يشكل تاريخ التربية والتعليم بمختلف أنماطه ومستوياته جزءاً لا يتجزأ من التاريخ الثقافي والاجتماعي لأية أمة ناهضة، فهو يتناول مسيرة التنمية في أهم خصائص البشر (العقل)، ومنه يستبين مقدار الوعي الحضاري لتلك الأمة، ومكانة وقيمة العلم والمعرفة لديها عبر حقب التاريخ المتتابعة، ومدى ما بذلته من جهود في سبيل تعميمه ونشره وتقدير حامليه.
عرف مجتمع الإمارات في الفترة التي سبقت قيام الاتحاد (1971) ثلاثة أنماط متمايزة من المؤسسات التعليمية وهي :
1- مدارس الكتاتيب : التي تقوم بتعليم الناشئة ذكورا وإناثاً القرآنَ الكريم، وشيئا من القراءة والكتابة، والحساب - في عملياته الأربع- للذكور.
وهذا النمط قديم، ويتميز بالبساطة، والاقتصار على أهم ما يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه. وقد استمر هذا النمط من المدارس حتى منتصف عقد السبعينات في بعض الإمارات،واختفى تدريجيا بوفاة المطاوعة والمطوعات معلمي القرآن أو اعتزالهم بسبب الشيخوخة، وظهر مشروع زايد لتحفيظ القرآن الكريم كبديل حوالي عام 1974.
ويتفاوت نصيب كل إمارة من توثيق كتاتيبها وتراجم المطاوعة والمطوعات الذين قاموا بتأسيسها وتعليم الناشئة فيها، وقد حظيت إمارتا رأس الخيمة وعجمان أكثر من غيرهما بتوثيق هذا النوع من المدارس، على يدي د. عبدالله الطابور (رأس الخيمة) وكاتب هذا المقال (عجمان).
2- مدارس شبه نظامية : وهي أعلى مستوى من الكتاتيب، وتستقطب طلبة أكبر سنا، وتركز على تعليم العلوم الشرعية، كالتوحيد والفقه وتفسير القرآن والحديث والأخلاق والتدريب على الخطابة في المساجد، وهي في الغالب من تأسيس المحسنين من تجار اللؤلؤ، وتعتمد على دعمهم.
وقد ظهرت أقدم تلك المدارس في إمارة الشارقة، وهي المدرسة التيمية المحمودية، حوالي عام 1907 على يدي الوجيه علي بن محمد المحمود، ثم تبعتها مدارس عدة في الإمارة وتوابعها، كما برز في دبي عدد آخر من المدارس أهمها الأحمدية عام ،1912 والسالمية عام ،1923 والفلاح عام ،1925 والسعادة (في العام نفسه).
ولم يطل العمر بتلك المدارس شبه النظامية أكثر من نصف قرن، حيث حل محلها التعليم النظامي الحديث.
وقد حظي هذا النوع من المدارس باهتمام العديد من الكُتّاب، وعلى رأسهم د. عبدالله الطابور، ود. عارف الشيخ عبدالله الحسن.
وفي رأيي فإن إجراء المزيد من المقابلات مع طلبة تلك المدارس (وكثير منهم رجالُ أعمال في الوقت الحاضر) سوف يلقي الضوء على جوانب عدة لم تأخذ نصيبها من عناية المؤرخين.
3- التعليم النظامي الحديث : وقد بدأ في عام ،1953 وذلك حينما أخذ حاكم الشارقة آنذاك بزمام المبادرة،فطلب من حكومة الكويت في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح مد يد العون بإرسال بعثة من المعلمين إلى إمارته للمساعدة في تأسيس مدرسة حديثة تتبع منهاج التعليم في الكويت وكان التعليم الحديث قد بدأ في الكويت منذ عام 1936 إثر إنشاء مجلس المعارف بها، فاستجابت حكومة الكويت مشكورةً وبادرت بإرسال بعثة تعليمية إلى الشارقة، وهكذا ظهرت أول مدرسة حديثة لتعليم البنين في ساحل الامارات المتصالحة هي المدرسة القاسمية للبنين في الشارقة، وخلال الفترة من 1953-1961 دخل التعليم الحديث بقية إمارات الساحل تباعا، ومالبث أن زاد عدد المدارس وتنوعت لتشمل التعليم الديني والصناعي والزراعي والتجاري.
