عادي

علينا الانتظار طويلًا

00:00 صباحا
قراءة 5 دقائق

القاهرة: وهيب الخطيب

تشير كتابات التاريخ الأدبي إلى أن الروائي المصري نجيب محفوظ، تلقى نبأ حصوله على جائزة نوبل للآداب في العام 1988 بمزحة، «أخبرني مندوب جريدة أجنبية في القاهرة بأن لحظة إعلان اسمي مقروناً بالجائزة ساد الصمت وتساءل كثيرون عمن أكون».

مشوار محفوظ حتماً يضمن له الاستحقاق بالفوز بجائزة يحلم بها أيّ كاتب في العالم، ومع ذلك الاستحقاق تمنى محفوظ ألا يكون الأخير، ففي خطابه قبل 24 عاماً أورد «وإني كبير الأمل ألا تكون المرة الأخيرة، وأن يسعد الأدباء من قومي بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين الذين نشروا أريج البهجة والحكمة في دنيانا المليئة بالشجن».

لكن بعد كل هذه السنوات، وفي الوقت الذي حصد العرب الجائزة الأشهر في مجالات أخرى كالسلام والكيمياء، لماذا لم يفز أديبٌ عربي بفرع الأدب؟ وهل لا تزال هناك حظوظ للعرب للوقوف مرة أخرى بمقر الأكاديمية السويدية حيث مقر لجنة نوبل؟

جائزة نوبل في الآداب؛ أشهر الجوائز وأهمها على الإطلاق، تمنح للكتّاب على قيد الحياة؛ تكريماً لمشوارهم الأدبي وكتاباتهم، وتأتي إقراراً بما أنجز الكاتب الممنوح لقلادة نوبل. ولا يخفى ما اكتسبته الجائزة من مكانة، على الرغم مما مرت به من انتقادات طوال تاريخها منذ أول فائز 1901 رينيه برودوم وآخرهم التنزاني البريطاني عبد الرزاق قرنة.

آمال معلقة

بعد أكثر من ربع قرن، لم تتحقق آمال محفوظ بعد. ليظل العربي الوحيد الذي فاز بنوبل، والممثل الوحيد للغة غنية يتحدث بها نحو 430 مليون شخص، وكما أشرنا فإن الجدل بشأن نوبل ليس شيئاً جديداً، بدءاً من حقيقة أن مؤسسها جنى ثروته من اختراع الديناميت.

أحد الموضوعات التي تبرز عند النظر إلى الفائزين العرب، هو أن الاعتراف بهم غالباً ما جاء في مواجهة خصم في الداخل، مع الاضطرابات وعدم اليقين والتهديدات المستمرة التي تحولت في بعض الأحيان إلى تهديدات قاتلة.

نذكر أن محفوظ قد نجا من هجوم طعن شنه متطرف، بعد اتهام مؤلف «أولاد حارتنا»، بالإساءة إلى الدين، وجاء الطعن في حادثة شهيرة بالقرب من منزله في حيّ العجوزة في 1994. وفي عام 1981، اغتيل الرئيس أنور السادات، الحائز نوبل للسلام، على يد متطرفين خلال عرض عسكري في ذكرى حرب أكتوبر 1973.

وبالنظر إلى القضية من جديد، ما المدة التي من المحتمل أن تمر قبل أن يتحقق أمل محفوظ في المزيد من الفائزين العرب خاصة في الأدب؟

بوابة الترجمة

الأبعد من احتمالية فوز عربي بجائزة نوبل في الآداب، هو السؤال الأصعب: هل يقرأ العالمُ الأدبَ العربي؟ الاستفسار الذي قد يكشف عن جروح عدّة، بعضها صنعته أيدينا وبعضها آثار ممارسات الآخر المتفوق، الذي دفعه تفوقه أحياناً إلى الاكتفاء بالذات وعدم الاعتراف بالآخرين.

قبل السؤال عن لماذا لم ينل عربيّ الجائزة الأرفع في العالم؟ علينا أن نسأل من يقرأ الأدب العربي أصلًا؟ من الكاتب العربي المعروف عالمياً؟ من الروائي أو الشاعر الذي تتلهف دور النشر العالمية أو الغربية على ترجمة أعماله؟

بعد فوز محفوظ بنوبل بدأت حركة ترجمة واسعة من العربية إلى غيرها، وشرعت دور النشر الغربية والمؤسسات الثقافية في البحث عن الأدباء العرب، فترجم حينها لعدد وافر أبرزهم جمال الغيطاني وإدوار الخراط وإبراهيم عبد المجيد وسلوى بكر.

