تقوم التعاليم الصهيونية غير اليهودية على مجموعة من الأساطير الصهيونية التوراتية، مثل الشعب المختار والميثاق وغيرها، التي تسربت للتاريخ والفكر الغربي عبر حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في القرن 16 وتم غرسها في البيئة غير اليهودية، وكانت هذه الأساطير متوافقة مع تلك التي أصبحت لاحقاً تشكل المنطق الروحي الباطني للصهيونية اليهودية السياسية، وقد جعلت أسطورة الشعب المختار اليهود أمة منفصلة عن الآخرين.
من هنا بدأت جذور فكرة الانفصال التي لا يمكن فصلها عن سياقاتها الاجتماعية والنفسية والسياسية، ومن المهم في هذا المجال ان يتم التطرق الى مصطلح الجيتو الذي هو مرادف من حيث المحتوى والمضمون لفكرة الفصل وما تبعها من إقامة جدران عازلة ترسخ فكرة النقاء المرتبطة بعقدة الخوف من الآخر والاضطهاد، وكان يجب تعزيزها بسلسلة من القوانين التي تعمل على إقصاء الآخر وعزله وهذا ما كرسته سلطة المدارس التلمودية التي دفعت باتجاه تشكيل الشخصية الصهيونية في إطار من العنصرية.
وهكذا كانت دولة اسرائيل التي نشأت كدولة كولونيالية تقوم على الاحتلال والاغتصاب ورفض الآخر، ولعل ما قامت به اسرائيل في فلسطين من تعزيز نزعة السيطرة وإعادة إحياء الدولة نقية العرق بناء على تعاليم الحاخامية الصهيونية الجديدة، يعتبر من المغالطات الكبرى التي زجت الدين في اللعبة السياسية المكشوفة واستخدمته وسيلة لترويج فكرة القومية اليهودية في فلسطين، لينشأ عن ذلك كيان وصف بأنه من أسوأ النظم العنصرية في التاريخ الحديث ويقوم على مبدأ الاحتلال بالقوة والسيطرة على الإنسان وسلب الحقوق.
لقد كان موسي هس 1811-1875 اول من نادى بفكرة القومية اليهودية الشوفينية العرق، وبدأ هس حياته كثوري بارز واشتراكي، ثم تحول إلى الرومانسية الرجعية والعرقية القومية. ويصفه هرتزبيرغ بأنه كان رجلا من رجال القرن التاسع عشر بالكامل، الذين انغمسوا في ثورات العصر، وبعد أن هزمت هزموا وقد استغلقت أمام أعينهم طريق الثورة. لقد شارك هس في السنوات ال48 العاصفة بالثورة، وحكم عليه بالإعدام وهرب حاملاً معه كل عوامل الهزيمة والسقوط.
جاءت ردة هس في مناخ عصر الردة، واشتداد الأصوات التي تتحدث عن السمات العضوية للروح القومية، وقيم وشعارات جديدة محورها الدم والأرض.
وفي سنة 1853 نشرت العنصرية الحديثة أول كتبها الكلاسيكية لجوبينيو وهو مقال في عدم المساواة بين الأجناس البشرية، ثم بعد ذلك ظهرت موجة العداء للسامية التي عبر عنها فاجنر وشامبرلين وجورج فون شوترز. وكان هس اول من أخذ هذا المذهب الجديد وضمنه لمنظومته الفكرية العنصرية.
وقد أثار الجدار العازل في فلسطين حفيظة مجموعة من الكتاب والفنانين العالميين الذي سجلوا رفضهم لإقامته لما يشكل من انتهاك واضح لحقوق الإنسان، عدا عن كونه تعبيراً عن فكرة عنصرية بكل معنى الكلمة حيث قال الممثل المسرحي البلجيكي فرانك فروكرويس وقد عاد الى بلاده بعد زيارة قام بها مؤخرا الى الأراضي الفلسطينية شاهد خلالها جدار الفصل العنصري إن تجربة رؤية الجدار كانت (مقرفة) لي كسائح فكيف بالنسبة لفلسطينيين يعانون منه يوميا وتابع كيف يمكننا الاحتفال بسقوط جدار برلين وهناك جدار آخر قائم الآن، ان الفرق بين جدار برلين وجدار الفصل العنصري هو ان الأخير يستخدمه الصهاينة ليرهبوا الفلسطينيين ويستغلوه كقوة احتلال.
وأضاف فروكرويس بعد 20 عاما من سقوط جدار برلين هناك واحد جديد.. اذا كنا سعداء بسقوط الأول فلماذا لا نوقف بناء الثاني؟
من جهة اخرى شهد مهرجان العالم المحكي الذي أقيم في بروكسل مؤخراً عرضاً موسيقياً دان جدار الفصل العنصري الإسرائيلي في فلسطين ونشر 300 مغن يتبعون 10 جوقات موسيقية بلجيكية قصائد للشاعر الراحل محمود درويش وأدونيس والأمريكي سام شيبارد باللغات العربية والإنجليزية والعبرية.
في سياق آخر وحول فلسفة (الجدار) ومدلولاته الاستعمارية الصهيونية، يلاحظ ان الاستعمار الغربي حين فكر في غزو البلاد العربية وضع على رأس أهدافه تفتيت الوطن العربي ومصادرة إرادته، وكان الحماس الغربي الاستعماري لإنشاء دولة للصهاينة في فلسطين جزءاً مركزياً مهماً في هذه الخطة، وتحدثت عن ذلك مذكرات وكتب واعترافات لعدد من قادة الغرب في تلك الفترة.
لذا كانت الصهيونية هي الجدار الأول والأخطر التي تمنع قيام أية امكانية لبزوغ دولة عربية للعرب المنتشرين في إفريقيا وآسيا.
