عادي

ميسون صقر.. تجربة إبداعية خاصة

قناديل
00:05 صباحا
قراءة 4 دقائق
ميسون صقر

في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

«الكتابة هي حياة الكاتب التي تجري في شرايينه، فالخواطر التي تراود المبدع لا بد أن يترجمها إلى كلمات، ولا يمكن أن تبقى الكلمات حبيسة وجدان الكاتب أو فكره، دون أن يكون لها مكانها على الورق».. تلك الكلمات للكاتبة الإماراتية ميسون صقر القاسمي وتتماشى تماماً مع توجهها الإبداعي. فقد برعت في أكثر من جنس أدبي واحد، فكتبت الشعر والرواية، فضلاً عن تفردها في الفنون التشكيلية، وربما ينطبق على تجربتها تحديداً في مجال الكتابة، قول الأديب الروماني إميل سيوران: «إن المهم هو اللغة والكلمات والكتابة، وليست الأقبية والأنماط». فالكاتب المجيد هو من يبدع في مختلف أشكال الكتابة الإبداعية شعراً أو سرداً، وذلك ما تفعله ميسون في تجربتها الإبداعية.

بدايات

كانت القراءة والاطلاع على المؤلفات وأمهات الكتب، نقطة الانطلاق الأساسية لميسون نحو عوالم الأدب، ولعل نشأتها في بيت اهتم بالثقافة والمعرفة شكّل وجدانها الإبداعي وقادها إلى طريق الكتابة، وهي دائماً ما تؤكد أن بينتها المعرفية الأولى قد تكوّنت في بيئة والدها الذي كان شاعراً مجيداً ومهتماً بالأدب، ما مكّنها من اكتساب المعرفة من مصادرها، حيث كانت مكتبة الوالد مصدراً غنياً قاد ميسون إلى رحاب الأدب، قبل أن تقوم بتكوين مكتبتها الخاصة. وكانت يوميات العائلة في منزل أبيها حافلة بالنشاطات الثقافية والفنية، وقد أسهم ذلك الوسط العائلي في تكوين شخصيتها المستقلة، ومنحها فرصة لم تمنح لكثيرين قبل عقود ماضية، وذلك ما ظلت تؤكده، حيث سبق أن قالت: «الأجواء العائلية التي عشتها جعلتني أشعر بتغير ما يحدث بداخلي، فبدأت أبحث عن شيء ما ينقصني لا أعرفه عبر الكتاب والقراءة المتواصلة وهي الأقرب إلى قراءة الاكتشاف، وارتياد الأمسيات الشعرية ومتابعة الندوات والاستماع لكل الأصوات الشعرية الجديدة، واكتشفت ولادة كيان إبداعي جميل بداخلي، عندما بدأ يتشكل كل ما هو مخزون في ذاتي للكتابة التي انطلقت فيها عبر صياغة الموضوعات التعبيرية في مدرستي، ما ساعد على صقل موهبتي وجعلني أعي أهمية ذلك، وتحمّل مسؤوليته، والحفاظ عليه وتطويره في ضوء منهج خاص». ولعل كل ذلك الاهتمام الذي وجدته الكاتبة في البيت كان له فضل كبير في تشكيل وجدان كاتبة رائدة، استطاعت أن تحجز مكانة مميزة بين كتاب الإمارات والعالم العربي.

الشعر

يحتل الشعر مكانة حبيبة إلى قلب ميسون، فبرعت فيه باكراً، واختارت أسلوباً ومنهجاً خاصين بها، وبشخصيتها التي تعشق الحرية وتبتعد عن التقليد. فقد آثرت ألا تحبس كلماتها في أنماط وأقبية، غير أن لميسون وجهة نظر مكتملة حول اختيارها لنظم الشعر الحديث، فهي تقول: «لا أعلم كيف اخترت قصيدة النثر. لقد وجدت نفسي في شعر النثر أكثر حيوية، ربما لأن هذه القصيدة أكثر مواءمة لروحي وأكثر اتساقاً وانسجاماً مع أسلوبي الأدبي الخاص بي».