وإذا كانت المدارس شبه النظامية قد حظيت أكثر من غيرها بعناية المؤرخين، فإن الباحث في تاريخ التعليم في الامارات خلال الحقبة الممتدة منذ عام 1953(انطلاقة التعليم الحديث بدءا بإمارة الشارقة) وحتى عام 1971 قيام دولة الامارات العربية المتحدة وإنشاء وزارة التربية والتعليم سوف يُصدم بشح المادة التاريخية المتعلقة بنشأة وتطور التعليم في كل إمارة على حدة قبل اتحادها - فأغلب ما نُشر حول هذا الجانب لايعدو في الواقع أن يكون نُبَذاً تاريخيةً موجزة، لايزيد نصيب كل إمارة فيها عن بضع صفحات في أحسن الأحوال. تكون مدرجة في تاريخ التعليم بشكل عام وبمختلف أنماطه.
ولا أخفي عن القارئ بأن الذي حفزني للتنبيه على هذه الثغرة هو مطالعتي مؤخرا لكتاب موسوعي قيّم بعنوان تاريخ التعليم في دولة الكويت وهو مشروع تأليفي مشترك بين وزارة التربية ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ويتألف من ستة مجلدات غنية بمادتها التاريخية الدسمة والممتعة، التي تستعرض تاريخ التعليم مرحلةً إثر مرحلة حتى العام ،2000 وحينما قارنت غزارة مادته التاريخية بمُجمل ما تم نشرُه عن تاريخ التعليم في الامارات شعرت بالإحباط والأسى لفقر المادة التاريخية المنشورة عنها مع تقديري وشكري لكل من أرّخ لهذا الجانب الحيوي من تاريخنا الحضاري.
نظرا للحاجة إلى تخصيص بحوث تاريخية منفصلة ومفصّلة عن تطور مسيرة التعليم فيها خلال الفترة التي سبقت انضواءها تحت لواء الاتحاد عام ،1971 وبالتالي تبعية مؤسساتها التعليمية لوزارة التربية والتعليم.
إن توثيقَ تاريخ الحركة التعليمية توثيقٌ لأهم أركان التمدن الحديث في دولة الامارات العربية المتحدة، وهو واجب وطني يحتم على الجهات المعنية المسارعة إلى تدارك مصادر هذا التاريخ المشرف واستخراج ما لديها من معلومات وذكريات تشكل في مجملها كنزا ثقافيا لايقدر بثمن، نستلهمه ونعتز به، وننقله ناميا متطورا لأجيال المستقبل.
إن الامارات تضم اليوم بين جنباتها عددا قليلا من أوائل المعلمين والإداريين، وبعضهم يعيش في الخارج، إلى جانب عدد كبير من أوائل الطلبة والطالبات المواطنين الذين ساعفهم الحظ وساعدهم وعيُ آبائهم بأهمية التعليم، فأتيح لهم الالتحاق بالمدارس النظامية الحديثة، فكانوا بعد تخرجهم باكورةَ ثمار هذه الخطوة المباركة، كما أن عددا منهم انخرطوا لاحقا في سلك التعليم فقاموا بدور تربوي يُذكر فيُشكر.
إن كل فرد من هذه النخبة المتعلمة يحمل في ذاكرته ذكرياتٍ غنيةً عن فترة دراسته ومجرياتِ الحياة في المدارس الأولى وما أحاط بها من تسهيلات وعقبات أُسَرية واجتماعية، ما أحوجنا اليومَ إلى التنقيب عنها وتوثيقها.
ولا شك في أن مشروعا توثيقيا متكاملا كهذا لاتفي بالقيام به جهود فردية، بل لابد من اضطلاع مؤسسة حكومية خاصة به يكون لها مقر مستقل، وكادر وظيفي متخصص، وفريق من الباحثين المدربين، وأرشيف الكتروني..إلخ، بحيث تتولى المؤسسة - وحسب خطةٍ مدروسةٍ- حصرَ المصادر المكتوبة والشفاهية، وإجراءَ مقابلات توثيقيةٍ مع الرواة (قدامى المعلمين والإداريين، والطلبة والطالبات)، ثم تفريغها وأرشفتها وعمل مستخلصات عنها، إضافة إلى جمع ما يمكن جمعه من صور وإحصائيات ووثائق..إلخ تشكل في مجموعها مصادر بحثية متنوعة.
وفي رأيي أنه يمكن الاستفادة من تجربة دولة الكويت الشقيقة في إنشائها للأمانة العامة لتوثيق تاريخ التعليم فيها،كما أنه من الضروري جدا لاستكمال المعلومات التاريخية الرجوع إلى سجلات ووثائق وإحصائيات ومحاضر جلسات مجلس المعارف الكويتي (خلال الفترة من 1953 دخول التعليم النظامي في الامارات -1961 استقلال الكويت وقيام وزارة التربية فيها) ثم وثائق وزارة التربية (خلال الفترة من 1961 استقلال الكويت - 1971 قيام دولة الامارات)، إضافة إلى سجلات مكتب الكويت في دبي الذي اضطلع بالاشراف على الناحيتين التعليمية والصحية اعتبارا من عام 1963م.
* مدير متحف عجمان