عادي
100 مليار متآمر صغير في رؤوسنا

هل نحن جميعاً أصحاب نظريات مؤامرة؟

19:24 مساء
قراءة 4 دقائق

يؤكد روب براذرتون في كتابه «عقول متشككة.. لماذا نصدق نظريات المؤامرة؟» (ترجمة هاني فتحي سليمان) أن نظريات المؤامرة ظاهرة عالمية لا تقتصر على الغرب، فوفقاً لاستطلاع أجراه أحد مراكز الأبحاث: في كثير من أرجاء العالم ينظر إلى اللقاحات وغيرها من الأدوية الغربية بشك وريبة، ويعتقد أربعة من بين كل عشرة مواطنين روس أن أمريكا زيفت عمليات الهبوط على سطح القمر، وفقاً لاستطلاع للرأي أجري عام 2011.

يوضح اختصاصي علم الأعصاب ديفيد إيجلمان في كتابه «وراء الكواليس الحياة السرية للدماغ» أن ثمة شبكة معقدة من الآلات المخبوءة تحت جلدك، فجسدك مليء بأعضاء وكل منها له وظيفة متخصصة يؤديها، وجميعها تعمل معاً كي تبقيك على قيد الحياة، وبصحة جيدة، وهي تتمكن من أداء مهمتها على مستوى اللاوعي، فسواء انتبهت أم لا يستقر قلبك في النبض وتنبسط وتنقبض أوعيتك.

لكن دماغك مختلف على ما يبدو، فالدماغ هو أكثر الأعضاء تعقيداً على الإطلاق، فهو يتألف من مليارات الخلايا المتخصصة، وكل من تلك الخلايا في اتصال مباشر مع الآلاف غيرها، وجميعها تطلق بلا توقف إشارات كهربية في موجات متسارعة من النشاط، وبطريقة معينة – لا تزال لغزاً إلى حد بعيد – ينشأ الوعي من وسط كل هذه الفوضى، فتجربة كوننا أشخاصاً يفكرون ويشعرون ويقررون تكمن وراء أعيننا، التي تنظر إلى العالم وتتخذ قرارات مهمة مثل الوقت المناسب لعبور الطرق والمكان المفضل الذي نذهب إليه من أجل تناول الغداء، فالوعي هو كل ما نعرفه عما يجري في رؤوسنا.

*أسئلة

هل هذا معناه أن نظريات المؤامرة غير عقلانية في جوهرها ومرضية، وتنطوي على نوع من الجنون وتشوش العقل والحمق والارتباك؟ بعض المثقفين يمطرون بحماس نظريات المؤامرة بهذا النوع من الصفات التي تعبر عن الاحتقار والسخرية، مصورين إياها بأنها تنشأ عن تفكير مختل، يتمتع من لا يؤمنون به بحصانة ضده، على حد زعمهم.

يقول مؤلف الكتاب: «الكتاب غير معني بتقديم قائمة بنظريات المؤامرة كدليل للأفكار أو المعتقدات الشاذة، كما أنه غير معني بتصنيف أصحاب نظريات المؤامرة باعتبارهم جنساً غريباً، أو حكاية تحذيرية حول الكيفية التي يمكن أن يتعطل بها تفكيرك، فالنتائج العلمية التي تراكمت لدينا على مر السنوات القليلة الماضية تخبرنا بقصة أكثر إثارة للاهتمام بكثير.

قصة لها تبعات بالنسبة إلينا جميعاً، فقد حذر مايكل بيليج أحد الرواد الأوائل في مجال البحث في التفكير القائم على نظريات المؤامرة، أنه في ما يتعلق بتلك النظريات: «من السهل المبالغة في التأكيد على شذوذاتها على حساب ملاحظة الأمور السيكولوجية العادية»، فقد تكون نتاج بعض نزوات أدمغتنا وزلاتها، غير أنها ليست فريدة على الإطلاق في هذا الصدد، فأغلب نزواتنا تحدث ببساطة من دون أن تسترعي الانتباه، ويمكن أن يخبرنا علم النفس بالكثير ليس فقط بشأن أسباب تصديق الناس نظريات حول المؤامرات الكبرى، لكن أيضاً بشأن آلية عمل عقولنا، وأسباب تصديقنا أي شيء على وجه العموم.

*حيل

يؤكد المؤلف أننا تحت رحمة 100 مليار متآمر صغير، جيوش جرارة من الخلايا العصبية المتآمرة، وعبر صفحات هذا الكتاب يزيح المؤلف الستار ليسلط الضوء على جنبات خفية غامضة من عقولنا، ويكشف كيف يمكن لحيل أدمغتنا السرية أن تشكل الطريقة التي نفكر بها في نظريات المؤامرة وغير ذلك كثير.

سواء كانت نظريات المؤامرة تعكس حقيقة ما يحدث في العالم أم لا، فإنها تخبرنا بالكثير عن ذواتنا السرية، وتنسجم مع بعض التحيزات الآمنة في الدماغ وطرقه المختصرة، وتتوافق مع بعض من أعمق رغباتنا ومخاوفنا وافتراضاتنا بشأن العالم، ومن يعيشون فيه، فنحن نملك عقولاً متشككة بالفطرة، وجميعنا أصحاب نظريات مؤامرة بالفطرة.

يرى المؤلف أن هناك كماً وفيراً من التكهنات بشأن العوامل التي أدت إلى اعتبار هذا العصر هو العصر الذهبي المزعوم للمؤامراتية، المتهم الأول في نظر الكثيرين من مثقفي القرن الحادي والعشرين، هو ظهور الإنترنت، وقد أطلقت دراسة أجريت عام 2015 حول انتشار نظريات المؤامرة على شبكات التواصل الاجتماعي على هذا العصر اسم «عصر التضليل».

يشير مثقفون آخرون بأصابع الاتهام إلى أحداث مادية ملموسة، فيرى أحد الصحفيين الكبار أن انهيار برجي مركز التجارة العالمي فتح الباب أمام تصدع للثقافة على أقل تقدير، أو بعبارة أخرى ثقب أسود فكري من نوع ما، ابتلع مجموعة كبيرة من المرتابين السياسيين، ويتعقب آخرون الجذور التاريخية للمؤامراتية، فربما تكون قد بدأت في سبعينيات القرن العشرين.

*حوادث

ثمة مجموعة من السنوات شهدت فيها نظريات المؤامرة زيادة هائلة، لقد ازداد عدد الرسائل التي تتحدث عن مؤامرة في منتصف التسعينيات من القرن التاسع عشر، عندما تصاعدت المخاوف بشأن الشركات التجارية الكبرى، وفي عام 1950 عندما بلغ الخوف الأحمر ذروته، لكن أمد هذا التصاعد لم يدم طويلاً.

يوضح المؤلف أن التفكير المؤامراتي واسع الانتشار لأنه جزئياً نتاج الطريقة التي تعمل بها عقولنا طيلة الوقت، فإذا علق ثلاثة أشخاص في جزيرة معزولة، فقد لا يمضي وقت طويل حتى يجد كل واحد منهم نفسه يتساءل ما إذا كان الاثنان الآخران يخططان لشيء من ورائه.

يرى المؤلف أن نظريات المؤامرة يمكن أن تقود إلى نتائج مدمرة، ويجب علينا الحذر من نظريات المؤامرة التي تجعل من الأشخاص الضعفاء كبش فداء، وتحرض على العنف، وتعزز الأفكار المغلوطة عن قضايا، يمكن أن يترتب عليها نتائج خطرة، بالنسبة لنا جميعاً، مثل اللقاحات والتغير المناخي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"