أعمال

لميسون العديد من الأعمال الشعرية المميزة مثل «هكذا أسمّي الأشياء»، و«الريهقان»، و«جريان في مادة الجسد»، و«البيت»، و«الآخر في عتمته»، و«تشكيل الأذى»، و«رجل مجنون لا يحبني»، و«أرملة قاطع طريق»، و«جمالي في الصور»، كما أصدرت ديوانين بالعامية المصرية وهما: «عامل نفسه ماشي»، و«مخبيّة الدلع في هدومها».

فالكاتبة تحمل حباً كبيراً لمصر أسهم هو الآخر في تشكيل وجدانها الإبداعي، وأثرى تجربتها الشعرية صدى وقبولاً كبيراً، وترجمت العديد من قصائدها إلى لغات عالمية: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، وشاركت في كثير من المهرجانات الفنية والشعرية عربياً ودوليا، وهذا الأمر يؤكد المكانة الكبيرة لميسون في خارطة الأدب العربي، فالشعر كما ترى يشهد للكائن بوجوده، كما أنه يشهد لصيرورته في الحياة، ولفنائه وعدمه، وما بين هذا وذاك يقف الشعر كنشاط فاعل خلاق، يمارسه الشاعر على نفسه أولاً وثانياً وعاشراً ثم على الآخرين.

السرد

السرد كذلك، له موقعه الخاص عند ميسون، خاصة الرواية، فهي ترى أن الروايات هي أرشيف الحياة الواقعية ممزوجاً بالحلم والشغف كإضافة أخرى للقدرة على الحياة، وأثرها الأهم في كونها وثيقة إبداعية بين الواقع والخيال.

وتقول عن خصوصية السرد والرواية العربية: «نكتب سيرنا وتاريخنا ونخلطه في أدبنا لا بشكل استشراقي، كما يحدث من جانب الآخر عنا، لكن بشكل حري بأن ننظر إليه في عمقه».

ويتجلى ذلك الفهم والرؤية التي تحملها ميسون في أعمالها السردية منذ أول رواية صدرت لها بعنوان «ريحانة» في القاهرة 2003. وتتناول قضية المرأة وفكرة الحرية وبعضاً من واقع الخليج والإمارات وإمارة الشارقة، وتحتفي الرواية بالمكان وسيرته بسرد شفيف، وصدرت لها كذلك رواية «في فمي لؤلؤة» عن الدار المصرية اللبنانية 2016، وتتناول عالم الصيد وحياة الغواصين، وتقدم عبرها رؤية لحياة الإمارات خلال زمن صيد اللؤلؤ، وتمثل الرواية تجربة خاصة بالنسبة للكاتبة، ما دفعها إلى القول: «كتابة هذه الرواية استغرقت 7 سنوات من المغامرة اللغوية والقراءة، والغوص في الذات وتحولات المنطقة».

تكريم

وخلال العام الجاري تم تكريم الكاتبة ميسون القاسمي بجائزة الشيخ زايد للآداب لعام 2022، فرع الآداب، عن كتابها «مقهى ريش.. عين على مصر»، الصادر عن دار نهضة مصر للنشر عام 2021 كأول كاتبة إماراتية تنالها. والكتاب يتناول التعريف بالقاهرة الخديوية، ويسرد تفاصيل التاريخ المعماري والثقافي والسياسي والاجتماعي الخاص بمنطقة وسط البلد، بالتركيز على تاريخ مقهى ريش الذي يعد واحداً من أهم مقاهي القاهرة. ويشير الكتاب إلى الحب الكبير الذي تحمله المؤلفة للقاهرة التي قضت فيها أزهى سنوات حياتها.

إضاءة

تخرجت ميسون القاسمي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية من قسم السياسة في جامعة القاهرة، وعملت في المجمع الثقافي في أبوظبي في مركز الوثائق، ثم في مؤسسة الثقافة والفنون رئيسة لقسم الثقافة، ثم لقسم الفنون، وعملت بوزارة الإعلام والثقافة مديرة الإدارة الثقافية، وإضافة إلى بروزها في مجالات الشعر والأدب والفنون التشكيلية، جربت كذلك كتابة السيناريو لكتب الأطفال.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"