وحسبما يرى الباحث في جامعة توبنجن الألمانية حسام عيسى، أنه بحلول منتصف التسعينات، أصبحت مجموعة واسعة من الروايات العربية مترجمة إلى الإنجليزية وفي متناول يد جمهور لا يقل اتساعاً عنها. وركز العرب بشكل عام على مصر بصورة أكبر من البلاد الأخرى.

كذلك جرى تنشيط دعم ترجمة وطباعة المصنفات المصرية من قبل عدة مؤسسات مصرية.

لكن ومع هذا الاهتمام النسبي، ظلت عمليات الترجمة تدور في جزر منعزلة، دون ترويج للكتاب العربي، وأصبح الأمر كمن ينتج سلعة درجة ثانية، ويريد أن ينافس بها سلعة درجة أولى.

بالتأكيد كي يفوز أيّ كاتب بجائزة دولية، لابد وأن تحقق أعماله الشهرة الدولية، خاصة في أوروبا، التي يسيطر محكموها على لجنة التحكيم واتخاذ القرار، ولتحقيق هذه الشهرة، لابد أن تترجم الأعمال مع ضمان وصولها إلى المعنيين.

مكانة هامشية

من جهة أخرى، يشير المستعرب الفرنسي ريشار جاكمون إلى إشكالية أخرى تتعلق بالرؤية الغربية للآداب المكتوبة بغير اللغات الأوروبية، مبيناً أنه كي نُكوّن فكرة عن مكانة الأدب العربي في الفضاء العالمي للأدب، فإن الوسيلة الأفضل هي الانطلاق من كتاب الباحثة الفرنسية الشهيرة بسكال كازانوفا «الجمهورية العالمية للآداب»، الصادر نهاية القرن ال 20، وساهم على نحو كبير في تجديد تصورنا للأدب المقارن، وأقحم تماماً هذا المفهوم للفضاء الأدبي.

وحسب جاكمون فإن بسكال تبين أن «رأس المال الأدبي» موزع على نحو غير متساوٍ، بين مختلف الأمم، وترصد الحضور الأدبي للأمم الأخرى، ليصبح الكتاب «مؤشراً» على مكانة مختلف الآداب القومية في الفضاء العالمي.

ويؤكد يشار أن كازانوفا لم تذكر أي شيء بخصوص أعمال محفوظ أو الأدب العربي. ويعد الغياب سمة عرضية للمكانة التي يحتلها الأدب العربي في الفضاء العالمي؛ مكانة هامشية جداً. لماذا؟

نعتقد أنه آن الأوان كي نقحم الكلمة المفتاح التي نشدد عليها منذ بداية الحديث: الترجمة؛ فالترجمة إلى إحدى اللغات المركزية في الفضاء العالمي هي الشرط الأول للوصول إلى هذا الفضاء.

العميد الذي ترشح 14 مرة خلال الفترة بين عامي 1949 و1964، يبدو أنه تعرض لاستبعاد مقصود، حسبما روى الكاتب المسرحي والقاص محمد سلماوي في مذكراته «يوماً أو بعض يوم».

وأوضح سلماوي أن ما حدث داخل الأكاديمية السويدية يظل علامة استفهام في تاريخ الجائزة، ووصل التنافس وقتئذ بين حسين والروائي الأمريكي فوكنر إلى أشده، وبدا أن الأديب العربي قد تفوّق في التصويت.

ورغم التنافس فإن إدارة نوبل قررت ألا تمنح الجائزة أيا من الأدباء لكن ما يضفي الغرابة عليه هو فوز فوكنر بالجائزة وتسلمه لها العام التالي أي سنة 1950.

بجانب العميد، أصبح النقاش حول ترشح الشاعر السوري علي أحمد سعيد «أدونيس» أمراً طبيعياً تنشره الصحف العربية والغربية على السواء، لينضم إلى من سبقوه كالشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش والروائي اللبناني أمين معلوف.

ومع هذه الترشيحات لم يفز أيّ منهم خاصة أدونيس أحد «أعظم الشعراء العرب الأحياء»، ووصفه المفكر والناقد الأدبي إدوارد سعيد بأنه «الشاعر العربي الأكثر استفزازاً وجرأة اليوم».

ترشيح واستبعاد

مع هذه المكانة الهامشية للأدب العربي، فإن ثمة كتاباً يجري ترشيحهم من عام إلى آخر، أو على الأقل تدور نقاشات حول هذا الترشيح، وقبل حصول محفوظ نفسه على الجائزة، سبق أن رشح عميد الأدب العربي طه حسين للفوز مرات عدّة.

https://tinyurl.com/bp9m8et3

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"