وضعت المترجمة والباحثة السورية رندة بعث جميع الهوامش التعريفية لكتاب «الباب» للباحث باسكال ديبي، أستاذ الإثنولوجيا في جامعة باريس ديدرو السوربون، وبلغت 803 هوامش تتصل بشعراء وروائيين ورسّامين فضلاً عن التعريف بالمئات من المدن الأوروبية التاريخية والمدارس الأدبية والفنية والأحداث المهمّة المفصلية ذات الصلة بموضوع الكتاب الذي جاء تحت عنوان مقاربة إثنولوجية، وصدر في ترجمته العربية عن هيئة البحرين للثقافة والآثار 2017.
في إطار قراءة هذا الكتاب الممتع، اهتممت بشكل خاص بالهوامش التي وضعتها المترجمة حول الثقافة اليونانية. والقارئ يعرف أن اليونان تحل ضيف شرف على معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته المقبلة، وهي فرصة مناسبة لقراءة التاريخ الثقافي لليونان من خلال بحث إثنولوجي حول «الباب»، لا بل يشعر القارئ أن اليونان هي باب الثقافة الأوروبية برمّتها، وأن ما من فيلسوف أوروبي عبر تاريخ الفكر القديم والحديث إلّا وعلى جسده وشم يوناني.
اهتم الفرنسيون بتاريخ وثقافة اليونان الجمالية والفلسفية والأسطورية. أندريه برنان (1923-2012)، وبحسب قوائم المترجمة رندة بعث، تخصص بالنقوش اليونانية في مصر، وتخصص بول فور (1916-2007) بالحضارة «المينوسية»، واهتم بريس غروييه بالجغرافيا الثقافية والتاريخية للعالم المتوسطي.
لا تترك رندة بعث تاريخاً أو معلومة أو أسطورة، أو مدينة إلّا وتحيلها إلى هامش تعريفي قليل الكلمات، لكنه يكفي تماماً لكي تعرف ما لم تعرفه من قبل، وحين تعرف ما لا تعرف، تشعر بشيء من الجوع إلى التاريخ الذي ربما لم يولد إلّا من أحد أضلاع البحر الأبيض المتوسط، هناك حيث اليونان.
يخصص باسكال ديبي فصلاً غنياً بالكتابة التأمّلية «العلمية-الشعرية»، إن جازت العبارة، حول أبواب اليونان المصنوعة أولاً من الفلسفة قبل أن يصنّعها النجارون والحدّادون. إنها أبواب إيروس، وأفروديت وأفلاطون أوّل من فكر في تأسيس المعاهد الأكاديمية واتخذ مقرّ أكاديميته بالقرب من حديقة في أثينا كانت تسمّى «حدائق أكاديموس»، كما تشرح المترجمة صاحبة الثمانمئة هامش، وكأنها تتحول من مترجمة إلى باحثة، أو أنها تنجز بحثاً داخل بحث.
كتاب «الباب» في الفصل المتعلّق باليونان يكفي الكثير من قلبك وعقلك لكي تستقبل بلداً شرق متوسطي في معرض كتاب عربي هنا في الشارقة حيث تلتقي الحضارات والثقافات، تلك المولودة من الماء من المتوسط الأوروبي إلى الخليج العربي.
ولكن، كم باباً يا تُرى لأثينا؟ وهل استوفى قراءتها باسكال ديبي كما ينبغي لباحث إثنولوجي في داخله شاعر بلا مصطلحات ولا ألقاب؟ يقول المؤلف إن لأثينا ثلاثة عشر باباً «كانت تفتح على الجهات الأساسية كلّها»، لكن ماذا بشأن الأسوار والقلاع والموانئ؟ ماذا عن أبواب الشعر والفلسفة والأساطير والمسرح والفروسية والحروب؟ لننتظر المزيد من هوامش الترجمة إلى العربية.