ما من عمل فني اقترن باحتفالات المولد النبوي كأبرويت «الليلة الكبيرة».
عمل جمع بين ثلاث مواهب كبيرة: صلاح جاهين في الشعر، سيد مكاوي في اللحن والأداء، وصلاح السقا في إخراج مسرح الدمى.
يعكس العمل روح التديّن الشعبي المصري الفطري القريب من الطقس الصوفي، ولنجاح الأوبريت في التعبير العميق عن هذه الروح فإنه لا يزال حاضراً ويتجدد على مدى أجيال، رغم مضي عقود على تقديمه أول مرة.
إنه عمل عابر للزمن، ومحقّة الكاتبة أميمة الشاذلي التي وصفته في عنوان مقال مطوّل لها عنه بأنه «أيقونة مصرية في وجدان العرب»، فالأوبريت الذي قدّم أول مرة في ستينيات القرن الماضي على مسرح العرائس بالقاهرة، ليس مجرد عمل استعراضي للأطفال، وإنما هو نصّ بصري وسمعي يحاكي الذاكرة الشعبية في مصر، تتداخل فيه الروحانيات بالمرح، والابتهالات الدينية بالفرجة الشعبية.
تنقل أميمة الشاذلي عن سامية جاهين، ابنة الشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، قولها «إن والدها تنقل مع جدها الذي كان يعمل قاضياً بين معظم محافظات مصر من شمالها إلى صعيدها، منذ طفولته إلى أن بلغ نحو التاسعة عشرة من عمره، قبل استقراره في القاهرة»، وهذا ما مكّنه من التعرف على عادات وتقاليد الناس في مختلف أنحاء مصر، فعكست كلمات الأوبريت الذي كتبه قبل بلوغه الثلاثين من عمره، هذا التنوع الثري في طقوس المصريين في مناسبة بأهمية المولد النبوي، الذي يتجاوز في المخيال الشعبي المصري مجرد كونه احتفالاً دينياً ليصبح كرنفالاً اجتماعياً غنيّاً بالصور والشخصيات والحكايات، يجتمع فيه البائعون، المدّاحون، الحواة، لاعبو الأراجوز، راكبو المراجيح وغيرهم، حيث نجح مبدعو الأوبريت الثلاثة في أن يقدّموا لنا هذا العالم الغني الممزوج بالبراءة والمرح والفقر والحلم، مبرزين الطقوس التي جمعت بين ما وصفناه التدين الفطري والاحتفاء المبهج.
لولا الدور المحوري لسيد مكاوي في نجاح العمل، كانت كلمات صلاح جاهين على جمالها وروعتها ستبقى على الورق يستمتع القراء بقراءتها، ويقول العارفون بالموسيقى إن ألحان مكاوي في «الليلة الكبيرة» اعتمدت على المقامات الشرقية الأصيلة مثل «الراست» و«البياتي»، ممزوجة بإيقاعات شعبية قادمة من الموالد والأفراح الريفية، وبفضل قدرته على التنقل بين الإيقاعات أصبحت الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من السرد المسرحي، لا مجرد خلفية.
تقول كلمات في الأوبريت: «الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة/ ماليين الشوادر يابا مِ الريف والبنادر». نحن لسنا في «الليلة الكبيرة» وحدها، وإنما في «المجتمع الكبير» كاملاً. في الحياة بكل متناقضاتها وأوجه تنوعها يحضر الفقر والغنى، الرضا والسخط، الرجل والمرأة، التاريخ والحاضر.. تحضر مصر التي نحبّ روحها الملهمة.