هذه الفلسفة ماثلة بقوة في الفكر الصهيوني، بما له من مرتكزات لاهوتية مزعومة أقامها أحبار اليهود التلموديون المتعصبون ولاسيما في بلدان الغرب الأوروبي الذي ضاق ذرعاً ب (الغيتو) اليهودي، وصيغة (الغيتو) التي كانت متمثلة في الأحياء التي سكنها اليهود وأصبحت (كيانا) بالغ الخطورة.
يميل الدارسون الى مقاربة رفض القادة الصهاينة المتكرر لفكرة السلام مع العرب ب (الجدار) اللاهوتي الخطير، والسلام يعني هدم (الجدار)، وكسر القوقعة ويعني ايضا، ذوبان اليهود في المنطقة، وفقدان ديانتهم والدور الذي من أجله انشئ هذا الكيان.
في مقابل صورة الجدار بوصفه تعبيراً عن ثقافة معزولة لا تريد الاختلاط بأحد، كان للكتابة على الجدران ما يمكن أن يكون انعكاساً لظاهرة إنسانية تعبر من خلال الشعار عن فضاء كبير من الطموحات التي جعلت من الكتابة نفسها، أسلوباً من الممارسة اليومية التي يوظفها الفرد للتعبير عن أمنياته الخاصة.
وتشير الدراسات الى أن (الكتابة الجدارية الشعارية) كانت ظاهرة مارسها الفرد والجماعة كما تفاعلت مع الواقع والتجربة الإنسانية بأبعادها المختلفة.
لقد ناقش العالم النفسي (كودبيل) ما يفيد أن المركبات الفكرية التي مثلتها الكتابات الجدارية كان لها مغزىً نفسي يلقي الضوء على المواقف الاجتماعية للصراع النفسي والإنساني، وبالمثل فإن (ام كي اوبلر) حدد أن درجة الامتلاء في الكتابات الجدارية الخام هي انعكاس لمشكلة اجتماعية، كما أن لوماس أكد أن المعطيات الثقافية الواردة في مجمل الكتابات الجدارية التي دأب العامة على كتابتها والتعبير بها تتضمن الرسالة التي تعكس المواقف الاجتماعية والتغيرات العريقة في الإنشاء الثقافي.
وقد توصل ريتشارد فريمان الى النتيجة نفسها حيث أكد أن الكتابات تلك تعكس طبيعة المجتمع وتحديدات الطابع العاطفي للأفراد الذين يمارسون هذا النوع من التعبير.
وفي التاريخ الإنساني نشأت عدة مدارس مارست الكتابة على الجدران ومنها: مدرسة نيويورك للكتابة والرسوم، التي تمثل بالنسبة للحركة الحديثة في هذا النوع من الممارسة مركزاً شكل شبكة من النقاط المهمة التي اعتبرت امتداداً لظاهرة نيويورك الجدارية، حيث نشأت في أحياء المدينة حركات الشباب المهتمة في الكتابة ومارست هذا الفن الثقافي باعتباره نوعاً من الهزل والمزاح، ولكن الظاهرة لا يمكن حصرها في مثل هذه المقولة التي ترددت على ألسنة الكثيرين ممن تابعوا تطور الفعل الكتابي هذا، إذ إنّ نمو الظاهرة وانتشارها ثم المدارس الثقافية التي برزت فيها أكدت أن جانباً مهماً آخر للظاهرة ارتبط بالظروف الاجتماعية لحركات الكتابة التي أطلق عليها أسماء كثيرة.
وتعود الظاهرة هذه في نيويورك إلى منتصف السبعينات حيث بدأت مجموعات من شباب المدينة يستخدمون الجدران للتعبير عن ذواتهم وإحساسهم النفسي وتفوقهم وإبرازها في صور وكتابات هزلية ومثيرة للضحك. ويبدو أن الكتابة ارتبط ظهورها في نيويورك أولاً في الأنفاق وعلى القطارات، إذ إن الكتابة عليها كان بمثابة المغامرة، والجماعات التي بدأت هذا الاتجاه غلب عليها فئة الشباب السود والاسبانيين الأمريكيين الذين وجدوا في أوضاعهم المادية والاجتماعية منفذاً لهم لخلق وإبداع طرائق تفكير خارجة عن إطار الثقافة العامة.
وفي تعليل الظاهرة هذه حلل أحد كتّاب الجدران في بريطانيا السبب بأن الرسم الجداري في أمريكا ارتبط بحركة القطار أي أن الرسم أصبح جزءاً من القطار، في المقابل فإن الرسوم الجدارية في بريطانيا التصقت بالجدار غير المتحرك ولذلك لا يمكن تصور - حسب رؤية الفنان هذا - ظاهرة الحركة في رسوم بريطانيا وبعض المدن الأوروبية.
ويرد ايضا اسم سوهو كمركز أمريكي آخر في التعبير عن ثقافة الجدران، حيث قدم رؤية مختلفة وإن اعتبرت امتداداً لما ظهر في نيويورك، ما رسم بعض ملامحه ديفيد روبنسون 1990 في مجموعته عن جدران سوهو. فالكاتب روبنسون مدرس له تجربته في إفريقيا. وإفريقيا في الحلم الغربي ظلت معرضاً مفتوحاً وقابلاً لكل التفسيرات الجميلة وإن استخدمها الفنان في السينما كخلفية لأغراضه، فإنها تظل معرضاً فنياً مفتوحاً، حيث تعتبر المركبات الثقافية من صميم الحياة اليومية الإفريقية وتوجد في الأسواق وأشكال البنايات والعادات والتقاليد.