنت»، أن مدخرات الولايات المتحدة تمثل عودة تدريجية إلى الوضع الطبيعي، وحالة أولية بالنسبة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لإعادة شراء السندات.

وبالنسبة إلى دونوفان، هدفت مشتريات الأصول الطارئة من بنك الاحتياطي الفيدرالي على وجه التحديد، إلى تلبية الزيادة في الطلب على النقد المنعكس في معدلات المدخرات هذه. ولكن إذا عاد المستهلكون لإنفاقها الآن مرة أخرى، فإن مهمة بنك الاحتياطي الفيدرالي قد اكتملت إلى حد كبير، ويجب أن يستمر في برنامجه للخفض التدريجي لشراء السندات مع نهاية العام.

لن يكون طريق العودة إلى معايير ما قبل الجائحة أمراً يسيراً على الإطلاق؛ بل ربما أكثر وعورة مما يأمله الكثيرون، وذلك نظراً لكمية التحفيز التي امتصتها الأسواق في هذه الفترة، وإنهاء مشتريات بنك الاحتياطي الفيدرالي، وانحسار النمو عن ذروته، إضافة إلى اضطرابات كوفيد  19 المستمرة.

* محرر الأسواق المالية في "رويترز"

عن الكاتب

محرر الأسواق المالية في «رويترز»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"