الإبداع ليس خطأ وصواباً

00:07 صباحا
قراءة دقيقتين

هل أنت في الموعد مع ما وعد القلم بإهدائه إلى الأسرة العربية، تمارين للجيل الصاعد على فنون التحبير والتعبير؟
المدارس تستعمل عادةً لفظة إنشاء، التي لها جرس حمّلته السنون سلّة من السلبيات، من دون قصد الإشارة، لا قدّر الله، إلى ركام التوصيات والقرارات.
من الأخطاء التربوية عدم التجدّد، والأنكى إهمال درر التراث، فلدينا ما ليس لأمّة في تربية أو تعليم. تأمّل عظمة القول المأثور: «لا تعلّموا أولادكم ما عُلّمتم، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم».
ليس أسلوباً سويّاً تعليم العربية انطلاقاً من مبدأ الخطأ والصواب. تعليم اللغة القويم يجب أن يكون أساسه الإحساس بالجمال. الحكمة البيولوجية لا غبار عليها: «الحياة كيمياء، ولكن الكيمياء ليست كل الحياة». قياساً: العربية نحو وصرف، ولكن النحو والصرف ليسا كل العربية.
للمقارنة الوازنة، من هم النحاة الذين يبلغون ذرى أبي العلاء، والتوحيدي، والجاحظ، والمتنبي، وأبي تمام في روائع الإبداع بالكلمة؟ أيّ عالم لغة فارسي يرقى إلى بدائع جلال الدين الرومي، وبيدل دهلوي، وحافظ الشيرازي، وفريد الدين العطار؟
الكتابة فنون إبداعيّة، ولا تُبلغ من دون تدريب وتجارب. اللغة مخارج أصوات، فهي موسيقى، ولا تقاس بالكيلو والمتر واللتر. كم نصيب تربية الإبداع، من تعليم العربية وقواعدها، في مناهج العرب؟
مهلاً يا قلم، هل ستؤجل موضوع التمارين التي وعدتَ بها الجيل الصاعد؟ قلتَ إن لديك مقترحات مبتكرات.
التمارين المقترحة: ربّة البيت تستطيع أن تلعب دور الأستاذ المايسترو. أليست ربة المطبخ بتعبير بشار «ربابةُ ربّةُ البيتِ.. تصبّ الخلّ في الزيت»؟ التمرين الأول سيكون: اكتب جملةً، ثم عبّر عنها بعشرين طريقة مختلفة. لا توحش النفس، لديك بيضة، عليك إعدادها بعشرين طريقة. أحياناً، الأشياء المتباينة تماماً في ظاهرها تكون بينها تجاوبات وتناغمات شديدة التقارب. تخيّل مثلاً، الأبعاد والآماد التي تفصل أسلوب أبي حيان التوحيدي عن أسلوب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. مسافات نجومية، لكن، في الحقيقة، أبو حيان وطه يعشقان تدوير المكرّر، وإعادة تدوير المُعاد. هذا ما يسمّونه في الموسيقى «التصوير»، أو «ترانسبوزيسيون»، أي أن يكون لحن في مقام «دو كبير» فتعزفه في مقام «فا كبير».
تجربة أخرى: الفكرة نفسها، أو النص الذي كتبتَه ذاته، نريد أن تنجزه مرّةً بالموجة الزرقاء، وأخرى بالوردية، كما لو كنت فناناً تشكيلياً. كن مسرحياً، نريد النصّ تارةً تراجيدياً وأخرى كوميدياً.
لزوم ما يلزم: النتيجة الابتكارية: الكتابة تقاس بإشعاع الإحساس بالجمال. هرم خوفو لا يقاس بعدد الصخور، ولا السيمفونية التاسعة بعدد الخوافض والروافع. الإبداع ليس قضية خطأ وصواب، حصره في القواعد تقزيم.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"