قلت للعربية: «كيف تلقيّتِ النبأ العظيم، صدور سبعة عشر مجلّداً من معجمك التاريخي؟ قالت: كأنني ولدت من جديد، كأن عمراً أضيف إلى عمري. أوَ لم يقولوا: «ومن وعى التاريخ في صدرهِ.. أضاف أعماراً إلى عمرهِ»؟ ليت قومي كانوا يعلمون قبل المستشرق الألماني الدكتور أوجست فيشر، الذي أيقظهم سنة 1907، يستحثهم لإطلاق المشروع، أنّ المعجم التاريخي ليس مجرّد قاموس في متناول اليد، ينجد بحبّةٍ فيسدّ الرمق اللغوي، أو يبلّ الصدى، بقطرة ندى.
ثم قالت: لو كان الفيروز آبادي يدري ما «المعجم التاريخي» وأبعاده وآماده، لرثى لحال «القاموس المحيط» قبل أن يخط بسملة المقدمة. كان في الأقلِ اقتصد في العنوان الذي مرج فيه بحرين ساميّين، أحدهما آرامي، القاموس، والآخر عربي، المحيط. فخر الشارقة بلغ الجزء السابع عشر، وهو لم يجاوز بعد حرف الجيم، بعد الهمزة، الباء، التاء، الثاء.
صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، اختار أسعد بشرى في تاريخ رفع هامة العربية، لتكون وشاح تكريم لمعرض الكتاب في الشارقة في دورته الأربعين. سموّه أعلن أن مجلدات المعجم التاريخي ستكون بالعشرات. لمن آمن ولكنه أراد أن يطمئن قلبه، لا يتطلب الأمر أكثر من عمليّة حسابيّة نسبيّة ولا شك. سبعة عشر جزءاً لخمسة أحرف، فلكل واحد 3.4 أجزاء. بقي ثلاثة وعشرون حرفاً في 3.4 يساوي 78.2. المجموع خمسة وتسعون مجلداً تقريباً. في العربية حروف مفرداتها كثيرة مثل العين، الحاء، القاف، النون.. وأخرى محدودة مثل الضاد، الظاء، الغين، الفاء.
سيكون المعجم عند تمامه وكماله من أغزر معاجم لغات العالم، إن لم يفقها جميعاً. أهمّ من العدد أنه جامع المعاجم، فهو معجم تاريخي تعيدك فيه آلة الزمن بالبحث العلمي اللغوي إلى التأثيل والتأصيل والتجذير. وفي الاتجاه الآخر الصعودي، يصير منهلاً ثرّاراً لعلم تطوّر الدلالة، علم تطور المعاني، من الجاهلية إلى العصر الحديث. لا بدّ من الإشارة إلى أن الإنجازات العظيمة تحتاج إلى الإدارة الفائقة. إدراك صاحب السموّ حاكم الشارقة هذه الحقيقة، كان وراء حشد جهود مجامع اللغة العربية كلها لحمل أمانة المعجم التاريخي، وإلاّ فإن هذه الأمانة تنوء بحملها الجبال. الدكتور فيشر قضى أكثر من ثلاثة عقود، لم ينجز فيها غير جذري «أبد- أخذ».
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكريّة: اللغة بيان أمّة، عقلها وروحها، فالأبعاد أبعد حين تشترك الأدمغة اللغوية من كل شعوبها. ذلك مجد العربية.
[email protected]