عادي

طلال سالم .. الشعر لحظة شفافية

23:45 مساء
قراءة 4 دقائق

علاء الدين محمود
في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

«من أنا؟... طفل يلعب بالكلمات أغراه الشعر»، بتلك الكلمات الرقيقة حدد الشاعر الإماراتي طلال سالم انتماءه إلى عالم المشاعر المرهفة والأحاسيس العفوية والبراءة والصدق، وكل ذلك يشير إلى روح الطفل التي تميل إلى التعلم والمولعة بالاكتشاف والتجديد، وربما ذلك ما جعل نصوصه مضمخة بعطرية خاصة محتشدة بالجمال، ولعل ذلك الإحساس العفوي والمنطلق لازمه منذ البدايات الإبداعية؛ حيث كانت كتاباته مرتبطة بالنثر المطلق والخواطر، أو كما أُطلق عليه «الخربشات»، التي كان يمارسها في المرحلة الابتدائية متأثراً بحصص التعبير.

لازمت اللحظة الطفولية والعفوية طلال سالم في سن باكرة قبل أن يتعرف إلى الوزن والقافية، ليبدأ مسيرة جديدة ملتزمة بأدوات وطرائق الشعر العمودي على طريقة الخليل بن أحمد، وكان ذلك في فترة الدراسة الجامعية عندما أعلن مولده كشاعر بتجربة مختلفة وأدوات متطورة؛ وذلك من خلال مشاركته في برنامج إذاعي يحمل اسم «همس الخواطر»، الذي كان يعده ويقدمه الشاعر عبد الله الهدية في إذاعة رأس الخيمة، وكان للهدية الدور الكبير في تحول سالم نحو القصيدة، فقد شجعه وأخذ بيده إلى عوالم الإبداع الشعري، ليشارك بعدها بوقت قصير في مهرجان دبي للتسوق عام 1998؛ ذلك الحدث الذي تضمن أنشطة ثقافية، الأمر الذي أعلن عن ميلاد شاعر أسهم بقوة في الحركة الشعرية من خلال نصوص وجدت صدى كبيراً، ليصدر بعدها بوقت قصير ديوانه «حتى نعود»، عام 2000، والذي ضم قصائده القديمة، والتي هي خليط من النصوص ذات الطابع الغزلي الرومانسي، والتجارب الوجدانية، فأعجب الجمهور والنقاد، غير أن لحظة الطفولة ظلت موجودة تتجول داخل نصوصه الشعرية، ودواوينه المتعددة ومنها: «خرير الضوء» 2010، و«برزخ الريح» 2013، و«200 سوناتا حب» 2016.

عفوية صادقة

حمل سالم لقب «شاعر الشفافية»، وهو الذي ناله من خلال مشاركته في أول نسخة من برنامج «أمير الشعراء»، عبر نص لامس وجدان الجميع، الأمر الذي يؤكد أن العفوية والجمال يحتلان مساحة كبيرة في نصوص شاعرنا، الذي ارتبط باكراً بالطريقة أو الأسلوب العمودي في نظم الشعر، وربما ذلك الأمر له علاقة بثقافته والينابيع التي كونت هويته الشعرية، فقد كان يميل إلى قراءة المؤلفات الشعرية القديمة مثل منتخبات قصائد الرثاء والهجاء، وشعر العصر العباسي، ثم بدأ يتأثر بأدب المهجر، وكان للشاعر الكويتي الكبير فائق عبد الجليل مكانة خاصة عنده، وتأثر كذلك بشعراء كبار، أضافوا إلى تجربته الكثير من أمثال: عبد الله البردوني، وعبد الرزاق عبد الواحد، والمدرسة الشعرية العراقية الحديثة، غير أن سالم ظل يؤمن بأن الإبداع يحتاج إلى الخروج عن السائد والبحث عن طرق جديدة للابتكار والتجديد.

كتابات

إلى جانب الشعر، فقد مارس سالم أشكالاً أخرى من الكتابة، فقد ألف في مجال السرد عبر كتابه «عندما تتنفس الريح»، وهو أقرب إلى أدب السيرة الذاتية والقصص والحكاية، وفيه أيضاً مارس سالم انحيازه إلى الشعرية، فقد تعمد أن تكون القصة بسيطة جداً، لكن تطغى عليها اللغة الشعرية، كما أنها تقرأ على عدة مستويات؛ إذ يقرأها من يرغب في قراءة القصة ومن يرغب في الفلسفة، وكذلك من يريد أن يستمتع بجمال اللغة، فهي حكاية لا تخلو من التأمل في الوجود والجمال، وكذلك هناك مؤلف آخر وهو كتاب «إماراتي في نيجيريا»، صدر سنة 2013، وهو ينتمي إلى أدب الرحلة والسيرة كذلك، ومحتشد بالتفاصيل، ويمارس فيه سالم ولعه بالمشاهدات والتقاط اللحظات الجميلة، فالكتاب خليط من أشياء ومشاعر، وربما ذلك ما دفع سالم إلى القول: إنني ما زلت كالطفل أكتب مشاهداتي في كل مرة أكون فيها في رحلة ثم تجد شيئاً من سيرتي الذاتية بلمحة من ملامح الشخصية، أدب السيرة أتصور أنه أدب جميل، وقليل من الشباب من يبدأ بكتابته، وربما كنت أفكر في كتابة سيرة ذاتية في المستقبل، لكن هذا الطفل المغامر لايزال لديه شغف كبير في الاكتشاف، في الحياة ولربما أعطاه نبض المغامرة أكثر من اتجاه في الحياة، أن يتجه نحو الشعر أو السيرة أو ريادة الأعمال والهواية أيضاً، هناك زخم كبير في حياة الإنسان لو استطاع الإنسان أن يفكر فيه ويفلسفه ويترجمه إلى كلمات.

أفكار ورؤى

تحتل الفلسفة والأفكار والرؤى مساحة كبيرة في نصوص سالم، والذي يرى بأهمية الفلسفة في صقل التجربة المعرفية عند الشاعر ومده بالأدوات الكتابية اللازمة، وقد مر سالم بمنعطف منذ عام 2000؛ حيث دخل في رحلة مختلفة، وصار يتعمق في قراءة علم النفس والفلسفة، ويهتم بالمفاهيم الإنسانية المختلفة مثل السعادة، وكل ما من شأنه أن ينقذ الإنسان من الشعور بالمتاعب والتعاسة؛ حيث إن تلك القراءات قد انعكست بصورة مباشرة في نصوصه الشعرية، وأضافت إلى قاموسه مفردات جديدة، فقد بات يتجه بقوة نحو شعر الحداثة، وصارت كل قصائده نتاج تأمل وتعمق.

لقاء

دائماً ما ظل سالم يؤكد أهمية لحظة التقاء الشعر بالفلسفة، فهو يقول: الإنسان إذا لم تكن لديه فلسفة ليكتشف من خلالها هذا العالم فلن يصل إلى شيء، ويوضح أن الروح الشاعرة الحديثة هي الأقرب إلى تصوير التجارب الإنسانية في العصر الحالي الذي يتسم بالاضطراب ومشاعر الوحدة، غير أن سالم يرى أن هنالك مشكلة تواجه معظم الشعراء الذين اتجهوا نحو تبني فكر الحداثة والتعبير عنها شعراً، وتتمثل في عدم تواصل جمهور المتلقين مع كتاباتهم، ربما بفعل الغموض واللغة المختلفة، والشاعر الحقيقي عند سالم هو من يجتهد في العمل من أجل كتابة تبقى، فذلك أهم من الانتشار والشهرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"